الأفعال الصادرة بدافع الحُب؛ ليست دائمًا صحية ومفيدة للشخص المحبوب، خاصة وإن كانت من الآباء. فالمطاردة، والمراقبة، والسيطرة؛ تقع تحت بند تلك الأفعال التي كثيرًا ما يُعتقد أن دافعها هو حب الشخص المُراقب والخوف عليه من الأضرار التي قد يتعرض لها، إذا غاب عن أعين من يحبونه في لحظة.

حينما يكنّ لك شريك حياتك هذا النوع من الحب المرضي؛ ربما تستطع أن تنفصل عنه وتبدأ حياتك من جديد، ولكن ماذا لو كان هذا الشخص الذي يحاصرك هو أحد والديك؛ فتجده يحوم حولك في كل مكان، و يتقرب من أصدقائك، ويجادل معلميك في تفصيلة صغيرة في حياتك، ولا يمنحك أي مساحة شخصية لتقضيها مع نفسك أو مع أصدقائك؛ حتى تشعر وكأن والديك يحومون فوق رأسك مثل طائرة «الهليكوبتر».

هذا التشبية ليس مبالغًا فيه؛ فقد رسخ علم النفس هذا الوصف للآباء الذين لا يمنحون أطفالهم أي مساحة للتصرف أو التنفس بحرية، ويتحولون إلى إزعاج مستمر لهذا الطفل، والذي يكون له مع الوقت تأثير سلبي على شخصية الأطفال ونفسيتهم، فما التعريف الدقيق لتلك الظاهرة النفسية، «الآباء الهليكوبتر»؟

متى ظهر هذا المصطلح في علم النفس؟

مصطلح «الآباء الهليكوبتر»؛ ظهر للمرة الأولى بين صفحات كتاب «Between Parent and Teenager» للطبيب النفسي حاييم جينوت في العام 1969؛ حينما ذُكرت شهادة على لسان مراهق يصف بها تصرفات والدته التي تحاصره في كل مكان قائلًا: «أمي تحوم حولي طوال الوقت مثل الهليكوبتر»؛ التعبير الذي عده علماء النفس صادقًا ودقيقًا؛ لأنه ذُكر بعفوية مراهق يعاني من تضييق الخناق عليه من والدته.

الآباء الهليكوبتر ربما يضرون أبنائهم دون أن يعلمون

في عام 1990، اكتسب هذا المصطلح شهرة أكبر حينما صاغه الطبيبان النفسيان فوستر كلاين وجيم فاي، واستخدماه رسميًا لوصف بعض الحالات النفسية لدى الأطفال نتيجة أن الوالد أو الوالدة يحومون حولهم كـ«هليكوبتر»، وبعدها بعام واحد فقط؛ أصبح هذا المصطلح متعارفًا عليه في إطار واسع لدى «الكلية الأمريكية لمسؤولي الرعاية الصحية».

هل أنت من «الآباء الهليكوبتر»؟

الأمر لا يتعلق بخوفك على طفلك في يومه الأول بالمدرسة، أو بالمرة الأولى التي يسافر فيها خارج البلاد، أو بجلوسك جوراه ليل نهار أثناء مرضه؛ الأمر أبعد من ذلك، فكيف تعرف إذا كنت مجرد والد محب لأبنائك؟ أم أنك «هليكوبتر»؟

«كنت أخاف قبل الزواج من تحولي إلى والدة هليكوبتر، وبعد أن رزقت بطفلين دائمًا ما أتساءل عن دوافع كل تصرف أقبل عليه مع أطفال. حينما أمارس معهم الرياضة لكي اشجعهم؛ هل أنا أرشد أم أحوم؟، وإذا ساعدتهم في مشروع مدرسي؛ هل أنا ملهمة أم متطفلة؟». *تصريحات لواحدة من الأمهات لشبكة «سي إن إن»

الأمر قد يحير كل والد أو والدة حينما يقرأ عن تلك الظاهرة النفسية، وهذا لأن تعريفها قد لا يكون واضحًا لهم، فغالبًا ما يخلط البعض بين الأبوة المُكثفة، و«الآباء الهليكوبتر».

الأبوة والأمومة المكثفة تعني أنك تضع الكثير من الوقت، والطاقة، والتفكير في تربية أطفالك، أما مصطلح «آباء الهليكوبتر»؛ فيطلق على من يبالغون ويفرطون في حماية أطفالهم؛ ويتعمدون ألا يتركوا أي شيء للصدفة في طريق أبنائهم، ويكون لديهم هوس مستمر في معرفة كل تفصيلة صغيرة قد يتعرض لها الطفل خارج إطار المنزل، وكل فكرة تجول في بالهم؛ لأن تلك النوعية من الآباء تريد حماية أطفالهم من أفكارهم الشخصية.

وهذا الأمر لا ينتهي عند مرحلة الطفولة أو المراهقة، بل يستمر للأبد، وذُكر في مجلة « Chronicle of Higher Education» أن هذا النوع من الآباء يفرضون سيطرتهم على أبنائهم حتى بعد تخرجهم من الجامعة، وفي بعض الحالات تستمر المراقبة والتدقيق لدى الأبناء الذين يلتحقون بالدراسات العليا، ومن بعدها في مقابلات العمل، أو في مكان العمل نفسه بعد قبوله؛ فقد يجد مدير العمل هذا الوالد أو الوالدة تدق بابه لتناقشه في مدى إمكانية زيادة راتب ابنها الذي يعمل لديه.

هؤلاء الآباء لا يمنحون أطفالهم أي وقت فراغ، ولا يسمحون لهم بالتجربة والفشل، والهوايات التي يمارسها الطفل، ستكون الأفضل له من وجهة نظر والديه، وفي سن الطفولة لا يجد الأبناء الفرصة الكافية للدفاع عن رغباتهم، ويقفون عديمي الحيلة أمام سيطرة هذا النوع من الآباء.

وحتى لا يكون الأمر مُحيرًا للآباء حول تصنيف أنفسهم تحت بند «الآباء الهليكوبتر» أم لا؛ وضع علم النفس بعض العوامل التي تشير لتلك النوعية من الآباء وهي:

  • خوض المعارك بدلًا من أبنائك؛ فلا تمنحهم الفرصة للدفاع عن أنفسهم.
  • القيام بواجباتهم المنزلية بنفسك؛ حتى تضمن أن يكونوا الأفضل في الفصل الدراسي.
  • مضايقة معلمي أبنائك ومدربيهم الرياضيين، ومحاولة السيطرة عليهم بغرض السيطرة على أبنائك.
  • الذهاب معهم في كل مكان، والحرص على التأكد من جودة هذا المكان لطفلك؛ حتى وإن كان الموقف محرجًا له، مثل حضور أحد أعياد ميلاد اصدقائه على سبيل المثال.
  • المبالغة في حمايتهم الجسدية؛ فلا تمنح للطفل فرصة اللعب والتجريب.
  • الفشل ليس له وجود في قاموسك؛ فتحول حياة طفلك إلى جحيم إذا فشل في أي مهمة مسندة إليه.

إذا كانت تتوفر في طريقة تربيتك لأبنائك تلك العوامل؛ فغالبًا أنت من «الآباء الهليكوبتر»؛ ولذلك عليك معرفة أضرار تلك التصرفات على شخصية أبنائك وصحتهم النفسية في المستقبل.

«كيف تبدو الحياة بعد أن نقتل أبناءنا؟» آباء وأمهات قتلوا أبناءهم بالخطأ!

أبناء «الهليكوبتر» ضعيفو الشخصية ومكتئبون

تقول كاترين شتاينر الطبيبة النفسية، ومؤلفة كتاب «The Big Disconnect»، إن تلك النوعية من الآباء تدمر الاستقلالية لدى أطفالهم، وتحرمهم من وعيهم الذاتي في أنفسهم؛ فيفقد الطفل القدرة على تمييز رغباته الشخصية، وحينما يصل إلى سن معينة؛ لا يستطع أن يتخذ خطوة واحدة في حياته دون والده أو والدته، الذين تسببوا في تلك الحالة.

والأمر لا يتوقف على الضرر النفسي فقط؛ ففي العام 2016 نُشرت دراسة صادرة عن جامعة فلوريدا، تؤكد أن الأطفال الذين يتعرضون لتلك النوعية من التربية؛ هم الأكثر عرضة للمشاكل الصحية عند وصولهم لمرحلة البلوغ، ووجدت الدراسة أن هؤلاء الأطفال لم يتعلموا كيفية الاعتناء بأنفسهم وصحتهم؛ وهذا لأن آبائهم يتولون تلك المهام عنهم، وينظمون كل شيء دون أن يعلموهم إياه؛ وكأنها رغبة داخلية لديهم بأن يظل الطفل معتمدًا عليهم طوال حياتهم، والأمر الأكثر خطورة هو عدم قدرة الأبناء على تنظيم عواطفهم وتكوين انطباعاتهم الخاصة؛ ومع الوقت فهم يغضبون مما يُغضب والدهم «الهليكوبتر» ويسعدون بما يسعده؛ فيكبر هذا الطفل دون أن تكون له هوية عاطفية أو شخصية.

والاهتمام المُبالغ فيه من الوالد؛ يعزز فرص إصابه ابنه بخيبة الأمل في المستقبل؛ فالاهتمام المكثف الذي يمنحه إياه، يدفعه لاشعوريًا لأن يظن نفسه «مركزًا للكون»، ولذلك حينما يخالط العالم الخارجي في شبابه ويجد الآخرين يعاملونه معاملة معتدلة؛ يصاب بالاكتئاب ويشرع في تصرفات تلفت الانتباة إليه، وربما تجدهم يرددون مصطلحات مثل: «أنا أطلب الأفضل؛ لأني أستحق ذلك».

ومن الأضرار الأخرى التي رصدها علم النفس، التي تصيب الطفل الذي تربى مع والد أو والدة ينتمون لفئة «الآباء الهليكوبتر»؛ هو اعتمادهم الدائم على العقاقير لتفادي الألم. ففي دراسة أجريت بالعام 2011 بالولايات المتحدة الأمريكية؛ وضحت أن تلك النوعية من الآباء يحمون أطفالهم حماية مفرطة، ولا يريدونهم أن يتألموا ولو للحظة؛ ولذلك يمنحوهم العقاقير المداوية والمسكنة بأسرع وقت؛ وحينما يكبر هذا الطفل يلجأ للعقاقير لاإراديًا للتخلص من الألم الجسدي والنفسي أيضًا؛ فهم لم يعتادوا التعامل الصحي مع الألم وكيفية مواجهته، وما أثبتته تلك الدراسة أن نسبة كبيرة من الناضجين الذين يتعاطون عقاقير الاكتئاب؛ قد كبروا على يد أب أو أم «هليكوبتر».

علم النفس ينصحك: «لا تجعل طفلك مركز الكون»

حتى تتجنب تدمير نفسية طفلك، ومحاصرتهم بغرض محو شخصيته؛ يخبرك علم النفس أنه يمكنك في البداية أخذ خطوات صغيرة تجاه منح جزء من الحرية لطفلك، على سبيل المثال إذا كان طفلك لديه القدرة على ربط حذائه؛ فلا تتبرع بذلك، وفي مرحلة الطفولة؛ ليس عليك التحدث لمعلميه يوميًّا أو حتى أسبوعيًّا؛ ويجب الالتزام بالاجتماعات المحددة للتواصل بين الآباء والمعلمين إلا في الحالات الطارئة.

ومن ثم يأتي الجزء الأصعب؛ وهو منح الطفل الفرصة للخطأ ومعرفة العواقب، فليس هناك ضرر من أن يتعود الطفل على معنى الألم الجسدي أو النفسي، ويدرك كيفية التعامل السليم والمنطقي معه وبالخطوات المتعارف عليها، وليس من خلال تناول أقرب عقار ليهدأ من الألم، دون معرفة سببه أو دراسة الموقف.

ويوضح لك الطب النفسي، أن تركيزك طوال الوقت حول طفلك، متخيلًا أسوأ الأشياء التي قد تحدث له؛ قد تعرض طفلك للإصابة بمرض القلق المزمن، ولذلك لا تكرر عليه الأسئلة الاستجوابية والتي تهدف للطمأنة عليه، ولن يتحقق ذلك –ينصح علم النفس- إلا بعد رفضك بأن يكون طفلك هو مركز الكون في نظرك، والشيء الوحيد الذي تملكه في حياتك.

في النهاية يخبرك علم النفس أن الأفضل لصحة طفلك النفسية والجسدية هي أن تجعله يدرك عواقب أفعاله، وأن تدرك أنت شخصيًّا أنك لا تملك القدرة على التحكم في كل أفعال طفلك، ولكن يمكنك فقط أن تتحكم في رد فعلك على تصرفاتهم، واجتهد في معرفة مواطن قوة شخصيتهم وساعدهم على صقلها، واسمح لهم بارتكاب الأخطاء وشاهدهم من بعيد وهم يحاولون إصلاحها، وهذا الأمر لن يكون مفيدًا لطفلك فقط، بل سيكون مفيدًا لك أيضًا؛ فستجد نفسك أكثر هدوءًا وأكثر سعادة.

ما الذي تكشفه رسومات الأطفال عن مشاعرهم وشخصياتهم؟

المصادر

تحميل المزيد