بعد إعلانها الانسحاب من اليمن، قادت الإمارات عبر أدواتها التي تعرف باسم «قوات المجلس الانتقالي» و«قوات الحزام الأمني» تمردًا في البلاد من أجل تحقيق انفصال فعلي.

لذا ذهبت ميليشياتها في أغسطس (آب) الحالي نحو السيطرة على مدن يمنية منها العاصمة المؤقتة للحكومة الشرعية عدن، لكنها منيت بهزيمة كبيرة على يد القوات الشرعية التي استطاعت استعادة شبوة وأبين، واقتربت من حدود عدن، إلا أن استخدم أبو ظبي وباعترافها للغارات الجوية التي أوقعت مئات القتلى من القوات الشرعية غيّر معادلة المعركة خلال الساعات القليلة الماضية.

لتنقل الأحداث الأخيرة هذا البلد المتنازع عليه إلى مشهد جديد وتطور خطير، تظهر فيه السعودية في العلن مع الشرعية اليمنية وفي الخفاء مع المطامع الإماراتية في اليمن، إلا من خلاف معين على آلية تقسيم الكعكة اليمنية بين الحليفين السعودي والإماراتي.

ما الذي يحدث في اليمن الآن؟ 

دخلت الإمارات شريكًا رئيسيًّا وبارزًا ضمن التحالف العربي الذي تقوده السعودية في اليمن قبل نحو أربع سنوات، وادعت أن انضمامها لهذا التحالف جاء لدعم الشرعية اليمنية في وجه الانقلاب الذي قاده الحوثيون في 21 سبتمبر (أيلول) 2014.

رجال الإطفاء يطفئون النار في أعقاب اشتباكات بين القوات الموالية للحكومة والانفصاليين في مدينة عدن

بيد أن الصحفي اليمني عبدالله دوبله يرى أن الإمارات حين دخلت اليمن كان لديها مشروع واضح، لا يقوم على القضاء على الحوثيين، ولا على استعادة الشريعة، وإنما على بناء دولة منفصلة في الجنوب اليمني، ولتحقيق هذا المشروع أوجدت ميليشيات يمنية انضوت تحت لواء ما يعرف بـ«قوات المجلس الانتقالي» ثم سلحتها ودربتها ودفعتها للسيطرة على الأرض وعلى عدن العاصمة المؤقتة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.

ويضيف دوبله لـ«ساسة بوست» أن: «هذه الميليشيات ذهبت مؤخرًا نحو السيطرة على حقول النفط في محافظة شبوة (جنوب شرقي اليمن)، لكن هذا المشروع كسر في المحافظة الصحراوية التي تتمتع بنفوذ كبير للقبائل، فقبل أيام أحكمت القوات الحكومية اليمنية سيطرتها الكاملة على كافة مديريات شبوة بعد معارك مع المجلس الانتقالي الجنوبي».

ويوضح دوبله: «واصلت القوات الشرعية الزحف لاستعادة العاصمة المؤقتة عدن التي سيطر عليها المجلس الانتقالي في السابع من أغسطس الجاري، وكان المشروع الإماراتي خاسرًا جدًا وبشكل واضح، لكن تدخل الإمارات وقصفها لمواقع القوات الشرعية بعشرات الغارات غيّر المعادلة لصالح الميليشيات الإماراتية في عدن».

ويشدد دوبله على أن القوات الشرعية قوية بريًا بالنسبة للميليشيات على الأرض، بدليل أنها استطاعت كسر تلك الميليشيات وهزيمتها في شبوة وفي أبين، وصولًا إلى مشارف عدن، لكن قصف الطيران هو الذي أعاد هذه القوات الآن إلى أبين، أي إلى الخلف، واستدرك القول: «بدون طيران يستطيع الجيش الوطني فرض إرادته، فاستعادة شبوة حدث مهم، لأن السيطرة عليها باعتبارها ثاني أكبر محافظة في اليمن، يعني السيطرة على آبار النفط والغاز، وكسر مشروع الانفصال للمجلس الانتقالي».

من جانبه، يشير الصحفي اليمني فهد سلطان إلى أن القوات الشرعية الآن تفرض سيطرتها على أجزاء محدودة من العاصمة عدن فقط، موضحًا أن: «الضربة التي تعرض لها الجيش من قبل طيران التحالف المتمثل بالإمارات تمثل تطورًا خطيرًا في سير المعركة لصالح الانقلاب، وتطور خطير على المسار السياسي أيضًا، لا قيمة للانتصار على الانقلاب ما لم تعد الشرعية إلى ممارسة عملها فعليًا وليس شكلًا إلى الداخل اليمني».

تركت السعودية وحيدة وأعلنت انسحابها.. هل حققت الإمارات أهدافها من حرب اليمن؟

الإمارات تتحول إلى «عدو صريح» لليمن

«القصف الإماراتي أسفر عن سقوط أكثر من 300 شهيد وجريح من أبناء القوات المسلحة وعدد من المدنيين»، وبحسب بيان وزارة الدفاع اليمنية ورئاسة هيئة الأركان العامة، فإن ما سبق كان حصيلة 10 غارات جوية لطيران الإمارات استهدفت مواقع الجيش اليمني في عدن وأبين.

لم تكتف أبو ظبي بقتل المئات من الجيش اليمني في الغارات السابقة ردًا على هزيمتها في معارك شبوة وأبين، ومع قرب هزيمتها في عدن، بل قامت بتصفية جرحى من القوات الشرعية كانوا يتلقون العلاج في المستشفيات، كما أنها وفي تطور خطير اعترفت بالغارات الجوية التي شنتها على القوات الحكومية وبررت فعلها بأنه: «جاء بناء على معلومات ميدانية مؤكدة بأن هناك استهدافًا لعناصر التحالف، وجاء لتجنيب القوات أي تهديد عسكري، وقد تم تنفيذ الضربات بشكل محدد» حسب بيان وزارة الخارجية الإماراتية.

وتعد هذه السابقة الأولى التي تتدخل فيها الإمارات علنًا ضد قوات الحكومة الشرعية، بعد أن ظلت في السابق تنفذ هجماتها بالوكالة عبر المجلس الانتقالي الجنوبي وغيره من التشكيلات. يقول الباحث اليمني المختص بالشؤون السياسية نبيل البكيري، أن ما يحدث في اليمن هو منعطف جديد للصراع، وأن من أبرز تحولاته تحول الإمارات إلى عدو صريح لليمن واليمنيين.

ويضيف لـ«ساسة بوست»: «المعركة لا تزال في بدايتها ولم يسيطر أي طرف بالكامل على عدن والمشهد مرشح للتصعيد عسكريًّا وسياسيًّا بشكل كبير وخطير» مشيرًا إلى أن خيارات الامارات تضيق مما دفعها لاستخدام سلاح الطيران لحسم المعركة لصالح ميليشياتها المتمردة.

ويشدد الناشط اليمني السياسي خليل قائد المليكي على أن ما يحدث في اليمن هي بمثابة حرب بين دولة ومليشيات تريد إسقاط كل مؤسسات الدولة وتسخيرها لخدمة أجندتها وأجندة خارجية، هي أجندة الإمارات وإيران، فأمام ما  أحدثه الجيش الوطني اليمني من تقدمات كبيرة حظيت بالتفاف شعبي غير مسبوق، لم يكن هناك أي خيار أمام هذه الميليشيات الانفصالية ولا أمام داعميها المتمثلة في الإمارات، سوى القصف الجوي من قبل طيران الإمارات على أفراد الجيش الوطني المتمركزين على حدود عدن.

ويشير المليكي خلال حديثه لـ«ساسة بوست» إلى أن هذا القصف -وهو انتهاك صارخ للقانون الدولي والأعراف الدولية- يظهر كيف أن دولة تدخلت في دولة أخرى لاستعادة شرعيتها، ثم قامت بقصف جيش هذه الشرعية الذي يطارد ميليشيات خارجة عن القانون، ويأسف المليكي لكون ما هو متاح للحكومة الشرعية لا يخرج عن  قيامها برفع مذكرة تخاطب فيها الإمارات بإعفائها من التدخل في اليمن ورفع مذكرة إلى مجلس الأمن الدولي والمحكمة الدولية بكل الجرائم التي ارتكبتها الإمارات في عدن وغيرها.

السعودية.. الفاعل الحقيقي الأشد خطورة وعدواة

«كل الاحتمالات واردة» يكاد ينطبق هذه المصطلح حرفيًا على الوضع في اليمن، والأكثر وضوحًا أن الموقف كلية في اليمن يتحدد بناء على الموقف السعودي مما تفعله الإمارات من أجل فرض واقع الانفصال في اليمن.

مقاتل من قوة الحزام الأمني ​​المدربة في دولة الإمارات العربية المتحدة

إذ يرى الصحفي اليمني عبدالله دوبله أن السعودية بدت غير راضية عن تصرفات الامارات، لكنه يصف ردة فعلها بأنها أقل مما يجب، متسائلًا: «لا ندري أن كانت لا تمتلك القدرة أم لا تمتلك الرغبة»، ويضيف: «السعودية لو أرادت بشكل جاد، فبإمكانها أن توقف طائرات الإمارات وبإمكانها طرد الإمارات، وحينها يستطيع الجيش الوطني تنفيذ إرادته باستعادة الدولة والشرعية، واستعادة المدن المحررة، وأيضًا استعادة صنعاء، فوجود الإمارات مشروع متضارب مع السيادة الوطنية لليمن».

أما الصحفي اليمني فهد سلطان فيشدد على أن السعودية  التي أثبتت في تاريخها القريب والبعيد أنها تترك في سياساتها فراغات قاتلة، تلعب من تحت الطاولة وتحتفظ بشعرة معاوية مع الشرعية كي تمرر مخططها بكل هدوء عبر الحليف الإماراتي.

ويوضح لـ«ساسة بوست»: «نحن اليمنيون لم نفهم بعد أن الجارة السعودية هي الأشد خطورة وعداوة على اليمن من الإماراتيين، وأن عدونا الحقيقي هو السعودية التي جاءت بالإمارات عمدًا غطاءً لمشروعها القذر في اليمن».

وينقل سلطان لـ«ساسة بوست» ما أخبره به ‏مصدر مقرب من الحكومة الشرعية، وخلاصته كما يقول سلطان أن: «‏السعودية تريد أن تضم حضرموت والمهرة وشبوة ويكون لها حضور في عدن وتعطي الإمارات سقطرى وميناء عدن والمخاء والخوخة فقط». ويرجع سلطان ما يظهر من خلاف بين السعودية والإمارات في اليمن إلى أن أبو ظبي غير موافقة على التقسيم السعودي وتريد انفصال الجنوب لتقيم فيه دولة ضعيفة كما جنوب الصومال غير المعترف بها دوليًّا، والتي تتحكم فيها الإمارات.

وفيما يتعلق بالخيارات المطروحة الآن للوضع في اليمن، يعتقد سلطان أن: «خيارات الإمارات مفتوحة على كل شيء، بينما خيارات اليمنيين محدودة بسبب أن جزءًا كبيرًا من القرار اليمني السيادي مختطف من قبل السعودية». ويضيف سلطان: «إذا استطاعت اليمن أن تعفي الإمارات من التدخل في التحالف في اليمن فهذا قرار مهم وسيكون له تأثير إيجابي على الأقل، ويبقى الموقف السعودي والذي حسب نظري ستذهب نحو إعادة ترتيب تحالف جديد تكون مصر وقطر فيه، فيا يحتمل، وهذا الأخير مرهون بإعفاء الإمارات نهائيًّا».

رغم العداء «الظاهر» بينهما.. كيف تتناغم سياسة الإمارات مع مصالح الحوثيين في اليمن؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد