بالتأكيد البعض منا مر بهذا الموقف من قبل، عندما تجلس مع مجموعة من الأصدقاء أو أفراد العائلة وتتحدثون في مواضيع مختلفة، ليفاجئك أحدهم بمتابعة الهاتف وتجاهل هؤلاء الأشخاص الموجودين، بل ربما نذهب لأبعد من هذا، ونقول إن هذا الشخص قد يكون أنت.

قد يتفهم الأصدقاء أو الأشخاص الجالسون انشغال هذا الشخص بمتابعة الهاتف إذا ما كان يرد على رسائل من العمل أو رسائل ما طارئة، لكن المفاجأة تظهر عندما يكون هذا الشخص مشغولًا باللعب على الهاتف، أو الدردشة مع آخرين، أو تصفح مواقع وسائل التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك» و«إنستجرام». هنا يشعر الجالسون بنوع من الإهانة والضيق من هذا الشخص.

«Phubbing».. مصطلح جديد تفرضه التكنولوجيا

في الآونة الأخيرة، فرض علينا التقدم التكنولوجي وتطبيقات التواصل الاجتماعي وتأثيرها في حياة البشر بشكل عام، ظهور مصطلحات اجتماعية جديدة، أصبح من الشائع استخدامها الآن، مثل «سيلفي»، وأحدث هذه المصطلحات التي انضمت للقاموس هو مصطلح «phubbing»، الذي أصبح استخدامه شائعًا لوصف هذه الحالة من تجاهل الآخرين والانشغال بالهاتف.

هذا المصطلح هو مزيج من كلمتي phone (الهاتف) وsnubbing (الازدراء)، وهو يصف عملية ازدراء شخص تتحدث معه بشكل مباشر أو ضمن مجموعة، عبر استخدام هاتفك والتركيز فيه والانشغال به، متجاهلًا الأصدقاء والرفقاء المحيطين بك.

تمت صياغة مصطلح «Phubbing» لأول مرة في مايو (آيار) 2012، عندما ابتكرت وكالة إعلانات أسترالية هذه الكلمة لوصف الظاهرة المتنامية المتمثلة في تجاهل الأشخاص لأصدقائهم وعائلاتهم الذين كانوا أمامهم مباشرة، وبدلًا من ذلك يتصفحون هواتفهم، وبعد فترة وجيزة، أطلقت حملة «Stop Phubbing»، لوقف هذا السلوك الاجتماعي السلبي.

وقد وجدت إحدى الدراسات أن أكثر من 17% من الأشخاص يقومون بهذا الفعل أربع مرات على الأقل في اليوم، وأفاد ما يقرب من 32% من المبحوثين أنهم يتعرضون للتجاهل من الآخرين عبر التعلق بمتابعة الهاتف من مرتين إلى ثلاث مرات في اليوم.

انشغالك بمتابعة الهاتف يعود إلى شخصيتك

يظهر بحث مشترك جديد بين جامعتي جورجيا وأوكلاهوما الأمريكيتين أن قيام شخص ما بانتظام بمتابعة الهاتف وتجاهل رفقاءه يعتمد على شخصية هذا الشخص، فوفقًا لبيانات تم جمعها من 472 شخصًا، معظمهم من الطلاب الجامعيين، فإن الأشخاص الأكثر اكتئابًا وقلقًا اجتماعيًا وعصابًا هم الأكثر عرضة للانشغال بالهاتف وتجاهل الأصدقاء.

يميل الأشخاص الذين ينشغلون عن أصدقائهم بهاتفهم إلى البحث عن نوع من التعزيز الاجتماعي، وبكلمات أبسط، فإن هؤلاء الذين يشعرون بنوع من عدم اليقين بشأن أنفسهم أو كانوا في وضع قلق شديد، غالبًا ما يبحثون عن دعم إضافي، وهنا يظهر دور الهاتف وأهمية التعلق به بالنسبة لهم.

ليس هذا فحسب، بل إن التعلق باستخدام الهاتف له علاقة إلى حد ما بما يطلق عليه «الخوف من الضياع». والخوف من الضياع (FOMO) هو نوع من القلق الاجتماعي الذي ينبع من الاعتقاد بأن الآخرين قد يستمتعون بينما يتجاهلون معاناة وقلق أحد الأشخاص بينهم أو أنهم لا يعتبرونه موجودًا، وهذا الشخص الذي يعاني من حالة الخوف من الضياع يشعر بالرغبة في البقاء على اتصال دائم مع ما يفعله الآخرون لأنه لو لم يشارك فهو يعتقد أن الآخرين لا يشعرون به. بالنسبة لهؤلاء الأشخاص، فإنهم دائمًا ما يلجؤون إلى مجتمع ما للحصول على الدعم، وهنا يصبح التواصل عبر شبكات التواصل الاجتماعي أكثر أهمية بالنسبة لهم من الصداقات الشخصية.

المحبون للبشر لا يتعلقون بالهاتف!

على الجانب الآخر، فإن أولئك الذين يتميزون بدرجة عالية من الوفاق مع الآخرين هم أقل احتمالية لأن يكونوا من هؤلاء الذين ينشغلون بهواتفهم ويتجاهلون الناس، ويقصد بالوفاق، واحدة من سمات الشخصية الخمس الكبرى (الثقة والإيثار واللطف والمودة والوفاق)، ويتميز الأشخاص الذين يتمتعون بمستوى عالٍ من الوفاق في اختبارات الشخصية، بأنهم دافئون وودودون ولبقون، ولديهم بشكل عام نظرة متفائلة للطبيعة البشرية ويتوافقون مع الآخرين.

ويتميز الأشخاص الذين يتمتعون بدرجة عالية من الوفاق بأنهم أقل تمركزًا حول التفاعلات الاجتماعية، أي لا يفضلون أن تدور التفاعلات الاجتماعية حولهم ويتفهمون ألا يكونوا هم مركز كل شيء. لذا فليس من المستغرب أنهم يريدون تجنب السلوك غير المهذب أو غير المتعاطف مثل متابعة الهاتف أثناء تحدث أصدقائهم.

يؤثر في صحتك العقلية! آثار سلبية للتعلق بمتابعة الهاتف

لا يعرف العلماء حتى الآن تداعيات التعلق باستخدام الهاتف على المدى الطويل، ولكن وفقًا لدراسات أخرى حول هذا الموضوع، فمن الواضح أنها تضر بالعلاقات الاجتماعية بالفعل، إذ ثبت أن الانشغال بالهاتف وتجاهل الأصدقاء (Phubbing) يقلل من الرضا عن العلاقة بين الأزواج.

وربما يلاحظ المتزوجون هذا الأمر بالفعل، خصوصًا النساء الذين في أحوال كثيرة يثار غضبهم عندما يجلس معهم شريك حياتهم ممسكًا بهاتفه ليقوم باللعب أو الدردشة، فعدد ليس بالقليل من النزاعات بين الزوجين تكون قوتها الدافعة هي مشكلة استخدام الهاتف، وقد وجدت دراسة أن الأزواج الذين يمارسون التعلق بالهاتف وتجاهل الشريك الآخر، يعانون من معدلات اكتئاب أعلى. وبالتالي فالأمر له تأثير في الصحة العقلية أيضًا.

الأمر نفسه يحدث بين الأصدقاء، إذ يؤثر الانشغال بمتابعة الهاتف وسط الأصدقاء سلبًا على ترابط هؤلاء الأشخاص ببعضهم. فالناس يريدون أن يشعروا بأنهم مسموعون خلال المحادثات، وأن هناك اهتمامًا من كل الحاضرين عندما يبدؤون في الكلام، وعندما لا يحدث ذلك، يقل رضاهم عن تلك العلاقة، ويبدؤون في أخذ مواقف سلبية من هؤلاء الأشخاص المنشغلين بهواتفهم.

في علم النفس، هناك ما يسمى «دوافع التقارب»، والتي ترتبط بالأفعال التي تزيد من العلاقات الاجتماعية، مثل طرح الأسئلة والتواصل البصري والانخراط في المناقشات، وفي المقابل، هناك ما يسمى «دوافع التباعد»، وهي الأفعال التي تقلل من العلاقات الاجتماعية بين الأفراد مثل الانشغال باستخدام الهاتف.

وقد جدت دراسة أن تجاهل الآخرين عبر متابعة الهاتف يمثل تهديدًا لأربعة احتياجات أساسية، وتلك الاحتياجات الأساسية هي الانتماء، واحترام الذات، والهدف من الوجود، والسيطرة. فعندما يتجاهلك أحد ما، قد تشعر بالرفض والاستبعاد وعدم الأهمية، ويمكن أن يكون لذلك تأثير كبير على صحتك العقلية.

تُظهر الأبحاث أن الأشخاص الذين يتم تجاهلهم من الآخرين بسبب متابعة الهاتف، من المرجح أن يحاولوا استخدام هواتفهم بنفس الطريقة بهدف التفاعل مع شبكات التواصل الاجتماعي الخاصة بهم لملء هذا الفراغ، ومن هنا تبدأ حلقة مفرغة، تتسبب في تزايد التأثيرات السلبية للانشغال بالهاتف على حساب البشر، فقد وجدت دراسة أمريكية أن وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تجعل مشاعر الاكتئاب أسوأ، وكلما زاد استخدامك لوسائل التواصل الاجتماعي، زادت احتمالية شعورك بالاكتئاب أو القلق.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد