هل سبق وأن سمعت عن مرض أو «اضطراب بيكا»، الذي يدفع الشخص دفعًا نحو أكل ما لا يؤكل؟

تظل لحظة الميلاد هي العتبة الأولى التي تخطوها الأم إلى عالم مختلف، فبرغم تجارب كل الأمهات السابقات والأمهات الجدد تظل تجربة كل أم مع طفلها هي التجربة الأولى والفريدة، تكتشف الأم طفلها بغريزة الأمومة والفطرة ويكتشف الطفل أمه باللمس، ويبدأ مغامرته الأولى في اكتشاف العالم.

يستكشف الأطفال الأشياء من حولهم عن طريق حاسة اللمس، يبدأ التطور الحسي لحاسة اللمس عند الطفل في وقت مبكر جدًّا سابق لمرحلة الميلاد؛ فالطفل داخل الرحم يبدأ في لمس جدار الرحم والحبل السري، وتستمر حاسة اللمس في التطور بعد الميلاد بشكلٍ تدريجي؛ لكن غير مشبع لحاجة الطفل في الاكتشاف خاصةً في الشهور الأولى، فبحسب مقال منشور على «موقع هيلث إن» فإن الطفل منذ ميلاده وحتى يبلغ سبعة أشهر يكون غير قادر على استكشاف الأشياء من حوله باستخدام يده وأصابعه فقط؛ لذلك يضع الأشياء التي يلتقطها في فمه!

فم الطفل بوابة استكشافه للعالم من حوله!

ويعزي المقال المذكور سابقًا والذي راجعته طبيبة الأطفال كريستين موير، الأمر إلى أن فم الطفل يعزز إدراكه للأشياء عن طريق ملامستها ومصها وعضها؛ فيبدأ الطفل في وضع الأشياء غير قابلة للأكل في فمه مثل ألعابه والمناديل الورقية والملاعق والأطباق البلاستيكية وحتى الأحذية والقمامة والأوساخ.

Embed from Getty Images

فالشفاه تمتلئ بالكثير من الأعصاب الحسية المتطورة التي تجعل الطفل يدرك طبيعة ملمس الأشياء، سواءً كانت خشنة أو ملساء أو صلبة أو إسفنجية، ومذاقها؛ سواءً كانت حلوة أو مرة أو حارة، وتوضح دوروثي آينون، أخصائية علم نفس في مجال اللعب ونمو الطفل، أن الطفل يستمر في وضع الأشياء في فمه وتذوقها حتى يبلغ سنتين، لكن بعد  السنتين تتطور قدرة الطفل على الإدراك باستخدام يده وأصابعه، ويتوقف تمامًا عن هذه العادة عندما يبلغ ثلاث سنوات، لكن ماذا إذا لم يتوقف طفلك عن عادة وضع الأشياء في فمه وأصبح لديه شهية لها؟

اشتهاء الغرائب.. اضطراب بيكا هو السبب

وفقًا لموقع المركز الوطني الأمريكي لمعلومات التكنولوجيا الحيوية، فإن الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية الصادر عن الجمعية الأمريكية للطب النفسي، الإصدار الخامس (DSM-5)، يُعرف اضطراب بيكا على أنه «تناول مواد غير غذائية وغير قابلة للأكل بشكلٍ متكرر طوال شهر كامل، دون أن يكون هذا السلوك ضمن سمات وخصائص مرحلة النمو التي يمر بها الطفل أو ضمن سياق ثقافي أو اجتماعي ينتمي إليه».

ولماذا يُعاني الأطفال من اضطراب بيكا؟

يذكر موقع «فيرى ويل مايند» الطبي أن اضطراب بيكا يُعد أحد «اضطرابات التغذية والأكل» والتي وفقًا للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM-5)، عادةً ما تكون مصاحبة لبعض الاضطرابات العقلية مثل الفصام والوسواس القهري وبعض حالات التأخر العقلي واضطراب التوحد.

تحكي نادية السيد (اسم مستعار)، زوجة وأم لطفل يعاني من اضطراب التوحد ويبلغ من العمر ثماني سنوات، عن تجربتها مع ابنها فتقول لـ«ساسة بوست»: «عندما أتم ابني ستة أشهر وأصبح قادرًا على الحركة والزحف، بدأ في وضع الأشياء الصغيرة المحيطة به في فمه كعادة الأطفال في مثل هذا العمر، لم يكن الأمر يدعو للقلق، إلا أن الأمور ازدادت سوءًا عندما أكمل عامه الثاني، وبدأ في أكل الخشب والبلاستيك والورق! ولم يتوقف عن هذه العادة حتى الآن، تضيف نادية أنه جرى تشخيص ابنها باضطراب بيكا المصاحب لاضطراب التوحد».

Embed from Getty Images

أطفال التوحد أكثر من يعاني من اضطراب بيكا

تُشير دراسة نشرتها الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال إلى أن ما يقرب من 23% من الأطفال المصابين باضطراب التوحد يعانون من اضطراب بيكا، بينما يعانى 8.2% من الأطفال المصابين بإعاقات ذهنية أخرى فقط من اضطراب بيكا.

تقول زينب منير باحثة وأخصائية تربية خاصة لـ«ساسة بوست»: «اضطراب التوحد هو أحد عوائق التطور التي تبدأ علامتها في الظهور أثناء مرحلة الطفولة المبكرة الفترة – من سنتين إلى خمس سنوات – وتستمر طوال الحياة؛ وعادةً ما يُظهر الطفل التوحدي بعض السلوكيات المختلفة عن الطفل العادي مثل مشكلات التواصل بالعين وصعوبة التكيف مع المحيطين به، بالإضافة إلى بعض السلوكيات التكرارية مثل ترديد الكلام والرفرفة، إلا أن الأمر الأكثر غرابة بشأن أطفال التوحد هو شهيتهم للأشياء غير القابلة للأكل مثل البلاستيك والخشب والورق، وتُرجع بعض الدراسات السبب وراء شهية الأطفال للمواد غير القابلة للأكل إلى اضطراب المعالجة الحسية الذي عادةً ما يُصاحب أطفال التوحد».

عجز الدماغ عن تفسير رسائل الحواس.. المتهم الأول!

وفقًا لموقع الأكاديمية الأمريكية لأطباء الأسرة فإن اضطراب المعالجة الحسية يُشير إلى عدم قدرة الدماغ على ترجمة المثيرات الحسية المختلفة التي يلتقطها الطفل من البيئة المحيطة به عن طريق حواسه الخمس، بالإضافة إلى حواسه الداخلية والإحساس العميق لديه؛ فيصاب الطفل إما بفرط استثارة حسية، ويصبح غير قادر على التعامل مع المثيرات الحسية المختلفة التي يلتقطها من البيئة المحيطة، فيزعجه الصوت المرتفع والإضاءة الساطعة ويتجنب مذاق بعض الأطعمة وملمس الأشياء من حوله، أو يصاب بانخفاض الاستثارة الحسية فيظل يبحث عن الكثير من المحفزات والمثيرات من حوله».

«انخفاض الاستثارة الحسية».. الجسم يحمي نفسه

تحكي «س. و» أم لطفل توحدي من الجزائر عمره 11 عامًا  لـ«ساسة بوست»؛ فتقول: «لاحظت أن ابني يأكل ألعابه المصنوعة من البلاستيك بشكلٍ متكررٍ، خاصةً عندما يشعر بالقلق أو الخوف من شيءٍ ما، ثم ما يلبث أن يهدأ ويتوقف عن مضغها».

مصدر الصورة: bettinarae

وبحسب موقع «جريفن أكيوبيشنال ثيربي» والمهتم بتقديم العلاج المهني للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، فإن أطفال التوحد الذين يعانون من انخفاض الاستثارة الحسية يلجؤون إلى تحفيز أنفسهم حسيًّا وتهدئتها عن طريق مضغ الأشياء غير القابلة للأكل ومصها، خاصةً أن العضلات الماضغة تُعد من  أقوى العضلات الموجودة في الجسم، كما أن المضغ نفسه يمنح الدماغ دفعة كبيرة من المثيرات الحسية التي تساعد الطفل على التهدئة الذاتية.

نقص المعادن.. الجسم يبحث عن بدائل

تُضيف زينب منير لـ«ساسة بوست»: «نقص بعض المعادن مثل الحديد والزنك من الجسم يُعد من العوامل التي تدفع الطفل للبحث عنها لا شعوريًّا في المواد غير الصالحة للأكل التي يتناولها!».

وما هذه المعادن الذي يدفع نقصها الأطفال إلى أكل ما لا يؤكل؟

يوضح الدليل الاسترشادي لرعاية أطفال التوحد الصادر عن شبكة أبحاث التوحد التابعة لوزارة الصحة بولاية ماساتشوستس الأمريكية، بعض الإجراءات والاختبارات الطبية الضرورية التي تُساعد الآباء ومقدمي الرعاية على معرفة المعادن التي يحتاجها أبناؤهم مثل:

  • تحليل لمعرفة نسبة الهيموجلوبين والهيماتوكريت في الدم. 
  • تحليل لمعرفة مستوى الزنك في الدم.
  • (اختبارات الحديد) الفيريتين، والسعة الملزمة للحديد (TIBC) ومستوى الحديد في الدم.
  • اختبار الطفيليات لاختبار وجود طفيليات أو يرقات في البراز.

أنا أب لطفل مصاب باضطراب بيكا.. ماذا أفعل؟

  • العلاج السلوكي

وفقًا لموقع «فيري ويل هيلث» الطبي فإن العلاج السلوكي يُساعد في شفاء 80% من الأطفال المصابين باضطراب بيكا، عن طريق استخدام إستراتيجيات معينة لتدريب الطفل على التمييز بين المواد الصالحة للأكل والمواد غير القابلة للأكل ومكافأته عند اختيار المواد الصالحة للأكل.

  • تحليل السلوك التطبيقي

يساعد تحليل السلوك التطبيقي إلى حدٍّ كبيرٍ في ضبط سلوكيات التغذية غير المقبولة عند طفلك، فبحسب مقال منشور على موقع «سيكولوجي توداي» فإن تحليل السلوك التطبيقي يركز على تعزيز السلوكيات الإيجابية، وتقليل السلوكيات السلبية، ونقل المهارات والسلوكيات المختلفة من موقفٍ إلى آخر؛ ومن ثم تعميم استجابة الطفل في كل المواقف الحياتية المشابهة.

Embed from Getty Images

طفلة تتدرب على تمييز الطعام في جلسة تحليل سلوك تطبيقي

  • أنظمة غذائية لزيادة الاستثارة الحسية

يُساعد استخدام أنظمة غذائية حسية على رفع درجة التحفيز الحسي للطفل فتقل رغبته في اشتهاء المواد غير الصالحة للأكل، لذلك من الضروري إدخال أطعمة مقرمشة مثل الجزر، والدوم، والفشار، والمثلجات، والخبز المحمص.

  • قدِّم له الألعاب

قد يساعد استخدام أنواع معينة من الألعاب على تهدئة الطفل مثل الألعاب  المصنوعة من السيليكون، والتى تستخدم عادةً عند التسنين.

  • نظام غذائي متوازن

قدم لطفلك نظامًا غذائيًّا متوازنًا يحتوي على المعادن والفيتامينات المناسبة، حتى لا يدفعه نقصها إلى اشتهاء المواد غير الصالحة للأكل.

  • المكمِّلات الغذائية

قد يساعد إجراء تحاليل نقص المعادن على تحديد نوع المكملات الغذائية المناسبة لطفلك، والتي يحفزه نقصها على اشتهاء المواد غير القابلة للأكل. 

  • أغلق الخزانة جيدًا

قم بإبعاد كل المواد الصلبة والمواد غير القابلة للأكل من دائرة طفلك، وضعها في أماكن محكمة الغلق، ووفر لطفلك بيئة آمنة، واحمه من خطر الإصابة بالتسمم أو الاختناق، فبحسب دراسة منشورة بـ«المجلة العربية للآداب والدراسات الإنسانية»، قد يتسبب تناول مواد مثل الحصى والطين إلى ارتفاع نسبة البوتاسيوم في الدم؛ الذي يؤدي إلى الإصابة بالفشل الكلوي؛ بالإضافة إلى الإصابة بعدوى والتهابات الجهاز الهضمي وانسداد الأمعاء.

تربية

منذ 10 شهور
اضطراب المعالجة الحسية.. دليلك الشامل للتعامل مع سلوكيات طفلك غير المبررة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد