يبدأ الأطفال في تطوير مهارات الكلام والتواصل في مرحلة الطفولة المبكرة، في الفترة من عمر سنتين إلى خمس سنوات، فتكون الأسرة هي الشاهد الأول على عملية التطور هذه، ثم تتسع حصيلة الطفل اللغوية وتتطور بتقدم الطفل في العمر وانتقاله إلى مرحلة الطفولة المتوسطة في الفترة من ست إلى ثماني سنوات. وعلى الرغم من هذا التطور اللغوي فإن الطفل يختار الصمت أحيانًا، ويرفض أن يتحدث مع أي شخص خارج نطاق عائلته، فيما يعرف باسم «اضطراب الصمت الانتقائي»، فما هو؟ وكيف نتعامل معه؟

اضطراب الصمت الانتقائي واضطرابات القلق!

 بحسب الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس للاضطرابات العقلية الصادر عن الرابطة الأمريكية للطب النفسي (APA) فإن اضطراب الصمت الانتقائي هو أحد أشكال اضطرابات القلق التي تحدث في مرحلة الطفولة المبكرة، وتعوق قدرة الطفل على التواصل والتحدث بشكل فعال في بعض المواقف والبيئات الاجتماعية التي تبدو غير مريحة وتُثير في الطفل القلق والتوتر مثل المدرسة.

وذلك على الرغم من قدرته على التواصل بشكل طبيعي في بعض المواقف والأماكن الاجتماعية التي تُشعره بالاطمئنان، والتي غالبًا ما تكون في دائرة أسرته.

ومتى تظهر أعراض هذا الاضطراب؟

تظهر أعراض الصمت الانتقائي عادةً في مرحلة الطفولة المبكرة، إلا أنه غالبًا لا يجري التعامل معها بجدية، فوفقًا لتقرير نشره الباحثان بيتر موريس توماس، وإتش أولينديك، في مجلة علم نفس الأسرة أن الكثير من الآباء يسيئون تفسير  حالة الصمت الانتقائي التي يمر بها أبناؤهم.

Embed from Getty Images

معتقدين أن أبناءهم يعانون من الخجل، خاصة في المواقف والبيئات الاجتماعية الجديدة  والتي لم يختبروا التعامل معها من قبل، إلا أن الأمر يصبح أكثر وضوحًا عندما يخرج الطفل للمجتمع ويلتحق الطفل بالمدرسة فيصاب الطفل بالقلق والخوف من التعامل مع محيطه الاجتماعي الجديد لفترات طويلة تزيد على شهر وقد تصل إلى سنة.

اضطراب الصمت الانتقائي vs الخجل

يعد الخجل من الأمور الشائعة في مرحلة الطفولة المبكرة ويمكن تفسيره على أنه ميل إلى عدم التفاعل اجتماعيًّا، بينما يتجاهل الكثير من الآباء شعور الخجل الذي يظهره أبناؤهم في بعض المواقف الاجتماعية ويعتقدون أنه أمر عارض في مسيرة النمو والتطور.

استعرضت الدكتورة كارلا هيتشكوك أستاذ الطب النفسي في مقالة لها عن الرهاب الاجتماعي عند الأطفال والمراهقين؛ علاقة الخجل باضطرابات القلق المختلفة، من خلال تتبع سلوكيات عينة مكونة من ألفي طفل من مرحلة الطفولة المبكرة وحتى سن 15 سنة.

توصلت الدراسة إلى أن الأطفال الذين وصفتهم أمهاتهم بأنهم أطفال خجولون في مرحلة الطفولة المبكرة تزداد معدلات إصابتهم بأحد اضطرابات القلق مثل اضطراب الصمت الانتقائي، أو اضطراب القلق الاجتماعى، من مرتين  إلى ثلاث مرات مقارنة بالأطفال الذين لم يظهروا سمات للخجل!

ربطت هيتشكوك بين اضطراب الصمت الانتقائي وبين اضطراب القلق الاجتماعي، إذ اعتبرت أن الأول أحد أشكال القلق الاجتماعى والذى عرَّفته على أنه خوف ملحوظ ومستمر من المواقف الاجتماعية التي تعوق تفاعل الطفل بشكل طبيعى وتجعله يشعر بالخوف من التحدث أمام الناس أو بدء محادثة مع أشخاص غرباء، أو الخوف من التحدث في بعض المواقف الاجتماعية حتى مع أشخاص من محيط أسرته خوفًا من آراء الآخرين وتقييمهم له.

دعمت دكتورة إليسا شيبون بلوم، أستاذة علم النفس وطب الأسرة ومديرة مركز علاج الصمت والقلق والاضطرابات ذات الصلة، الآراء التي تربط بين اضطراب الصمت الانتقائي واضطراب القلق الاجتماعى؛ إذ أشارت إلى أن 90% من الأطفال المصابين بهذا الاضطراب، يعانون من اضطراب القلق الاجتماعى، ويظهر ذلك في شعورهم الشديد بالخجل وخوفهم من بدء علاقات صداقة جديدة وتجنبهم للمواقف الاجتماعية المختلفة.

لكن لماذا يدفع الخجل طفلك إلى الشعور بالخوف؟

تُشير الدراسات إلى أن الأطفال الذين يتسمون بالخجل الشديد هم أكثر عرضة لاختبار مشاعر القلق والخوف، ويُرجع الباحثون السبب فى ذلك إلى أن الأطفال الخجولين لديهم عتبة استثارة منخفضة في منطقة اللوزة الدماغية (الجزء المسؤول عن إدراك العواطف وإصدار الاستجابات السلوكية المرتبطة بالخوف والقلق).

Embed from Getty Images

طفل يعاني من الخجل 

فعند مواجهة حادث مخيف تتلقى اللوزة الدماغية إشارات الخطر من المدركات الحسية المختلفة، وتبدأ في إطلاق سلسلة من ردود الأفعال التي تساعد الطفل على حماية نفسه. وفي حالة الأطفال الذين يعانون من الصمت الانتقائي فإن الحوادث المخيفة هي التجمعات العائلية، والأشخاص الجدد، والمدرسة أيضًا، فيختار الطفل السكوت بوصفه استجابة دفاعية تشعره بالاطمئنان وتقلل شعوره بالقلق.

كيف يتحول الخوف إلى حالة مرضية؟

يختبر جميع الأطفال مشاعر الخوف المختلفة، فالأطفال الطبيعيون يخافون الأشياء نفسها التي يخاف منها الأطفال المصابون بالرهاب. وقد وضح موقع «رايزنج تشيلدرين» في مقالة عن أسباب القلق عند المراهقين والأطفال أن الفرق بين الخوف الطبيعي والرهاب يكمن في درجة القلق التي يشعر بها الطفل وطول المدة الزمنية التي يستمر فيها الشعور بالقلق.

فالطفل المصاب بالرهاب يعانى من مشاعر الخوف والقلق لمدة قد تصل إلى ستة أشهر أو أكثر، على عكس الأطفال الطبيعيين الذين يكون شعور الخوف لديهم شعورًا عارضًا ينتهي بانتهاء الموقف الذي يُقلقهم.

وما الأسباب التي تدفع طفلك إلى دائرة الصمت؟

1- الأسباب الوراثية

تلعب الوراثة دورًا كبيرًا في الإصابة بهذا الاضطراب، فغالبية الأطفال المصابين به لديهم استعداد وراثي للقلق يظهر على شكل نوبات غضب وقلق شديد، وخجل شديد في مرحلة الطفولة المبكرة.

2- مشكلات في المعالجة الحسية

بحسب الأبحاث الصادرة عن مركز أبحاث وعلاج قلق الصمت الانتقائي، فإن بعض الأطفال الذين يعانون من اضطراب المعالجة الحسية يكونون غير قادرين على تفسير الرسائل الحسية التي تصلهم عبر حواسهم المختلفة، فيكونون حساسين للصوت والضوء واللمس والتذوق والروائح.

الأمر الذي يؤثر تأثيرًا كبيرًا في استجابتهم العاطفية، ويجعلهم يتجنبون المواقف التي تثير حواسهم المختلفة وتجعلهم غير قادرين على تفسير الإشارات البيئية والاجتماعية المختلفة؛ ما يؤدي إلى شعورهم بالقلق والتوتر فتنتابهم نوبات غضب شديدة، أو الانسحاب من الموقف واختيار السكوت.

Embed from Getty Images

طفلة تعاني من الرهاب الاجتماعي

3- ويعد مؤشرًا لاضطرابات أخرى!

غالبًا ما يكون  الصمت الانتقائي أيضًا عرضًا لبعض الاضطرابات الأخرى مثل الهلع أو اضطرابات النطق والكلام واضطرابات اللغة. إذ يعاني من 20 إلى 30% من الأطفال الذين يعانون الصمت الانتقائي من اضطرابات في الكلام أو اللغة مثل اضطرابات اللغة الاستقبالية، أو التعبيرية، أو التأخر اللغوي، ما يدفعهم لاختيار السكوت في البيئات الاجتماعية التي يشكل التحدث فيها عبئًا نفسيًّا عليهم.

4- التحدث بأكثر من لغة

عادةً ما يعاني الأطفال الذين تعلموا لغة ثانية بجانب لغتهم الأم خلال فترة تطورهم اللغوي الفترة من عامين إلى أربعة، من هذا الاضطراب؛ إذ يشكل القلق والخوف من عدم إتقان اللغة الأم أو عدم القدرة على تعلم اللغة الجديدة مصدر قلق للطفل، فيجعله يختار السكوت حتى يقلل من حدة توتره وقلقه.

5- الصمت الانتقائي VS كرب ما بعد الصدمة

يعتقد البعض خطأً أن الأطفال المصابين بالصمت الانتقائي قد تعرضوا لصدمة نفسية، إلا أن هناك فرقًا بين الصمت الانتقائي الذي يحدث في مواقف اجتماعية معينة، والصمت الذي يعقب كرب ما بعد الصدمة، والذي يستمر بعد تعرض الطفل لتجربة مؤلمة ويصاحبه أعراض مختلفة مثل الكوابيس والنوم المتقطع.

كيف تساعد طفلك على التغلب على اضطراب الصمت الانتقائي؟

 غالبًا ما يتعافى الأطفال الذين يتلقون مساعدة مهنية متخصصة في مرحلة الطفولة المبكرة بسرعة أكبر من الأطفال الذين لا يتم تشخيصهم، فتستمر معهم مشكلات التحدث حتى مرحلة البلوغ الفترة من سن 9 إلى 14 سنة، وعادة ما يميل المتخصصون إلى استخدام مجموعة من الإستراتيجيات العلاجية، والتي نذكر منها ما يلي:

العلاج السلوكي

يهدف العلاج السلوكي في حالة اضطراب الصمت الانتقائي إلى أن يستبدل بالسلوكيات غير المرغوبة وهي الصمت، السلوكيات الإيجابية وهي التفاعل في جميع المواقف الاجتماعية وتعزيزها، وهناك العديد من التقنيات التي يستخدمها الآباء والقائمون على رعاية الطفل ومنها:

تربية

منذ سنة واحدة
6 نصائح للتواصل الإيجابي مع طفلك الذي لم يتعلم مهارات الكلام بعد

لا تجبر طفلك على التحدث

ما يمنع طفلك من التحدث هو الخوف والقلق، لذلك ساعده على التغلب على قلقه وخوفه. ابدأ بالتركيز على مساعدة طفلك على بناء ثقته بنفسه واحترامه لذاته، وساعده على التواصل بشكل غير لفظي في البداية حتى تصل به إلى مرحلة التواصل اللفظي.

ساعد الطفل على الاندماج اجتماعيًّا

حاول أن تساعد طفلك على خلق علاقات اجتماعية جديدة، اذهب معه إلى النادي مثلًا، وحاول أن تمهد له الحديث مع الأطفال الموجودين في محيطه. رتب له لقاءات منزلية مع أطفال في نفس عمره، كما أن وجودك بالقرب من طفلك قد يساعده على التحرر من خوفه والتحدث.

 كافئ طفلك

كافئ طفلك عندما يشارك في الحديث، حتى وإن شارك بطريقة غير لفظية واعتمد لغة الإشارة والإيماءات.

الجأ للعلاج السلوكي المعرفي (CBT)

يُعد العلاج السلوكي المعرفي من الأساليب الفعالة في علاج البالغين والمراهقين الذين يعانون من اضطراب الصمت الانتقائي واضطراب القلق الاجتماعي؛ إذ يساعدهم المختص النفسي في التركيز على طريقة تفكيرهم في أنفسهم والناس، وكيفية مواجهة مخاوفهم.

وأخيرًا العلاج الدوائي

يميل بعض الأطباء النفسيين إلى استخدام بعض أنواع الأدوية المضادة للاكتئاب، والتي تساعد على تقليل مشاعر القلق والخوف.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد