تخيل نفسك تسير في الطرقات مستمعتًا بالطقس، وبنزهتك القصيرة، وفجأة غامت السماء مبشرة بهطول الأمطار، وقتها لن تشعر بالقلق الشديد، لأنك أحضرت شمسيتك وكنت مستعدًا بالفعل لهذا الاحتمال، ثم تبدأ السماء في إعلان سقوط المطر، تفتح شمسيتك، وتسمع قطرات المطر الصغيرة تصطدم بها، ولكنك عندما تنظر على الأرض، تجد هناك بركة من الدماء تغطيها هي وحذاءك، تنظر للأعلى بذعر فتجد السماء تُمطر دمًا؟ تلك ليست قصة مرعبة خيالية، بل هو ظاهرة طقسية تحدث بالفعل في أكثر من مكان بالعالم، وفي هذا التقرير نشرح لكم ما هو المطر الدموي أو المطر الأحمر؟

فأل سيئ ونذير شؤم؟

في عام 2020 عندما ترى أمطار حمراء تسقط من السماء، نسبة كبيرة من البشر يمكنها التخمين أن هناك سببًا علميًّا لهذا الحدث ولكنهم لا يعرفونه، ولكن عندما كانت تحدث تلك الظاهرة في القرون البعيدة، كانت تعتبر نذير شؤم وفألًا سيئًا وكأنها غضب من السماء أو تحذير عن وقوع حدث سيئ قادم للمكان الذي هطل عليه المطر الأحمر.

وسُجل ظهور المطر الأحمر للمرة الأولى في الأعمال الأدبية المكتوبة، بين صفحات الإلياذة لهوميروس، والتي كُتبت خلال القرن الثامن قبل الميلاد، وحتى القرن السابع عشر في أوروبا والأماكن التي تعرضت لهذا المطر، كانوا يظنون بالفعل أن هذا المطر دم حقيقي، وليست أمطارًا حمراء اللون لأسباب كيميائية.

المطر الدموي في الهند

وحتى الآن بالنسبة للمسيحين المتدينين بأنحاء العالم، فتحول المياه إلى لون الدم؛ هي علامات ذكرت أكثر من مرة في الإنجيل سواء لتكون تعبيرًا عن عقاب الله، أو للإعلان عن نهاية العالم، فمن الصعب على هؤلاء المتدينين، أن يمنعوا تلك الغصة التي تهاجهمهم عندما يشاهدون مطرًا دمويًّا يهبط من السماء على رؤوسهم.

مؤخرًا.. أين ظهر المطر الأحمر؟

ولاية كيرالا في جنوب الهند من أكثر المناطق المشهورة بهطول المطر الدموي، سجلت الحالة الأولى لسقوط تلك الأمطار الغريبة في الولاية بالعام 1896، ثم عادت مرة أخرى في العام 1957، وفي العام 2001 عندما انضم اللون الأصفر والأخضر والأسود للأحمر في هذا العام، ومؤخرًا في عام 2012 عندما استمرت الأمطار الدموية في الهطول لمدة ما يقرب من شهر ونصف؛ هطولًا متقطعًا في المقاطعات الشرقية والشمالية والوسطى من سريلانكا.

وفي العام الماضي 2019؛ ظهرت تلك الأمطار في أكثر من مكان بأوروبا، واستطاع الكثير من المواطنين في إيطاليا وإنجلترا تسجيل الحدث ونشره على مواقع التواصل الاجتماعي، وإيطاليا لم تلك تجربتها الأولى مع الأمطار الدموية، فقد مرت البلد بتجربة مشابهة في العام 1926، وقتها لم يكن هناك أسباب علمية مؤكدة للكثير من العلماء عن تلك النوعية من الأمطار الحمراء، ولذلك عندما سقطت تلك الأمطار في يوم 31 أكتوبر (تشرين الأول) وهو عيد الهلع عند الغرب؛ كانت صدفة لم تسعد أهالي إيطاليا.

مرة أخرى في العام 2018 تزور تلك الأمطار الدموية منطقة نائية في سيبيريا، وتثير ذعر المواطنين والذين وصفوا تلك الأمطار وفسروها على أنها نذير بنهاية العالم، أو بالطاعون كما ذكر في الإنجيل، وبدأت المقاطع المصورة للسيارات والطرقات الملطخة بالدماء تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي لتثير الذعر في باقي أنحاء روسيا. والسؤال هنا: ما هي الأسباب العلمية وراء سقوط تلك الأمطار؟

لماذا تسقط الأمطار الدموية؟

في روسيا كان تفسير الأمر لا يحتاج إلى مجهود كبير من العلماء بعد فحص عينات المطر، وأكدوا أن تلك الأمطار الدموية سببها أحد المصانع المحلية والتي تعمل على استخراج مواد النيكل والبلاديوم، وكان هذا أثناء عملية تنظيف كمية كبيرة من أكسيد الحديد والذي يسبب الصدأ كان موجودًا على سطح المصنع وجدرانه، وتصادف في الوقت نفسه هبوب عاصفة ضخمة حملت هذا الصدأ البني وخلطته بمياه الأمطار؛ وتسبب في هطول تلك الأمطار الدموية على سيبيريا.

ولكن هذا التفسير ينطبق على أمطار سيبيريا، وباقي الحالات العامة التي وقعت في أكثر من بلد وجد لها العلماء تفسيرًا أيضًا، ونشرت النتيجة في دراسة بالعام 2013 ووضحت تلك الدراسة أن اللون الأحمر في المطر يكون ناتجًا عن جراثيم داخل طحالب دقيقة خضراء.

وأكدت الدراسة أن الأمطار الدموية ليست سوى آلية تستخدمها الطحالب لتوزيع جراثيمها والتي تشبه بذور النباتات ولونها أحمر، وتقوم بهذا التوزيع على نطاق واسع في نفس الوقت، وجاءت تلك النتائج من خلال دراسة وتحليل أمطار دموية سقطت في النمسا، والأمطار الخاصة بولاية كيرالا الهندية.

ووضحت الدراسة في النهاية أن تلك الظاهرة من توزيع الطحالب لبذورها تعد نادرة الحدوث أو الأولى من نوعها في الطحالب، لأن العلماء تعودوا على هذا النمط في البكتيريا والفطريات، ولكنه جديد في عالم الطحالب. تلك البذور الحمراء عندما تمتزج بمياه الأمطار تتسبب في سقوط الأمطار الدموية التي تشهدها بعض البلاد وتثير ذعرهم.

هناك حالات خاصة أيضًا يسقط فيها المطر الدموي، وهو تواجد المدينة بجوار صحراء كبيرة قد تعرضت لعواصف ونقلت الغبار إلى تلك المدينة أثناء سقوط المطر، ولكن في تلك الحالة لا تكون الأمطار دامية وباللون الأحمر الواضح، بل يميل لونها إلى اللون البني أكثر.

تفسيرات أخرى.. الفضائيون يزورون الأرض!

هناك رجل فيزياء يدعى جودفري لويس يرفض التفسيرات السابقة فيما يخص المطر الدموي، مؤكدًا أنها «هراء»، وعكف على دراسة بعض العينات للمطر الدموي الذي سقط في الهند وذهب إلى تفسير بعيد تمامًا، فوضح أنه من خلال المراقبة المجهرية لتلك الأمطار، يمكن بسهولة أن ترى أن التفسيرات التي وفرها العلماء للعامة ليست صحيحة، مؤكدًا أن ما وجده في تلك العينات هو مادة شبيهة للبكتيريا التي نراها في المذنبات العابرة في الفضاء، ولذلك رجح جودفري لويس أن تلك الأمطار هي دليل على هبوط الفضائيين إلى كوكب الأرض جالبين معهم تلك البكتيريا التي تتسبب من الحين للآخر في سقوط المطر الدموي، وكتب في مقالة له أن السماء في عام 2001 أمطرت فضائيين على الهند.

لم يتفق الكثير من العلماء على نظرية جودفري وردوا عليه بالمثل مؤكدين أن كلامه هو الذي يجب أن يوصف بالـ«هراء»، ولكن أيضًا بعضًا من الباحثين وجدوا فيما يقوله جودفري أمرًا يستحق الدراسة والتدقيق، ومنهم عالم الأحياء الدقيقة ميلتون واينرايت والذي عكف فترة على دراسة عينات الأمطار الدموية محاولًا الفصل بين جودفري وباقي العلماء، والغريب أنه أعلن عن شكه في تفسيرات العلماء الآخرين، ولكنه أيضًا لم يستطع تأكيد نظرية جودفري عن وصول بكتيريا فضائية.

فيما بعد حاول جوفري دعم نظريته عن أن البكتيريا التي تتسبب في هطول أمطار حمراء قادمة من الفضاء، هي الهزة الأرضية التي تعرضت لها ولاية كيرالا قبل سقوط الأمطار، مؤكدًا أن تلك الهزة والأصوات التي زارت المدينة إن دلت على شيء فهي تدل على هبوط أو سقوط شيء على سطح الأرض، وإن لم يكن هذا الشيء فضائيين بحسبه فسيكون مذنبًا قادمًا من خارج كوكب الأرض ولا بد أنه هو ما تسبب في تلك الأمطار. خاصة وأنها استمرت ما يقرب من شهرين، ما ينفي إمكانية حدوث هذا المطر بسبب غبار كما فسره العلماء الآخرين، وعلى الرغم من رفض الكثير لنظرية جودفري، إلا أن بعضهم قد منحه التقدير على كونه كشف عن أن تلك الأمطار تحتوي على مواد كيميائية توجد في المذنبات.

منوعات

منذ سنة واحدة
هل تعرف أن السماء تمطر حشرات وحيوانات أحيانًا؟

أمطار دموية، وضفادع، وعناكب وأسماك، دائمًا ما تبهر السماء البشر بما تسقطه عليهم على شكل أمطار، وفي البداية يكون الأمر مخيفًا ومفزعًا حتى يستطيع البشر الاحتماء من الخوف وراء العلم وتفسيراته لتلك الظواهر الجوية الغريبة، والآن عندما تنظر إلى قدم وترى الأمطار الحمراء تغطي حذاءك لا تفزع، فهي الطحالب أو الغبار، أو ربما عليك أن تخاف إذا صدقت نظرية جودفري حول هبوط الفضائيين.

المصادر

تحميل المزيد