بعد نحو ثلاثة أشهر من وقوعها في قبضة ميليشيا الحوثي، أعلن رئيس الوزراء اليمني خالد محفوظ البحاح في 17 يوليو الماضي، عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، أنّ حكومته أعادت سيطرتها على المدينة الجنوبية.

جاء ذلك الإعلان بعد نحو 5 أشهر من بدء تنفيذ عملية عاصفة الحزم ضد ميليشيا الحوثي والقوات الموالية للرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح، بقيادة سعودية وتأييد عربي ودولي، وهي العملية التي انطلقت لاستعادة “شرعية” الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي ونظامه، بعد أن استطاعت ميليشيا الحوثي بسط نفوذها على العاصمة اليمنية صنعاء، ثُم توسعت في السيطرة على باقي أرجاء اليمن شمالًا وجنوبًا، بما في ذلك مدينة عدن، التي اتخذها منصور هادي عاصمة مُؤقتة حتى وقعت هي الأُخرى في يد الحوثيين في أبريل الماضي، قبل استردادها أخيرًا في يوليو الماضي.

وبعد فترة من استقرار الوضع في اليمن للحوثيين، سبقها إعلان انتهاء عملية عاصفة الحزم، ثُمّ البدء في عملية إعادة الأمل التي لم تسفر لشهور عن جديد ذي تأثير؛ برزت عملية “تحرير” عدن لتعيد الاعتبار لما يُعرف بقوات المُقاومة الشعبية المؤيدة لشرعية عبد ربه منصور هادي، فضلًا عن إعادة الاعتبار لدور التدخل السعودي-العربي العسكري في اليمن.

وخلال الفترة القليلة الماضية، تسارعت الأحداث ذات التأثير داخل اليمن، ما بين معارك لا زالت نيرانها مُستعرة، وتحركات سياسية خليجية-يمنية على قدمٍ وساق. كما تكشفت خلال الأيام الماضية، تفاصيل كانت غائبة عن العملية العسكرية القائمة الآن في اليمن، والتي يُمكن القول إنّها بدأت حقًا بعملية استعادة عدن، التي كانت مُفاجئة، وخطّت مُقدّمة جديدة للحالة اليمنية.

«السّهم الذهبي»: مُقدّمة جديدة للقصّة ببطولةٍ مصرية وإماراتيّة

لعلّ “إعادة الأمل” التي قصدتها السعودية حقًا، هي المُفاجأة التي حققت تراجعًا عسكريًا مشهودًا لميليشيا الحوثي، بدءًا من عملية السهم الذهبي أو “تحرير” عدن كما أسمتها الحكومة اليمنية.

المُفاجأة كانت معركة خاطفة ضد الحوثيين في عدن، أدّت بسرعة إلى سحب البساط من تحت أقدامهم فيها، والانطلاق إلى تحديد نفوذهم العسكري على أوسع نطاق ممكن.

وقد بدأ انكشاف الغمام عن تفاصيل العملية، بعد وقت قصير من تنفيذها، بأن صرّحت مصادر عسكرية شاركت العملية، بأنّ نحو ألف جُندي يمني خاضوها، بعد تلقيهم التدريبات اللازمة في السعودية.

أنصار الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي يحتفلون بسيطرتهم على عدن (المصدر: رويترز)

التصريحات التي تعود لضابط يمني برتبة ركن تسليح لكتيبة تُسمّى “سلمان الحزم”، يُدعى محسن عبد الله الغلابي، كشفت عن أن الألف عسكري المشاركين في العملية، جميعهم كانوا ضباطًا في الجيش اليمني قبل أن يُسرّحهم المخلوع علي عبد الله صالح، إثر حرب صيف 1994. وحتى ذلك الوقت، كانت تصريحات الغلابي بمثابة التفاصيل الوحيدة المُتاحة عن عملية السهم الذهبي، قبل أن تحمل لنا الأيام مزيدًا من تلك التفاصيل.

بعد استمرار تقدّم ما تُعرف بقوات المُقاومة الشعبية الموالية لعبد ربه منصور هادي، والمدعومة رسميًا بغطاء جوّي سعودي / عربي، بدأت التساؤلات والتكهنات حول ما وراء الانطلاقة التي خطّت مُقدمة جديدة لقصة اليمن؛ مُقدّمة تُبرز انحسارًا للحوثيين في مُقابل تقدّم للقوات المُوالية لـ “الشرعية”.

بدأت علامات الاستفهام في التضخم، خاصة بعد أن استعادت القوات الموالية لهادي العديد من المواقع والمدن، مثل ميناء المخا الذي هو واحدٌ من أهم الموانئ اليمنية وأقدمها، وكذا قاعدة العند الجوية التي هي أكبر قاعدة جوية عسكرية يمنية. وأخيرًا السيطرة على مُحافظة شبوة في 16 أُغسطس الجاري (الأحد الماضي). وفي حال استطاعت فرض السيطرة الكاملة على مُحافظتي إب وتعز، يُصبح الجنوب اليمني بكامله تقريبًا تحت سيطرة الرئيس اليمني وحكومته.

وفيما يخص الجديد الذي كشفت عنه الأيام الماضية على ضوء التطورات مُتقدمة الذكر، فقد ذكرت بعض صحف ومواقع أجنبية، عن مُشاركة قوات برّية إماراتية ومصرية في معارك اليمن الأخيرة، بما فيها معركة السهم الذهبي في عدن.

وفقًا لتلك التقارير، التي لم تنفِ أية جهة رسمية صحتها حتى الآن، فقد ساهمت الإمارات العربية المتحدة ومصر، فضلًا عن المملكة العربية السعودية بقوات برّية بدايةً من معركة تحرير عدن، فيما تذهب بعض الإحصائيات إلى وجود أكثر من 5 آلاف جندي من مصر والإمارات على الأراضي اليمنية دون إعلانٍ رسمي من قبل الدولتين.

تحقق القوات الموالية لعبد ربه منصور هادي تقدمًا ملحوظًا على الأرض (المصدر: رويترز)

وتلقي هذه المعلومات الضوء على تعامل سلطات الدول المذكورة مع الموقف، فمن جانب كان عبد الفتاح السيسي قد أعلن مع بدء عاصفة الحزم، مُشاركة مصر بقوات برّية في العملية، ثُم ألحق ذلك التصريح بآخرَ في أبريل الماضي، نفى فيه هذا النوع من المُشاركة، قبل أن يُكشف عن قرار جمهوري صدر في 26 مارس بإرسال مصر قوات برية إلى اليمن دون إعلان ذلك!

وفي الثالث من أُغسطس الجاري، صدر قرار رقم 323 لعام 2015، نُشر في الجريدة الرسمية، لم يلق حظّه الكافي من الاهتمام، تضمّن التأكيد على استمرار مُشاركة مصر بالعناصر اللازمة من القوات المسلحة في التحالف العربي. مُشيرًا إلى أنّ مُشاركة القوات المصرية ستستمر لمدةّ 6 أشهر، أو حتى انتهاء المُهمّة.

التفاصيل التي كشفت عنها مجلّة “ميديل إيست آي” البريطانية، جاءت أغلبها على لسان المتحدث باسم وزارة الدفاع اليمنية، علي البكالي، الذي قُوبلت تصريحاته بنفي عدد من المصادر المصرية، على الرغم من أنّ مصادر صحافية يمنية محلّية، تقول إنّ زيارة وزير الدفاع المصري صدقي صبحي للسعودية، في أبريل الماضي، كانت بغرض التنسيق لتدخل برّي في اليمن.

على جانب آخر، كانت مصادر خاصة داخل القيادة المركزية للقوات المسلحة المصرية في القاهرة، قد كشفت لنا في أبريل الماضي، عن إرسال مصر لفرقٍ من القوات الخاصة إلى المملكة العربية السعودية، استعدادًا لأي تدخل برّي مُحتمل. تلك التصريحات التي لم يتسنّ لنا التأكد من صحتها، تأتي موافقةً لتصريحات علي الكلابي، وكذا للقرار الجمهوري الصادر في 26 مارس الماضي بإرسال قوات مصرية إلى اليمن دون إعلان رسمي.

وعلى كُل حال، فلم يصدر حتى الآن أي نفي رسمي من قبل السلطات المصرية، لما تم تداوله من مُشاركتها برّيًا في معارك اليمن الأخيرة، فضلًا عن أنّ أيًّا من النافين لصحة تلك المعلومات، لم ينفوا في المقابل مُشاركة مصر بقطع بحرية وجويّة عسكرية، منذ بدأت عاصفة الحزم في مارس الماضي، وحتّى الآن.

عبد الفتاح السيسي أصدر قرارًا باستمرار عمل القوات المصرية في اليمن

أما فيما يخص التدخل البرّي الإماراتي، فقد أكّدته عدّة مصادر، بما لا يدع أي مجال للشك في تدخلها، فإن كان ثمّة شك فيما يخص تدخل مصر، دفع العديد من التقارير إلى تجنّب الخوض في تلك النقطة، إلا أنّها في المُقابل أكّدت على الدور الإماراتي، الذي لم يقتصر فقط على الجنود، ولكن أيضًا أرسلت الإمارات العديد من المُدرعات والدبابات وغيرها من القطع البرّية. محمد علي مرام، السكرتير الخاص لعبد ربه منصور هادي، أكّد في إحدى تصريحاته الصحافية، أنّ كتيبة عسكرية إماراتية كاملة، كانت قد وصلت إلى عدن في وقت سابق.

إعادة الاعتبار للجنوب: عدن عاصمة اليمن الجديد!

مُنذ حرب صيف 1994 أو الحرب الأهلية اليمنية بين الجنوب والشمال، وبُعيد انتصار الشمال بقيادة علي عبد الله صالح، تعرّض الجنوب إلى درجات عالية من التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ما أدّى إلى تجذير الدعوات المُطالبة بانفصال (فك ارتباط) الجنوب عن الشمال.

حرب اليمن الأخيرة، التي بدأت مع التحركات العسكرية للحوثيين لبسط نفوذهم في البلاد، فتحت باب التساؤل عن جدّية الوحدة بين الشمال والجنوب على مصراعيه، بخاصة وأنّ العديد من تجمعات أبناء الجنوب المُناهضة للحوثيين باتت تُرفع فيها أعلام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

وفضلًا عن ذلك، فإنّه من المعلوم لدى المراقبين للحالة اليمنية، أنّ لجان المُقاومة الشعبية المُوالية لعبد ربه منصور هادي، تدعم الحراك الجنوبي المُطالب بفك الارتباط، والذي لاقت مطالبه مزيدًا من الرواج منذ الثورة اليمنية في 2011، وتصاعدت حدّتها أكثر مع بدء المعارك ضد الحوثيين.

علم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، أو اليمن الجنوبي

وليس أجلى وضوحًا في وصف هذه الحالة، من التصريحات الصحافية للضابط اليمني بالقوات التي خاضت معركة السهم الذهبي لاستعادة صنعاء، إذ أكّد الضابط على أنّ العسكريين اليمنيين المُشاركين في العملية، جُلهم كانوا ضُباطًا في الجيش الوطني اليمني، قبل أن يُسرّحهم علي عبد الله صالح بُعيد حرب صيف 1994.

أخيرًا، أعلن غير واحدٍ من مسؤولين يمنيين رفيعي المستوى، بينهم وزيرة الإعلام نادية السّقاف، ومُحافظ عدن نايف البكري، عن وجود توجه لدى القيادة اليمنية مُتمثلة في الحكومة والرئيس منصور هادي، لإعلان مدينة عدن عاصمة مركزيّةً لليمن لمدة 5 سنوات. على أن يعود هادي وحكومته إليها من المملكة العربية السعودية عقب عيد الأضحى.

هذا الإعلان الذي لم يصدر بصدده أي قرار رسمي حتّى الآن، يلقي الضوء على ما يُمكن تسميته بعملية إعادة الاعتبار للجنوب، التي يبدو أنّ القيادة اليمنية تدفع لها بقوّة.

ولا يُعلم على وجه التحديد، دوافع الرئيس اليمني – المدعوم بالكامل من المملكة العربية السعودية – وراء ما أسميناه بعملية إعادة الاعتبار إلى الجنوب، بيد أنّ بعض الآراء تذهب إلى أنّها جزء من خُطّة لكبح جماح مطالب فكّ الارتباط عن الشّمال. هذا الرّأي تؤيده أصوات جنوبية من الداعية إلى فك الارتباط، إذ ترى هذه الأصوات أنّ نقل عاصمة اليمن إلى عدن سيكون بمثابة الطعنة في ظهر الحراك الجنوبي، إذ “يتوق أهل الجنوب إلى أن تكون عدن عاصمة دولتهم الحرة المستقلة”!

رأي آخر، يذهب إلى أنّه حال اتخذ الرئيس اليمني من عدن عاصمة له، فإنّه يُعلن بذلك دعمه وولاءه للمطالب بفك الارتباط، بخاصة وأنّ اليمن الجنوبي الآن بشكل شبه كامل يقع تحت سيطرة القوات الموالية له، ما يجعل المعركة التي لم تكن مُتوقّعة بين “عدن” و”صنعاء” بشكل مُباشر؛ أمرًا واقعًا بالفعل!

وعلى وجه الدقة والتحديد، لا يمتلك أحد حتى الآن معلومات كاملة، تُمكّن من رسم صورة للمستقبل اليمني القريب، لذا دعونا نرى ما قد تُسفر عنه الأحداث.

اقرأ أيضًا: بعد سيطرة الحكومة على عدن هل سيشهد اليمن انفصالًا قريبًا؟

المصادر

تحميل المزيد