*هذا المقال تمت كتابته للرد على مقال طويل – أقرب للبحث – بعنوان مأساة الجيش الأمريكي للكاتب جيمس فالوس في جريدة أتلانتيك. ويتحدث فيه عن الغربة بين الجيش والشعب الأمريكيين وعدم اهتمام أغلب الشعب بأخبار الحرب.

 

أقل من 1% فقط من تعداد السكان الأمريكي خدم في الحروب الحالية التي خاضتها البلد. لكن إذا كانت تلك المشكلة، فما هو الحل؟

عندما زرت أفغانستان لأول مرة عام 1996 لأكتب عن معسكرات التدريب التابعة لطالبان خارج مدينة جلال آباد، لفت أحد الرجال الأفغان انتباهي لجبال تورا بورا وقال “يوجد أجانب هناك بالأعلى، يتدربون استعدادًا للحرب.” وأضاف: “إذا ذهبنا نحن الأفغان للأعلى فسوف يقتلوننا، رغم أن هذه دولتنا نحن، هناك شيء سيء سيحدث جراء ذلك”.

 

وبالفعل حدث ما كان توقعه. وتقريبًا بعد عشرين عامًا من هذه المحادثة، أقسمت على أن أترك العمل في تقديم تقارير عن الحروب، ولكني ما زلت أهتم بالفعل بالشعب الأفغاني. وقد رفضتُ تغطية الحرب العراقية لأني كنت معارضًا لها بشدة، لكن أفغانستان كانت أمرًا مختلفًا. فهم لم يكونوا يؤوون المخططين لهجمات الحادي عشر من سبتمبر فقط، لكني ظننت أيضًا أن الولايات المتحدة تستطيع تقديم العديد من الأمور الجيدة لأمة محبوسة داخل دائرة مغلقة من الحرب الأهلية والفقر.

لقد نشأت خلال فترة الحرب على فيتنام كما أني ليبرالي النزعة، لكني أيضًا شاهدتُ حلف الناتو ينقذ البوسنة من الإبادة الجماعية، وأؤمن بشدة بوجوب التدخل العسكري عندما تكون حياة المدنيين في خطر. وقد كانت هذه هي الحالة خلال الحرب الأهلية الطويلة بأفغانستان.

 

من المبكر جدًا الإجابة على سؤال هل غيرنا أفغانستان أم لا، لكن وبلا شك فقد غيرتنا أفغانستان. وكما رصد جيمس فالوس في مقالته الطموح بجريدة أتلانتيك “مأساة الجيش الأمريكي” إحدى أهم هذه التغيرات وهي: الانقسام المزعج بين الشعب الأمريكي وجيشه. ووفقًا لما قاله فالشعب قد اتخذ جانبًا بينما الجيش منغمس كليًا في الحرب بميزانيته الضخمة بالإضافة لمُصنعي الأسلحة الذين يتهافتون للانقضاض على الصفقات المربحة. ونتيجة لذلك، وافق الكونجرس على برامج باهظة التكلفة بدون أسباب معقولة، متل مشروع الطائرة المقاتلة F-35، والتي لن تجعل الأمريكان أكثر أمنًا بقدر ما ستخدم أهداف الشركات الكبرى. وفي رأي فالوس فطائرة F-35  ليس لها جدوى حقيقية، لكن هذا لا يمكن مقارنته مع – ما يمكن قوله على تأثير الشركات غير المبرر على العديد من المسئولين الحكوميين المتورطين في خطط إنقاذ البنوك أو مد خط أنابيب كايستون. فالعديد من رجال الكونجرس يمكن شراؤهم بوجبة عشاء وقليل من الاهتمام، ومسئولو شركات صناعة الأسلحة يشعرون بأن عليهم ممارسة هذا النوع من الفساد كما يفعل الجميع.

وستظل هذه الأخطاء في النظام ضارة بالديمقراطية الأمريكية العزيزة، ويُلقي فالوس أغلب اللوم في وقوع ذلك على المواطنين غير المبالين بما يحدث. كما يُلاحظ أن المشاركة الآن في الجيش الأمريكي قليلة جدًا لدرجة أن الشعب بالكاد يعلم أن البلد لازالت تحارب. والأسباب التي نسمعها مرارًا وتكرارًا ويتم نشرها لأسباب مختلفة سواء من المحافظين أو الليبراليين هي أن أقل من 1% من الشعب الأمريكي شارك مع الجيش في الحروب الحالية. بينما إذا ازداد عدد المشاركين فيقولون بأن الشعب سيكون متابعًا لما يحدث بدقة، وهكذا فلن تستطيع الولايات المتحدة إعلان الحرب بسهولة كما يحدث الآن (في الحقيقة كان هناك متظاهرون كُثر جدًا في مدينة نيويورك قبل بدء الحرب على العراق، بالإضافة للمعارضة الشديدة للغزو الأمريكي في الصحف الليبرالية – وقد كانوا مُحقين بذلك). أخذ فالوس هذه الفكرة وقام بليّ عنقها بشدة فقال: “بسبب وجود شريحة صغيرة جدًا من الشعب لهم مصلحة مباشرة في متابعة عواقب الأعمال العسكرية فبالتالي لا تعمل دورة التقييمات الديمقراطية الطبيعية بشكل جيد”. أي أن القرارات الخاطئة لا تجد من يعارضها لأنه لا يوجد من يتابعها من الأساس ليعطي رأيه فيما يحدث.

وهذه لا تزال نظرية جذابة على الرغم من أنها واضحة الخطأ. فبانتهاء الحرب العالمية الثانية كان ما يقارب 10% من الأمريكيين مشاركين في أعمال عسكرية. وهو ما كان يجب أن يتبعه معارضة شعبية كبيرة – تبعًا للنظرية السابقة – لكن هذا لم يحدث، بل حدث العكس تمامًا. فقد كتب العالم السياسي آدم برينسكي في مقاله “في وقت الحرب: فهم توجه الرأي العام الأمريكي من الحرب العالمية الثانية وحتى حرب العراق”: “فقد أراد الشعب الأمريكي استكمال الحرب حتى يتم النصر”. فبين 31 ديسمبر 1944 و4 يناير 1945 قام معهد جالوب الأمريكي للرأي العام بطرح سؤال “إذا عرض هتلر السلام الآن وأنه سيرد كل الأراضي التي احتلها، فهل يجب علينا أن نعمل على إنجاح السلام أم نُكمل الحرب حتى يتم هزيمة الجيش الألماني بالكامل؟”  كانت النتيجة هي دعم 73% من الشعب لاستكمال الحرب حتى إعلان الاستسلام غير المشروط. فمن الواضح أن حجم المشاركين في الجيش لا يُحدد إذا كانت الحرب تحظى بشعبية ورضا الشعب أم لا. بالإضافة إلى أن الفكرة القائلة بأن تعرض الشخص للحرب يحوله دائمًا ليقف ضدها، هي فكرة مشهورة لكنها خاطئة أيضًا. فأغلب إن لم يكن كل الأشخاص الشجعان الذين أعرفهم في حركات السلام ليس لهم أي علاقة أو ارتباط بالجيش. ومما لاحظته فأغلب المدافعين عن حروبنا الحالية هم غالبًا من الجنود والعائلات الذين تعرضوا للعبء الأكبر من آثارها. بل إن الكثير من الجنود القدامى الذين حضرت المعارك معهم يقولون إنهم يفتقدون الحرب، بل إن أحدهم قد اشتكى بمرارة شديدة وقال: “بعد أن تخرج الولايات المتحدة من أفغانستان فلن يتبقى مكان لنقاتل فيه”.

وأنه لمن الخطر الوصول للاستنتاج الصحيح متتبعًا منطقًا خاطئًا. ولأجل المناقشة فقط فلنفترض جدلًا صحة الرأي القائل بأن النسبة القليلة للمشاركة في الجيش – أقل من 1% – تُفسر اللامبالاة العامة عن الحرب. حسنًا، لكن ما هو الحل؟ فالقول بأن نسبة 1% قليلة يعني بأن الرقم من المفترض أن يزيد عن هذا. لكن ما مقدار الزيادة المطلوبة؟ 5% أم 10% مثلًا؟ هل تحتاج الولايات المتحدة حقًا جيشًا مكونًا من خمسة ملايين شخص؟ هل يريد الأمريكيون حقًا الوصول لهذه النتيجة؟

 

ربما عندما يستاء الناس من نسبة 1% فما يستاؤون له حقًا هو انعدام التجنيد الإجباري وقت الحرب – في حالات الحرب للرئيس الأمريكي تطبيق قانون يتيح تجنيد الرجال من سن 18 حتى سن 25 عامًا إجباريًا -. فبوجود خدمة وطنية مع إمكانية تحويلها لخدمة في الجيش ستكون طريقة فعالة جدًا لتوحيد هذا البلد. لكن العديد من الأصدقاء المعاصرين لفترة حرب فيتنام يعتقدون أن بدء التجنيد الإجباري من شأنه رفع قوة المعارضة للحرب أو حتى منع أي حرب من البدء من الأساس. من الممكن حدوث هذا، لكن عدة نقاط أخلاقية ضخمة تبرز وهي تتعلق بإجبار المعارضين للحرب من الأساس على التجنيد الإجباري لتحقيق أهداف سياسية فشل الساسة في تحقيقها عبر طرق سياسية. ولأن الولايات المتحدة دولة ديمقراطية، فجيشها ليس بإمكانه تحديد متى وأين يحارب بل نحن – الشعب – من نقرر ذلك. نحن نختار قادة مدنيين في صلاحياتهم شن الحرب بالنيابة عنا وبعدها نتحمل نحن مسئوليتها. وتهديد الشباب الصغير بالتجنيد الإجباري كطريقة للضغط على الحكومة التي انتخبناها لفعل الشيء الصائب، يبدو سبيلًا خاطئًا لتحقيق السلام والتوحد.

المقولة الأخرى التي نسمعها من وقت لآخر – وهي مذكورة أيضًا في مقال فالوس – ”إذا كان أبناء صانعي القانون يخدمون في الجيش، فلن يعلن الكونجرس الحرب بهذه السهولة”. ورغم أنها عبارة ليس لها ما يؤكدها، لكن حتى لو افترضنا صحتها، فما الذي يريده حقًا الناس الذين يقولون هذه العبارة؟ هل يجب أن نجبر أبناء أعضاء الكونجرس على التجنيد الإجباري؟ أم أن الجنود بالجيش هم من يجب أن يحق لهم التصويت فقط؟ بالطبع لا. فهذه عبارة مجازية فقط لتوضيح الفارق بين من يتخذون قرار خوض الحروب، وبين من يحاربون بالفعل. لكن مؤخرًا أصبح من غير النزيه الإشارة دائمًا للمشاكل عندما يعارض المرء كل الحلول المتاحة.

في الستينات والسبعينات حفز تطبيق التجنيد الإجباري على معارضة الحرب في فيتنام، وساعد بقوة على إجبار حكومة الولايات المتحدة على التفاوض على اتفاقية سلام والعمل للخروج من نطاق الصراع. وبعض الناس يظنون أن التجنيد الإجباري قد يؤدي لنفس النتيجة الآن، لكني أشك بهذا. فالفارق الرئيسي بين الحروب الأمريكية الحالية وبين حرب فيتنام ليس عدم وجود تجنيد إجباري، بل إن أحداث 11 سبتمبر – تشبه الحرب العالمية الثانية – ففيها تعاني الولايات المتحدة مأساة تعرضها لهجمات مدمرة على أراضيها. فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر كان معدل التطوع بالجيش كبيرًا جدًا لدرجة أن الولايات المتحدة لم تحتج أن تُفكر في تطبيق التجنيد الإجباري.

 

إذا كان الفيتناميون الشماليون هاجموا الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1963 وقتلوا الآلاف فلربما لم يكن هناك حاجة للتجنيد الإجباري وقتها أيضًا. لكنهم لم يفعلوا ذلك. وبقيت الحكومة وحدها تحاول تسويق حرب غير مقبولة جماهيريًا وهذا قليل الشبه لما يحدث في أفغانستان. ومن جهة أُخرى فلم يمنع التجنيد الإجباري الولايات المتحدة يومًا من الدخول في حرب، في حين أن أي هجوم على الأراضي الأمريكية جعلها دائمًا تدخل الحرب. وهو ما يجعل أفغانستان تشبه الحرب العالمية الثانية أكثر من حرب فيتنام.

ويدعي فالوس أيضًا الحكمة حين يقول أن الولايات المتحدة خسرت الحروب التي تخوضها. وهنا هو يكرر الكلمة التي يقولها العديد من الأمريكيين عندما يكتب: “نعم فقد تكررت هزيمة الجيش الأمريكي من أعداء أقل تطورًا وأسوأ أسلحة وأفقر منا. أو أن الجيش الأمريكي يفوز بجولات ومناوشات فقط ليخسر أو يغرق في مستنقع حرب أكبر”. واحدة من أكبر الحجج التي تُستخدم ضد الحملة الأمريكية على أفغانستان هي أنها تفتقد أي معني واضح محدد للنصر. لكن إذا قبلنا الفرضية القائلة بأنه لا تعريف واضح “للنصر” في هذه الحملة، فبناءً عليه لا يكون هناك تعريف واضح للهزيمة أيضًا. ونحن لا نقول بأي من القولين السابقين. فأنت لا يمكن أن تخسر سباقًا ليس له خط نهاية.

 

لكن إذا اعتبرنا أن النصر هو تحقيق أكثر ما تمناه الأمريكيون بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر مباشرة، فهنا تتغير الحسبة. فبإعادة النظر إلى الغضب والحزن في تلك الفترة، وباستعادة الرعب الذي صاحب ضرب تلك الطائرات للبرجين ومشاهد قفز الناس ليلاقوا حتفهم، بالإضافة لموت المئات من رجال الشرطة والمطافئ مع 2,000 مدني توفوا في انهيار المبنيين. في هذه الأيام العصيبة، اعتبر العديد من الأشخاص تعريف الفوز هو قتل أسامة بن لادن أو إلقاء القبض عليه، والقضاء على قيادات تنظيم القاعدة، وإسقاط نظام طالبان. وهذا بالضبط ما حدث.

وبشكل عام، فهل خسرت الولايات المتحدة الحرب على الإرهاب؟ هذا سؤال هام للغاية، لكنه ليس السؤال الأوحد من نوعه. فهناك أسئلة شبيهة مثل: هل خسرت الولايات المتحدة الحرب على المخدرات؟ على الفقر؟ على الجريمة؟ بعض الحروب ليس لها نهاية وتكون مكلفة للغاية، لكننا نخوضها في كل الأحوال لأنه من الخطير ومن غير الأخلاقي تركها. ومن الواضح أن العديد من الأمريكيين يشعرون اليوم بأنه لا حاجة لنا لتكملة الحرب على الإرهاب، وعلى طول الطيف السياسي، يريد الجميع إعادة القوات لأرض الوطن مرة أخرى. وأنا لا أعتقد أنه على الصحفيين الحكم على السياسة القومية من منظور شخصي، لكني أتفهم تمامًا من يفكرون بهذه الطريقة.

وكما لا يجب أن تُستخدم الحقائق السطحية والتفسيرات غير المدروسة جيدًا لإدانة الحرب، فكذلك لا يجب أن تُستخدم لتبريرها. فالحروب أفعال غاية الجدية ليتم الحكم عليها بناءً على تحيزات سياسية أو حتى شخصية. فكما العلم والعدل يجب أن يكون الحكم فيها في غاية الحيادية. وأي شيء غير هذا يجعلنا نفشل في تكريم أرواح من فقدناهم في الصراع من المدنيين والعسكريين على السواء.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد