يبدو أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، والعديد من أعضاء الحزب الجمهوري قد وقعوا في ورطة الآن، وذلك بعد أن انهارت حملتهم من أجل إلغاء وتبديل قانون الرعاية الصحية في الولايات المتحدة الأمريكية «أوباما كير»؛ والذي عملوا من أجل تفكيكه منذ ظهوره وتدشينه للمرة الأولى عن طريق الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما.

الورطة الأكبر لترامب والحزب الجمهوري ليست مجرد انهيار جهودهم لإلغاء قانون الرعاية الصحية فقط، بل تكمن بشكل أساسي فيمن فعل ذلك؛ حيث إن من ساهم في إسقاط إلغاء القانون هو عدد من أعضاء الحزب الجمهوري نفسه، وعلى رأسهم السيناتور جون ماكين، عضو مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية أريزونا، ومرشح الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2008.

وفي هذا التقرير نشرح لك قانون الرعاية الصحية «أوباما كير»، تاريخه، وأهميته، وتقييمه، ومساعي الرئيس الحالي، دونالد ترامب، لإلغائه، والأزمة الحالية التي سيكون لها توابع كثيرة في المستقبل.

ما هو أوباما كير؟

أوباما كير هو قانون فيدرالي أقره الكونجرس الأمريكي رقم 111، وهو قانون حماية المرضى والرعاية الصحية بأسعار معقولة (The Patient Protection and Affordable Care Act)، المعروف باختصار (ACA) أو أوباما كير، وقد وضعه الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، من أجل إصلاح نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو عبارة عن مجموعة من الإصلاحات الخاصة بالتأمين الصحي، وسوق المستشفيات؛ حيث وقَّع عليها أوباما تحديدًا في يوم 23 من شهر مارس (آذار) 2010.

قد يبدو للوهلة الأولى أن هذا القانون متخصص فقط في الرعاية الصحية، ولا يهم أحدًا غير أولئك الفقراء الذين يطمحون لوجود تأمين صحي لهم؛ بحيث تتاح لهم إمكانية العلاج مجانًا عند المرض، ولكنه ليس كذلك؛ حيث إن «أوباما كير» أوسع من ذلك بكثير؛ فهو يؤثر تقريبًا على كل الصناعات الأمريكية؛ من المستشفيات، إلى الأطباء، ووصولًا إلى المطاعم بأنواعها المختلفة، وحتى إلى محلات المثلَّجات (الآيس كريم)، والتي تأثرت بسبب القانون نظرًا لأنه أجبر هذه المحلَّات على نشر قوائم بالسعرات الحرارية الموجودة في كل منتج لديهم.

ومنذ يوم تمريره، آثار القانون الجدل في الأوساط الأمريكية المختلفة، وأدى إلى وجود انقسامات في المجتمع؛ حيث كان هناك أكثر من 50 صوتًا حينها في الكونجرس الأمريكي لإلغائه، بالإضافة إلى وجود عدد من المرافعات والقضايا والأحكام القضائية التي سعت إلى إبطاله، أو تقليصه، ولكن كل ذلك فشل في إسقاط القانون.

ومنذ صدور قانون أوباما كير قبل سبع سنوات وهو عرضة لهجوم الجمهوريين الذين يرون أنه يحول الرعاية الصحية إلى خدمة اجتماعية على الطريقة الأوروبية «ميديكيد» على حد تعبير وكالة الصحافة الفرنسية، فهو يهدف إلى توفير التأمين الطبي لنحو 95% من سكان الولايات المتحدة بحلول عام 2019.

مم يتكون أوباما كير؟ وأين تكمن أهميته؟

أوباما كير يتكون من جزءين رئيسيين؛ الجزء الأول هو توسيع التأمين الصحي ليشمل ويضم عدد أفراد أوسع في المجتمع الأمريكي، وثانيًا، تغيير طريقة دفع الحكومة الفيدرالية للأطباء. وتكمن أهمية القانون في تمتُّع الملايين به، والاستفادة به؛ حيث يتوقَّع عدد من الخبراء الاقتصاديين وخبراء الميزانية أن يصل عدد المتمتعين بالقانون وفوائده إلى 25 مليون شخص، وذلك بنهاية العقد الحالي، مع ملاحظة أن هناك حوالي 17 مليون منهم يستفيدون بالفعل من القانون منذ عم 2014، وهذه الإحصائيات في زيادة بالطبع.

وقد أدى هذا القانون إلى زيادة ملحوظة في عدد الأفراد الذين تم تغطيتهم صحيًا، وأصبح لديهم تأمين صحي، وذلك من خلال إصلاح منظومة التأمين الصحي الفردي، بحيث يستطيع كل فرد التأمين على نفسه، بالإضافة إلى التوسُّع في برنامج «ميديكيد»، الذي يمثِّل تأمينًا صحيًّا للأمريكيين ذوي الدخل المنخفض في الولايات المتحدة؛ حيث ترجع الزيادة المتوقع حدوثها في عدد المستفيدين بالقانون إلى ثلاثة أسباب رئيسية؛ السبب الأول هو توسيع برنامج «ميديكيد»؛ وهو برنامج أنشأته الحكومة الفيدرالية؛ ويوفِّر التغطية والتأمين الصحي للأمريكيين ذوي الدخل المنخفض. وأمَّا السبب الثاني فهو بسبب إنشاء مواقع حكومية متعددة، وجعل التأمين الصحي متاحًا عبر الإنترنت؛ بحيث يُسمح للأفراد بشرء عدد من المنتجات التي لها علاقة بالرعاية الصحية، وذلك إلى جانب طلب مساعدة مالية من الحكومة الفيدرالية.

وأمَّا السبب الثالث فهو التأمين الصحي الفردي؛ بحيث يمكن للأفراد التأمين الصحي على أنفسهم بأنفسهم، وبالنسبة لتحكم الحكومة الفيدرالية في طرق محاسبة الأطباء؛ فإنها تقوم بذلك من أجل التأكد من الوصول إلى أفضل خدمة ورعاية للمرضى، ولمحاولة ربط أتعاب الأطباء بحسن الخدمة، وإلغاء الخدمات غير الضرورية، أو التي لم تؤد بطريقة جيدة، أو التي لم تؤد إلى تحسين صحة الأفراد في المجتمع.

ما هي أهداف القانون؟

تتمثل أهداف أوباما كير في ثلاث نقاط رئيسية يسعى القانون لتحقيقها بشكل رئيسي؛ فأولًا، يهدف أوباما كير إلى إلزام الضمان الصحي لأغلبية الأمريكيين، وذلك بأسعارٍ قليلة ومنطقية، خاصةً لأولئك الذين ليس لديهم أي تأمين صحي مغطّى من قِبل شركة ما.

أمَّا الهدف الثاني من أوباما كير فهو منع شركات التأمين من رفض بعض الأشخاص الذين لديهم أمراض طبية سابقة من قبل الاشتراك في الشركة، وأيضًا منعها من رفض عمل تغطيةٍ صحيةٍ للأطفال الذين يعانون من مشاكل صحية خطيرة.

اقرأ أيضًا: ماذا تعرف عن النظام الحزبي في الولايات المتحدة الأمريكية؟

ويتمثَّل الهدف الثالث للقانون في إلغاء المنافسة على الصحة بين المؤسسات العملاقة التي تعمل في مجال الصحة؛ وذلك انطلاقًا من أن الصحة ليست سلعة، وهو ما يؤمن به الحزب الديمقراطي الأمريكي، وهو الحزب المنتمي له الرئيس السابق باراك أوباما.

ما هي التوابع السياسية لأوباما كير؟ وماذا عن المعركة الحالية؟

منذ أن تم الحديث عنه من قِبل الرئيس أوباما وقد حاز قانون أوباما كير على تركيز الأوساط السياسية؛ وذلك في أكثر من مناسبة؛ حيث إنه من الجدير بالذكر أن لقب «أوباما كير» الذي أُطلق على القانون، كان قد أُطلق للمرة الأولى على القانون عن طريق المعارضة الأمريكية حينها (الجمهوريين)، ثم استخدمه الديمقراطيين، وبعد ذلك تبنَّاه الرئيس أوباما بنفسه، ويعتبر هو القانون الأكثر دعمًا للفقراء منذ عام 1965؛ منذ قانوني ميديكير و ميديكيد.

وقد عملت حملة الرئيس أوباما الرئاسية في عام 2012، مستخدمةً مصطلح «أوباما كير» مرة أخرى سياسيًا؛ وذلك من أجل إقناع الشعب الأمريكي لإعادة انتخاب أوباما لفترة رئاسية ثانية، وذلك في مارس (آذار) 2012 تحديدًا.

معارضو أوباما كير يشملون عددًا من النقابات العمالية، وجماعات المحافظين، وجماعات الجمهوريين بالطبع، إلى جانب حركة حزب الشاي، وعدد من الشركات الصغيرة أيضًا، ويبررون ذلك بأن القانون سيؤدي إلى زيادة التكاليف، مما سيؤدي إلى زيادة العجز في الموازنة أيضًا، وبالتالي، فإنهم يرون أنه لا يمكن أن توجد رعاية صحية شاملة.

الجدير بالذكر أن الرئيس الحالي، دونالد ترامب، كان قد وعد ضمن حملته الانتخابية الرئاسية، بأنه سيطلب من الكونجرس في أول يوم له بمنصبه، إلغاء نظام التأمين الصحي أو «أوباما كير»، والذي عمل من أجله الرئيس باراك أوباما على مدار سنوات حكمه، واستبداله بقانون جديد للرعاية الصحية، مما يعني فقدان التأمين الصحي لـ25 مليون أمريكي؛ مما يخلق فوضى عارمة، بحسب صحيفة «واشنطن بوست».

وبالفعل، وبعد فوزه بالانتخابات الرئاسية الأمريكية على منافسته هيلاري كلينتون، طالب ترامب، الكونجرس الأمريكي، في العاشر من شهر يناير (كانون الثاني) 2017، أي قبل توليه الحكم رسميًا بعشرة أيام، أن يقوموا باستبدال قانون الرعاية الصحية الذي وضعه أوباما، بقانون آخر جديد.

وبعدها بأيام قليلة، وفي أول يوم له في البيت الأبيض، يوم 20 يناير (كانون الثاني) 2017، وقَّع ترامب على أمر تنفيذي لإلغاء واستبدال قانون أوباما كير، وذلك بحسب المستشار الإعلامي والصحافي لترامب والبيت الأبيض، شون سبايسر، والذي قدَّم استقالته منذ أيام.

وكان شعار  «إلغاء واستبدال» هو الشعار الذي اتخذه الجمهوريون من أجل إسقاط أوباما كير، وذلك منذ مارس (آذار) 2010، ولكنه اختفى لفترة، قبل أن يُعيد الرئيس ترامب استخدامه مرَّة أخرى، متخذًا منه شعارًا لإسقاط قانون أوباما للرعاية الصحية.

خط زمني.. مراحل محاولات إسقاط «أوباما كير» في عهد ترامب

البداية من 12 يناير (كانون الثاني) 2017، عندما صوَّت مجلس الشيوخ الأمريكي على موازنة السنة المالية الجديدة لعام 2017؛ حيث وافق المجلس بعدد أصوات 51 مقابل 49 رافضين، على تمرير مادة ضمن الموازنة تسمح بتعديل قانون الرعاية الصحية «أوباما كير».

في الوقت نفسه، أفاد عدد من وسائل الإعلام الأمريكية المعارضة أن الكونجرس الأمريكي، مدعومًا بالشعب الأمريكي، يرفضون إلغاء قانون الرعاية الصحية دون وجود بديل له، كما أكَّد الرئيس السابق، باراك أوباما، أن الجمهوريين سيواجهون مشكلات كبيرة في حالة اختيارهم إلغاء قانون الرعاية الصحية، الذي يوفِّر تأمينًا صحيًا للملايين من المواطنيين الأمريكيين.

وفي بدايات شهر مايو (آيار) الماضي؛ أقر مجلس النواب الأمريكي (الكونجرس)، إلغاء نظام الرعاية الصحية المعروف بأوباما كير، وتعويضه بنظام جديد اقترحه الرئيس دونالد ترامب، ووسط أجواء مشحونة وافق النواب على نص الإلغاء بنسبة 217 صوتًا مقابل 213، حيث كان الرافضون من الديمقراطيين، ونحو 20 جمهوريًا، لينتقل القرار إلى مجلس الشيوخ لتحديد مصيره، وهو ما حدث بالفعل الاسبوع الماضي، وتحديدًا يوم الجمعة 28 يوليو (تمّوز) 2017، عندما صوت مجلس الشيوخ في ساعة مبكرة من صباح الجمعة ضد مشروع قانون لإلغاء واستبدال قانون الرعاية الصحية الحالي، في خطوة وصفتها وسائل إعلام أمريكية بالمفاجئة للجمهوريين.

ورفض 51 عضوًا المقترح التشريعي مقابل موافقة 49 عليه، وغرَّد الرئيس دونالد ترامب قائلا: «خذل ثلاثة جمهوريين، و48 ديموقراطيًا، الشعب الأمريكي».

[c5ab_tweet c5_helper_title=”” c5_title=”” link=”https://twitter.com/realDonaldTrump/status/890820505330212864″ ]

وكانت الصيغة الأولى من مشروع القانون تم سحبها قبيل التصويت عليها في 24 مارس (آذار) الماضي لعدم التوصل إلى إجماع بين صفوف الجمهوريين، مما اعتبر انتكاسة سياسية للرئيس ترامب الذي أعطى أولوية لهذا المشروع. وحرصًا منه على تسجيل أول فوز تشريعي كبير منذ توليه منصبه في يناير (كانون الثاني) الماضي، ألقى ترامب بثقله السياسي دعمًا لمشروع القانون، واجتمع مع نواب ودعاهم إلى تأييده، مطلقًا وسم «هاشتاج» تحت عنوان: إلغاء واستبدال من أجل الحصول على الدعم الشعبي عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة.

[c5ab_tweet c5_helper_title=”” c5_title=”” link=”https://twitter.com/realDonaldTrump/status/844943801848414209″ ]

الجدير بالذكر أن المشروع البديل لترامب كان سيحرم نحو 14 مليون مواطن من الرعاية الصحية في عام 2018، وذلك وفقًا لتحليل أجراه مكتب الموازنة التابع لمجلس الشيوخ، مما سيرفع عدد المواطنين خارج مظلة التأمين الصحي إلى 24 مليون شخص بحلول عام 2026.

المصادر

تحميل المزيد