هل حدث لك ذات يوم أن شعرتَ بالبهجة دون مبرر؟ بهجة لاذعة وغير مبررة، تكاد تكون هوسًا؟ هل انتقلت منها فجأة إلى حالة من الاكتئاب والحُزن الشديد؟ هل شعرت يومًا بثقة في النفس متزايدة عن الحدّ، وانتقلت بعدها إلى جلد للذات وضعف وجداني فجأة؟ هل بدأت تشعر باكتئاب شديد في موسم الشتاء؟ إذا كنت تبحث عن تفسيرات لكل هذا عليك بقراءة هذا التقرير.

هناك حزن لأسباب خارجية بالطبع

هرمونات أم شيء خارجي؟

نستطيع أن نقول إن القدر الإلهي أو أسباب خارجية هي التي اختارت شخصين ليحبا بعضهما البعض، لكنَّ العلم أيضًا يقول كلمته، لا يعني “القدر” أبدًا أنَّ الجسد لن يأخذ دورته الطبيعية. المشاعر الإنسانية “الحب، والبغض، والوفاء والغيرة” تتحكم فيها إفرازات وهرمونات، في لحظات لا اختيارية تمامًا ستشعر بدفعات غريبة من الحبّ والعاطفة، العاطفة الجنسية أيضًا في لحظات أخرى، كل هذه هرمونات داخل جسدك. لا ينفي هذا أبدًا أنها تتأثر بأحداث خارجية. بالطبع هناك عوامل عديدة تتحكم في كلّ شيء، داخلية وخارجية، لكنَّ العلم يقول هذا بالنسبة للهرمونات.

نوبات الاكتئاب الموسمية، أو حتى نوبات الاكتئاب العارضة تتحكم فيها بعض الهرمونات داخل جسدك. حالات الاكتئاب التي يتحدث عنها هذا التقرير هي حالات الاكتئاب والمرح الهوسيَّة. أو ما يطلق عليه علميًا: الاضطراب الوجداني ثنائي القطبين، لماذا سمي ثنائي القطبين؟ لأنَّ الإنسان في هذه الفترات يتقلب ما بين المرح والبهجة والاكتئاب والحُزن.

يصاب بهذا المرض ما نسبته 2,5 ـ 3,5% من سكان العالم، وتبدأ أعراضه بالظهور في سن ما بين 20 ـ 30 عامًا. ويعتبر هذا المرض هو السبب الرئيسي السادس للإصابة بالإعاقة حول العالم. وإجمالي الأعباء الاقتصادية الناتجة عن هذا المرض في الولايات المتحدة فقط 151 مليار دولار أمريكي، عام 2009.

الاضطراب الوجداني ثنائي القطبين

تناوب فترات من الكآبة مع فترات من الابتهاج غير الطبيعي أو المفهوم. تؤدي هذه الحالات من الاكتئاب بالشخص إلى أعمال جنونية وطائشة جدًا. لا يفرق المرض بين الرجال والنساء فهو موجود بينهما بنسب متساوية، ولن يقتصر على الكبار فقط أيضًا فقد يأتي للأطفال.

تتسبب هذه الحالة النفسية في انتحار نسبة كبيرة من المنتحرين حول العالم

نوبتان كاملتان من الابتهاج والاكتئاب. تُعزى أسباب هذا المرض إلى تغير هرموني وبعض الحالات تُعزى لأسباب وراثية، حيث أثبتت بعض الدراسات أنَّ نسبة تعرض الأبناء للاضطراب الوجداني ثنائي القطب إذا كانت الأمّ مصابة به من 10 إلى 20 بالمائة.

من أعراض نوبة الهوس المرحي والبهجة غير المفهومة:

ـ اعتداد متعاظم بالذات، وثقة بالنفس زائدة والتباهي بالإنجازات.

ـ حاجة محدودة للنوم قد تصل لثلاث ساعات يوميًا فقط.

ـ هياج حركي وسلوك عدواني تدخلي، ومغامرات ومشاريع غير مدروسة جيدة.

غني عن الذكر إذن أنَّ هذه الحالة الهوسية من المرح يصاحبها تشوش وتأثير سلبي على الوظيفة المهنية. وسرعان ما تصاحبها حالة اكتئاب شديدة جدًا.

تستطيع أن تعرف هذا عندما تسأل أحدهم عن حاله فيجيبك بالبكاء. أو عندما يظل طوال يومه حزينًا مكتئبًا. قلة الثقة بالنفس والتقليل منها، التفكير في الموت والانتحار بشدة، بطء التنفس وتغيير كبير في الشهية للطعام إما بالزيادة أو بالنقص، إلى جانب شكاوى جسدية بالصداع وعسر الهضم والشعور بالانتفاخ والنوم الزائد أو الأرق.

يتم علاج هذه الحالة عن طريق بعض العقاقير والمعالجة النفسية من قبل الطبيب النفسي. بعض الحالات قد تظل لمدة سنوات، وبعضها لا يتجاوز الأسبوع.

إذا كنت تظنَّ أنَّ هذا المرض ـ أو حتى أعراضه، والتي قد تأتي دون أن تكون مصابًا بالمرض لمدة أسبوع مثلًا ـ فهذه بعض النماذج لمشاهير وعباقرة كانوا مصابين بالاضطراب الوجداني ثنائي القطبين:

مشاهير أصابتهم نوبات اكتئاب ومرح “هوسي”

تشرشل و”الكلب الأسود”

هل تتخيل أن رئيس الوزراء البريطاني الأشهر، وقائد بريطانيا في الحرب العالمية الثانية فكر في الثلاثين من عمره بالانتحار بسبب اكتئابه؟ ربما لا تعلم أيضًا أنهُ ظلّ يعاني من نوبات اكتئاب شديدة جدًا حيث كان مصابًا بالاضطراب الوجداني ثنائي القطبين. تشرشل كان يخاف من الوقوف على محطة قطار حيث كان يخيل إليه أنَّ القطار سوف يدهسه، بالطبع كانت هذه هي الهلاوس المصاحبة لمرضه النفسي.

تشرشل كان يسمي نوبات اكتئابه بـ “الكلب الأسود” وفي محاولاته للخروج منها كان يمسك قلمه ليلًا ليكتُب. حتى وصلت مؤلفاته 43 كتابًا.

عانى تشرشل في حياته من نوعين من الصراعات، الأول: صراعاته الدولية مع خصومه، والثاني صراع نفسي داخل عقله. *كاثي بنجامين، متخصصة في الدراسات النفسية

أرنست همنجواي

ربما لم يكن يعلم أرنست همنجواي بموضوع الهرمونات الذي قد يتحكم في الحالات المزاجية، لكنهُ كان يعرف بندقيته المحببة التي استطاعت أن تنهي حياته عندما وجهها لفمه وأطلق منها النار لتنفجر رأسه. بعد سبع سنوات تقريبًا من تحصله على جائزة نوبل في الآداب عام 1954 انتحر.

همنجواي لهُ العديد من الروايات العالمية، منها “الشيخ والبحر” و”المدينة المتنقلة” وغيرها الكثير. يعرف أيضًا كبطل محارب، فقد شارك في الحربين العالميتين في الجيش الأمريكي، وقد أصيب عندما كان مسعفًا في الحرب العالمية الأولى في قدمه.

الجدير بالذكر أنَّ لأسرة هيمنجواي تاريخًا كبيرًا مع الانتحار؛ فقد انتحر ولده وأختاه وحفيدته. كتاب ومتابعون يعتقدون أن في أسرة هيمنجواي مرضًا وراثيًا يسبب لهم الاكتئاب ومن ثمّ الانتحار.

صلاح جاهين لم ينجُ منهُ أيضًا

الشاعر المصري ربما الأشهر، كان يعاني من نفس حالات الاكتئاب الهوسية، فأحيانًا يكونُ مبتهجًا وفي لحظة يتحول ويصير حزينًا مكتئبًا يعتزل الناس. يعلل البعض هذه الحالة النفسية “ثنائية القطب” بسبب تعثر والدة جاهين في ولادته، وأيًا كان السبب فإن العبقري المصري كان مصيره كمصير سابقيه من العباقرة.

لن تنتهي القائمة المصابة بمرض الاكتئاب، وخصوصًا الاضطراب الوجداني ثنائي القطب منه، فالقائمة طويلة، بداية من بيتهوفن إلى كافكا وتشايكوفسكي وفان جوخ وصلاح عبدالصبور وغيرهم الكثير. الاكتئاب إذن ليسَ شيئًا يمنع من الإبداع والنجاح، تستطيع أن تُعالج منه، وتستطيع أن تعيش به وتكون مبدعًا ومشهورًا أيضًا. لتفاجئك الحياة بتناقضاتها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد