في فبراير/ شباط من العام الماضي 2014، أعلنت الحكومة الفلسطينية عن اكتشاف حقل جديد للغاز الطبيعي قبالة سواحل بحر النصيرات وسط قطاع غزة، الأمر الذي أثار جملة من التساؤلات حول الجدوى من هذا الحقل، ومدى الاستفادة منه، بالتزامن مع تفاقم أزمة انقطاع التيار الكهربائي منذ ثماني سنوات.

وجاء هذا الحقل ليضاف إلى سلسلة الحقول التي تم اكتشافها خلال عقود عدة، في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بيد أن إسرائيل تحكم سيطرتها عليها، عبر التنقيب، والاستثمار، والبيع دون أي التفات لحقوق الفلسطينيين رغم وقوع الكثير من هذه الامتيازات في مناطق تخضع للسيطرة الفلسطينية.

أولًا: ما هي أبرز حقول الثروات النفطية في فلسطين؟

092215_1526_1.png

لا بد من التنويه إلى أن الأراضي الفلسطينية المحتلة تعاني من شح في الموارد الطبيعية والثروات المعدنية، ولكن معاناة الفلسطينيين الأشد تكمن في ندرة مصادر الطاقة التقليدية، مثل النفط والغاز، فضلًا عن ارتفاع أسعارها بما يوازي أغلى مدن العالم.

الضفة المحتلة

تم اكتشاف حقل بترول في رنتيس (غرب رام الله) ولكن إسرائيل تقوم باستغلال هذا الحقل وتضخ منه 800 برميل يوميًّا، بعيدًا عن السلطة الوطنية والحقوق الفلسطينية في ذلك البترول وقد سهل ذلك وقوع المنطقة قرب خط الهدنة لعام 1948م.

وبالتالي، بدأت إسرائيل البيع من الحقل النفطي الذي أطلق عليه اسم “مجد 5” ما بين عامي 2010 و2011.

قطاع غزة

تم اكتشاف الغاز الجديد قبال سواحل قطاع غزة في فبراير العام الماضي ليضاف لحقلي الغاز اللذين تم اكتشافهما في مياه البحر الأبيض المتوسط نهاية التسعينيات على بعد 36 كيلومترًا من شاطئ غزة، وهما اللذان اكتشفتهما شركة بريتش غاز البريطانية.

الأول: الحقل (مارينا1) الذي قدرت كمية الغاز فيه بأكثر من 33 مليار متر مكعب.

الثاني: الحقل (مارينا2) على الحدود المائية مع إسرائيل شمال قطاع غزة ويعد حقلًا مشتركًا.

ثانيًا: ما طبيعة الاتفاقات الموقعة بشأن مصادر النفط في الأراضي الفلسطينية المحتلة؟

092215_1526_2.png

من المتعارف عليه أن إسرائيل ترفض رفضًا تامًا السماح للفلسطينيين سواء في الضفة المحتلة، أو قطاع غزة التنقيب عن حقول النفط، أو حتى الاستثمار منها وبيعها، كما تفعل هي، وتبيعه إليهم بأسعار باهظة.

ووفقًا لاتفاقية باريس الاقتصادية أحد ملاحق اتفاق أوسلو للسلام الذي وقع في عام 1994، يتم استيراد الوقود المخصص للمناطق الفلسطينية من إسرائيل، ويباع بأسعار تعادل الأسعار الذي يباع بها داخل مناطق إسرائيل، وهي أثمان عالية جدًّا.

فضلًا عن أن القوانين والاتفاقيات الدولية تنص على حق فلسطين في استغلال مواردها الطبيعية، وأن الاحتلال لا يملك منعها قانونيًّا، وعلى فلسطين المضي قدمًا في المشروع مهما كانت العقبات الإسرائيلية، والتي تؤدي إلى استمرار حالة النهب لثروات الفلسطينيين منذ 48 وحتى الآن، وأن دور سلطات الاحتلال هو “إشرافي وإداري” فقط على ثروات البلاد، ولا يحق لها التصرف فيها بتاتًا، طبقًا لاتفاقيات جنيف الرابعة، حيث إن الاحتلال سيسعى إلى استغلال هذه الثروات لتعزيز احتلاله لهذا البلد أو الإقليم المحتل.

وكانت شركة الكهرباء الفلسطينية والشركة المصرية العامة للبترول وقعتا اتفاقية في 2009 لاستيراد الغاز المصري عبر معبر رفح الحدودي، ويمكن لهذه الاتفاقية بعد حين أن تغيث أهالي القطاع الذين ما انفكوا يعانون من نقصٍ مزمنٍ في الوقود وانقطاع التيار الكهربائي لفترات تصل إلى 18 ساعة في اليوم، بيد أنها لم تفعل لليوم.

وفي عام 2010، تم توقيع اتفاقيةٍ مبرمةٍ بين شركة اتحاد المقاولين، وشركة الغاز البريطانية “بي جي”، وصندوق الاستثمار الفلسطيني من أجل تطوير حقلي غزة واستغلالهما تجاريًّا.

أما في عام 2013، لفتت الحكومة الفلسطينية السابقة إلى أن السلطة ستكون دولة منتجة ومصدرة للغاز بحلول عام 2017، من خلال الحقل المكتشف قبالة سواحل غزة نهاية تسعينيات القرن الماضي.

وحينها صادقت الحكومة على طرح عطاء دولي للتنقيب عن النفط وتطوير مصادر البترول في منطقة امتياز بمساحة 400 كم2 تغطي أجزاء عديدة من الضفة الغربية، بعد تأكيدات الخبراء الجيولوجيين أن فلسطين منطقة واعدة بتروليًّا خاصة الشاطئ الغزي، لكن ذلك لم يحدث.

ثالثًا: كيفتتعاطى إسرائيل مع مصادر النفط الفلسطيني؟

وليس من حق الفلسطينيين استغلال ثروات الأرض المحتلة، فإسرائيل هي التي تتحكم بها وتجتهد في كل مرة للبحث هنا وهناك عن ثروة جديدة، والتنقيب عن حقل غاز، وسرقة النفط والغاز الطبيعي من شواطئ قطاع غزة أيضًا، وأراضي الضفة المحتلة.

وبدأت شركة “جفعوت عولام” الإسرائيلية الحفر الاستكشافي في حوض “مجد” على أراضي رنتيس عام 1994، وذلك من خلال الآبار “مجد2″ و”مجد3” و”مجد4″، فدلت المؤشرات على وجود نفط بكميات تجارية في الشرق من تلك المواقع.

ويبلغ حجم الاحتياطي النفطي من بئر البترول المكتشف بمليار ونصف المليار برميل و182 مليار قدم مكعب من الغاز، فيما الحقل البترولي معظمه يتواجد تحت الأرض الفلسطينية عام 1967 لذلك كثف الجانب الإسرائيلي من نشاطه في البحث عن البترول على طول الخط الأخضر بين قلقيلية ورام الله منذ عام 1992.

كل ذلك، دفع الجهات الرسمية في الضفة المحتلة لطرح عطاءات للتنقيب عن النفط في الضفة الغربية، رغبة في التخلص من عبء الاحتلال المزود الوحيد للفلسطينيين بالمحروقات وتحكمه في الأسعار والكميات الواردة لأراضي السلطة الفلسطينية.

ولمنطقة “رنتيس” ومحيطها أهمية طبيعية كبرى، حيث إن مساحة حقل النفط المكتشف في المنطقة يتراوح بين 600 و700 كلم2، معظمها يقع في الأراضي المحتلة عام 1967م، حيث يقدر المخزون بأكثر من 1.5 مليار برميل نفطي في هذا الحقل، و182 مليار قدم مكعبة من الغاز، تقدر قيمتهما الإجمالية بأكثر من 155 مليار دولار.

إضافة إلى وجود خطة إسرائيلية لحفر أربعين بئرًا، منها 26 بئرًا لاستخراج النفط والغاز معًا والبقية لاستخراج النفط فقط، ومخططات وخرائط تظهر مواقع هذه الآبار وامتداد الحقل الفعلي إلى أراضي الضفة كما تؤكد دراسات دولية.

بينما في مياه غزة الإقليمية والتي تضم حقلين رئيسين للغاز هما: حقل غزة البحري، وهو الحقل الرئيسي ويقع على عمق 603 أمتار تحت سطح البحر و36 كم غرب مدينة غزة، والحقل الحدودي فهو أصغر سعةً ويمتد عبر الحدود الدولية الفاصلة بين المياه الإقليمية لقطاع غزة والمياه الإقليمية لإسرائيل.

وبالتالي، تقدِّر شركة الغاز البريطانية حجم الاحتياطيات في الحقلين بتريليون قدم مكعب، في حين تعتقد شركة اتحاد المقاولين بأن الاحتياطي يبلغ 1.4 تريليون قدم مكعب، بمعنى أن كمية الغاز في الحقلين ليست ضخمة، إلا أنها أكثر من كافية لتلبية احتياجات الفلسطينيين على مدى السنوات الخمس عشرة المقبلة، وهو الموعد المقدَّر لنضوب مخزون الحقلين من الغاز وفقًا لمستويات الاستهلاك الحالية للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.

 

رابعًا: كيفينظر الفلسطينيون إلىثرواتهم الطبيعية؟

092215_1526_3.png

يدرك الفلسطينيون جيدًا، أن امتلاكهم لمثل هذه الثروات سيحل كثيرًا من المشاكل المتفاقمة في حياتهم، لا سيما الاقتصادية المتدهورة سواء في الضفة المحتلة أو قطاع غزة، عبر الاستثمار في مشاريع نفطية، إلا أن إسرائيل ترفض لها ذلك.

ويؤكد خبراء جيولوجيون واقتصاديون أن فلسطين تقع فوق حقل واسع من البترول والغاز، حيث إن الطبقات الرسوبية العضوية المدفونة في الأعماق تتراوح بين 1000 إلى 6000 متر (عند درجات حرارة تتراوح بين 60 إلى 150 درجة مئوية) تنتج نفطًا، بينما تلك المدفونة في أماكن أعمق وعند درجات حرارة أعلى فإنها تنتج غازًا طبيعيًّا.

ويروا أنه من ناحية جيولوجية تعد منطقة الساحل الفلسطيني من المناطق الواعدة نفطيًّا وفق دراسات علمية تم إجراؤها عام 1930، وأثبتت أن الساحل الفلسطيني يقع على حقول كبيرة من الغاز والبترول.

لكنهم “الجيولوجيون” يطالبون في الوقت نفسه بإجراء مسح فيزيائي لمعرفة سمك الرواسب والتراكيب الجيولوجية التي تقع تحت سطح الأرض، وعدد المصائد النفطية التي قد تكون غازًا أو نفطًا مع العلم أن الغاز يكون على مسافة أعمق من النفط في باطن الأرض.

ويذهب طرف اقتصادي فلسطيني آخر إلى القول إن استغلال حقول الغاز سيحقق عوائد مالية كبيرة ستكون بمثابة الحل للأزمات المالية التي تتعرض لها السلطة الوطنية التي ستكون قادرة على التخلص من الابتزاز المالي الإسرائيلي المستمر، والتحرر من الهيمنة الإسرائيلية على مصادر الطاقة في قطاع غزة، والمساهمة في حل مشكلة الكهرباء.

إلى جانب أن تنفيذ مشاريع التنقيب واستخراج المواد البترولية مرهونة بإنهاء الانقسام للضغط على إسرائيل للسماح بتنفيذ المشروع، خاصة في ظل رغبة إسرائيل للسيطرة على كافة الموارد الفلسطينية من أجل فرض سيطرتها وهيمنتها على القرارات الفلسطينية وعدم وصول الفلسطينيين إلى مشاريع تنموية تحررهم من التبعية الاقتصادية والمالية.

خامسًا: ما حقيقة الغاز المكتشف العام الماضيفي قطاع غزة؟

092215_1526_4.png

ما إن تم الإعلان عن اكتشاف حقل جديد للغاز الطبيعي قبالة سواحل بحر النصيرات وسط قطاع غزة، بالإضافة إلى الاكتشافين السابقين (مارينا1) و(مارينا 2) رغم التعتيم الإعلامي الرسمي لذلك، فإن بوادر أمل أخذت تلوح في أفق الفلسطينيين بغزة.

لذلك، فإن الإعلان عن اكتشاف “حقل جديد للغاز” قبالة سواحل قطاع غزة بحاجة إلى الاتفاق مع شركات متخصصة لإجراء دراسات علمية جيوفيزيائية معمقة للتنقيب على الغاز، وإنهاء حالة الانقسام وبسط السيادة الفلسطينية على البحر ليتحول حلم التحول إلى دولة منتجة ومصدرة للبترول والغاز من خيال إلى واقع.

وكان مجموعة صيادين لاحظوا خروج فقاعات من باطن الأرض على بعد 200 إلى 300 متر من شاطئ بحر غزة، فتواصلت مع الأجهزة الأمنية (في غزة) التي أخذت بدورها عينات منها لفحصها.

وبعد تحليل وفحص العينات في مختبرات علمية لعلماء كبار تأكد أنها غاز طبيعي موجود في عمق قريب في البحر، لكن معرفة كمية الغاز الطبيعي المتوفرة أو عمقها يحتاج لشركة متخصصة.

لكن مختصين لفتوا إلى أن العينات التي تم فحصها تحتوي على غاز الطهي الطبيعي، لكن الأمر يحتاج إلى تحليل أكثر دقة، بسبب عدم تخصص المختبرات الفلسطينية المحلية في اكتشاف الغاز، على الرغم من قدرتها على تحديد نوعيته، وحجمه، ونطاقه في المنطقة المتواجد فيها.

ومن الممكن أن يسد هذا الاكتشاف حالة العجز المالي والاقتصادي الذي يعيشه قطاع غزة، في وقتٍ يعاني فيه منذ سنوات من حصار صهيوني مشدد وإغلاق للمعابر وأزمة كهرباء تشتد مع مرور الوقت وفي مواسم مختلفة، مما ينعكس سلبًا على كافة مناحي الحياة.

 

خاصةً وأن حقل الغاز المكتشف لا يبعد سوى 200- 300 متر عن الشاطئ في المحافظة الوسطى، ويمكن استخراجه بسهولة.

سادسًا: ما فرص السماح للفلسطينيين بالتنقيب عن ثرواتهم الطبيعية؟

092215_1526_5.png

دعوات محلية وحتى دولية إلى ضرورة ممارسة الضغط على إسرائيل لرفع يدها عن استخراج كنوزنا الطبيعية من باطن الأرض والمتمثلة بالتنقيب عن البترول والغاز والسماح باستخراج الغاز من الحقلين المكتشفين على شاطئ غزة.

ويعتبر استثمار حقول الغاز المكتشفة قبالة سواحل غزة منذ أكثر من 14 عامًا حلمًا كبيرًا لكافة المواطنين لأنه سيسهم في الارتقاء بمستواهم الاقتصادي وتحقيق نهضة في كافة مناحي الحياة في قطاع غزة.

وبالتالي، فإن استخراج الغاز والبترول بحاجة إلى اتفاق سياسي مع الإسرائيليين، فالثروة الطبيعية لنا مرهونة بالوضع السياسي، ولا بد من جهود دولية واسعة للضغط على إسرائيل لرفع يدها عن الثروات الطبيعية.

لكن، حتى الآن لم يتم التقدم رسميًّا من قبل الفلسطينيين بشكوى إلى محكمة العدل الدولية من أجل المطالبة بحقوقها المائية، كون فلسطين أصبحت منذ عام 2012 تحظى بصفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة.

ويرى خبير النفط الدولي والمستشار في البنك الدولي لشؤون النفط والطاقة ممدوح سلامة نقلًا عن موقع “الجزيرة نت” أن السلطة الفلسطينية يمكنها المطالبة بحقوق الفلسطينيين ما دام أنها تحظى باعتراف أكثر من 150 دولة عضو في الأمم المتحدة، لكنه أشار إلى أن لا السلطة ولا الأمم المتحدة قادرتان على فرض هذا الأمر على إسرائيل.

وطرح سلامة للخروج من هذا الوضع ترسيم الحدود المائية للدول المعنية ومنها مصر وتركيا وقبرص ولبنان، لكن ثمة من يرى أن ترسيم الحدود المائية يحتاج لوقت طويل لأن المسألة معقدة خاصة في ظل وجود خلافات بين بعض الدول، واقترح في المقابل أن تبرم السلطة اتفاقيات ثنائية وتفاهمات مع بعض تلك الدول مثل مصر وقبرص.

 

فضلًا عن إغفال السلطة الفلسطينية تضمين الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف كجزء أساسي من كافة الاتفاقات والتفاهمات التي تم توقيعها مع الاحتلال من أجل التأكيد على حقوق الشعب الفلسطيني في ثرواته القومية، وأنه لا يجوز للاحتلال مطلقًا استخراجها والانتفاع بها لمصلحته الخاصة.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد