حظيت الطائفة العلوية طيلة سنوات حُكم عائلة الأسد، الأب والابن على حد سواء؛ بامتيازات كبيرة، بدءًا من التعيين في الوظائف الحكومية، ووصولًا إلى المكانة المعنوية التي منحتها السلطات السورية لهم في التعاملات اليومية؛ وذلك قبل أن تتبدل أحوالهم مع سنوات الحرب الأخيرة التي طالتهم آثارها، وتحول آلاف الفقراء منهم إلى وقود لحرب الأسد الابن ، ضد جموع الشعب السوري.

سياسات بشار الأسد الطائفية طالت الجميع، حتى أبناء طائفته من العلويين؛ الذين رسموا خيالات لوضعهم الآمن في ظل حُكمه، وعزز هذا الشعور الآلة الإعلامية التي ربطت بين بقائهم على قيد الحياة وبين بقاء بشار في الحُكم، دون الاعتبار للتظاهرات التي تطالب برحيله؛ والتي سعت لطمأنتهم في بداياتها عبر تسمية أحد التظاهرات التي وقعت في 17 يونيو (حزيران ) 2011، بـ«جمعة صالح العلي»، القائد التاريخي ضد الاستعمار الفرنسي، و الذي كان كبيرًا للطائفة العلوية، وذلك من أجل استمالتهم إلى صفوف الثورة وأن مصلحتهم هي ذاتها مصلحة باقي السوريين في إزالة هذا النظام.

يرسم التقرير التالي صورة شاملة عن أوضاع الطائفة العلوية وسط استمرار الحرب الدائرة بين الجيش النظامي السوري والجماعات المُسلحة المعارضة، وعن أوجه آثار الحرب التي تعرضوا لها خصوصًا في ظل انخراط آلاف منهم في هذه الحرب ضمن الجيش النظامي السوري .

«بشار ليس حافظًا».. الابن لا يُشبه أباه في المكانة

لا يبدو بشار الأسد لبعض المنتمين للطائفة العلوية مُنزهًا من الانتقاد في بعض سياساته، حسب الشهادات التي أدلى بها أكثر من منتسب إلى الطائفة، لـ«ساسة بوست»، فيما تمتّع والده حافظ الأسد لدى الطائفة بحصانة، فرضت عدم انتقاده. تقول إحدى المنتسبات إلى الطائفة: «الرئيس السوري لا شك أفضل خيار من أي جماعات جهادية، أو تنظيمات مُسلحة. نعم؛ هناك شبه اتفاق بيننا أنه وقع في عدد من الأخطاء، منها عدم إتاحة هامش من الحرية؛ لكن والده ما نقدر نقول حاجة عليه. كان زعيمًا حقيقيًّا».

وتستكمل حديثها لـ«ساسة بوست»: «الابن لا يُشبه أباه في المكانة أو طريقة الحُكم؛ حافظ الأب كانت لديه رؤية مختلفة لمفهوم السلطة والحُكم، وعزز من نفوذ العلويين دون تمييز؛ على خلاف الابن الذي لم يكن  في المكانة ذاتها، منذ صعوده إلى حُكم سوريا عام 2000»، مؤكدة أن الأحداث الحالية في سوريا وما تبعها من سياسات تخللها تمييز تجاه العلويين أنفسهم على أساس المستوى المادي.

وتجدر الإشارة إلى أن حافظًا الأسد، يٌعد أول حاكم غير سنّي لسوريا؛ وخلفه نجله الأكبر بشار الأسد عام 2000 حتى وقتنا هذا، وتشير التقديرات الحالية حول أعداد المنتمين للطائفة العلوية، أن نسبتهم تصل لنحو 11% من مجموع عدد السكان البالغ 22 مليون نسمة، وتتركّز تجمعاتهم الكبرى في منطقة الجبال الساحلية والمنطقة الوسطى في سوريا.

ونتيجة الانخراط في المعارك السورية، وارتفاع عدد المواجهات التي يخوضها جيش النظام السوري؛ لجأ  الأسد إلى تجنيد آلاف العلويين ممن ينتمون للطبقات الفقيرة، ودفع بهم في معارك عسكرية ضد معارضي النظام. أحد العلويين الذي ينتمي للطبقة المتوسطة، ويسكن في اللاذقية، تحدث لـ«ساسة بوست»، عن آثار هذه السياسات التمييزية تجاه الطائفة الواحدة، قائلًا: «خلقت شعورًا بغيضًا بين أبناء الطائفة الواحدة؛ وأدت لتمرد قطاع واسع من الفقراء العلويين، ووقعت بعض حوادث السرقة والعنف من جانبهم تجاه قيادات علوية عسكرية تنتمي للطبقة الغنية خصوصًا بعد مقتل أبناء هذه الأسر الفقيرة».

مضيفًا أن: «أعداد القتلى من العلويين غير مسموح الإعلان عنها؛ الموضوع أشبه بالسر العسكري الذي لا يعرفه أحد»، مؤكدًا أنه بجانب القتلى من العلويين الفقراء الذين سقطوا في القتال، «جرى أسر آلاف غيرهم هم وزوجاتهم، وتصويرهم في مقاطع فيديو من أجل مساومة النظام للتوقف عن هجماته».

ووفقًا للمصدر، فقد حاول نظام الأسد تعويض هذه الأسر الفقيرة وكبح جماح غضبهم الواضح، عبر تخصيص معاشات استثنائية لمن فقد ذويه، لكن مشاعر الغضب ظلت موجودة خصوصًا في ظل استمرار السياسة التمييزية بين الفقراء والأغنياء من العلويين.

وقدّر تقرير منشور في جريدة التلجراف البريطانية، عدد القتلى من العلويين في المواجهات بين الجيش النظامي السوري والمنتمين للمعارضة السورية والجماعات الجهادية؛ بنحو ثلث عدد المقاتلين العلويين المنخرطين في قوات الأسد والتي بلغ قوامها حوالي 250 ألف شخص، ويتجاهل التلفزيون السوري الرسمي الحديث عن سقوط قتلى علويين، بينما يبرز أخبار القتلى من الجنود السنة في صفوف الجيش النظامي السوري لكسب دعم الطائفة السنية، هذا بالإضافة إلى إخفاء الأعداد الحقيقية للقتلى من الطائفة العلوية.

ماذا فعلت الحرب بالعلويين؟

على الرغم من احتماء الطائفة العلوية داخل المناطق التي تتمركز فيها، وبقائهم دومًا تحت الحماية العسكرية لجيش النظام السوري، وأسوار العزلة التي شيدها عبر سياساته مع بقية طوائف الشعب؛ إلا أن آثار الحرب طالتهم من أكثر من جانب؛ ما عزز لديهم فكرة توجيه انتقادات لنظام الأسد في جلساتهم الخاصة، والخروج عن الخط العام لسياسته وذلك على خلاف التسليم الكامل قبل اندلاع «الانتفاضة السورية» في 2011، وذلك وفقًا لشهادات أدلى بها أكثر من منتم للطائفة لـ«ساسة بوست».

بجانب المشاهد السابق ذكره حول آثار سياسة بشار الأسد التمييزية تجاه العلويين؛ وما تبعها من انعكاسات واضحة على انقسامات بينهم، وتنامي سلوك معارض في الطائفة العلوية؛ فقد أدت الحرب وخصوصية وضعهم في المجتمع السوري وكونهم محسوبين على بشار الأسد، إلى تحولهم هدفًا لقطاعات واسعة من الشعب السوري والجماعات المُسلحة مثل أحرار الشام وجبهة النصرة.

كان المشهد الأكثر دلالة على هذا ما نشرته شبكة «شام» الإخبارية -إحدى القنوات المعارضة- في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، من شاحنات تنقل أقفاصًا، يحتوي كل قفص منها على أشخاص يتراوح عددهم بين أربعة وثمانية رجال أو نساء منتمين للطائفة العلوية، أُسروا  في المواجهات القائمة بينهم وبين الجيش النظامي السوري.

 فيديو يُظهر نقل أسرى علويين في أقفاص بمنطقة الغوطة الشرقية

استخدمت التيارات المناوئة لنظام الأسد، الأسرى العلويين لمساومته على وقف غاراته العسكرية تجاه المناطق التي يسكنوها أو فك الحصار عن بعض المناطق الأخرى، مثل الغوطة الشرقية، فضلًا عن الدخول في مفاوضات على هؤلاء الأسرى من أجل الإفراج عن بعض سكان هذه المناطق التي اعتقلها نظام الأسد مقابل الإفراج عن ذويه من العلويين.

وحسب تقرير للجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في سوريا، فقد قامت جبهة النصرة وجيش الإسلام باختطاف مئات المدنيين، معظمهم من العلويين، أثناء المعارك التي دارت بين الجماعات المسلحة والجيش النظامي السوري قرب منطقة عدرا العمالية في ديسمبر (كانون الأول) 2013.

لم تقف آثار الحرب وسياسات بشار الأسد التمييزية تجاه طائفته عند الدفع بأبناء الطبقة الفقيرة منهم إلى معارك قواته فقط؛ بل تضمنت محاولات مستمرة من أجل إخفاء أوراق شهادات وفاة أبناء هذه الطبقة، للحيلولة دون حصولهم على مزايا عسكرية تمكنهم من الحصول على مساعدات مالية. كذلك شملت سياسة جيش النظام السوري استبدال جثث هؤلاء الجنود؛ للتحايل على أهالي المفقودين بالعثور على أبنائهم، بعدما عجزت قوات بشار الأسد عن العثور على جثثهم.

حكى عن واحدة من هذه الحالات واستبدال جثة أحد أقاربه؛ بسام يوسف، أحد أبناء الطائفة العلوية المعارض للنظام السوري؛ قائلًا: «منذ أربع سنوات اتصل أحد ما بالأب، وبعد مقدمة طويلة عن الوطن والقائد والمؤامرة، أخبره أن ابنه الذي يخدم  في الجندية قد استشهد في معركة من معارك (البطولة والفخر)، ثم أخبره أن الجثمان سيصل غدًا مع جثامين أخرى لتدفن في مقبرة الشهداء».

ويضيف: «في اليوم التالي، توجهت العائلة والأقرباء وأهل الحارة وجمع كبير إلى المقبرة، من أجل دفن الجثامين التي وصلت داخل توابيت ملفوفة بالعلم السوري. وقتها كانت الأم تجلس بجانب التابوت الذي سجل عليه اسم ابنها وتبكي، وتتوسل للجنود المحيطين بالتابوت أن يسمحوا لها ولو بنظرة واحدة على جسد ابنها قبل دفنه، لكنهم رفضوا، وطوال هذه الفترة، كانت الأم تزور قبر ابنها لساعات طويلة تقضيها في الكلام والبكاء والشوق وأحيانًا الصمت، حتى اكتشفت الأم مؤخرًا أن الجثة المدفونة ليست جثة ابنها، بعدما اتصل ضابط آخر بعد خروج جيش الإسلام من دوما، مخبرًا الأسرة أن ابنهم ضمن أسماء الجنود الذين قام جيش الإسلام بدفنهم في مقبرة جماعية بعدما لم يتمكن النظام السوري من سحبهم».

«أحرار علويون علمانيون»: لا نتبع الأسد

تحت وطأة المشاكل الأمنية والاستهداف المتكرر للعلويين وسياسة التمييز التي يتبعها بشار الأسد معهم؛ نما تيار معارض داخل الطائفة في سوريا، كان الانعكاس الأوضح له هو تأسيس حركة «أحرار علويون»،التي نشرت وثيقة تتنصل فيها «من نظام الرئيس بشار الأسد»، وذكرت الوثيقة المنشورة على موقع «بي بي سي» عربى؛ أن الزعماء العلويين أكدوا على  أنهم يؤمنون «بقيم المساواة والحرية والمواطنة، ويدعون إلى نظام علماني في سوريا مستقبلًا، يعيش فيه الإسلام والمسيحية وجميع الديانات سواسية».

Embed from Getty Images

ووفق شهادة صحفي سوري يعيش في مدينة طرطوس، أحد معاقل الطائفة العلوية،نُشرت في ورقة بحثية بمركز رفيق الحريري، فقد «بدأت تظهر تيارات داخل الطائفة العلوية تنادي بحلول أخرى غير عسكرية مثل المصالحات، إذ يبدو أن الطائفة العلوية لم تعد قادرة على المضي في دعم النظام، في هذه الحرب التي يصفها الجميع بأنها مؤلمة»؛ مؤكدًا أن: «العلويين كانوا في السابق على رأي واحد، فيما يتعلق بالتأييد المطلق للأسد وسياساته، أما الآن فإن الأمور لم تعد كما كانت».

عزز من أهمية هذه الوثيقة أيضًا، كونها صادرة عن علويين من داخل سوريا، وليست مجموعات المهجر؛ فصدور مثل هذه الوثيقة بهذا المحتوى من سوريين داخل بلدهم يحمل إشارات ودلالات هامة، عن تململ الطائفة العلوية من سياسات بشار الأسد، خصوصًا أن مثل هذا الموقف لم يصدر عنهم في 1949 و1971.

وتجدر الإشارة إلى أن الأعداد المنضوية تحت هذه الحركة، لا تستدعي قلقًا واسعًا من جانب النظام السوري؛ فما زالت النسبة الأكبر من الطائفة العلوية متماسكة تنظيميًا، ومستمرة في دعمها لبشار الأسد؛ لكن ما شكل تحولًا مهمًا هو تململ هذه الطائفة من هذا الدعم، وفقًا للشهادات، وانتقالهم من مرحلة الزهو بأنسابهم إلى غضب مكتوم لم يُترجم في شكل فعل سياسي مناهض حتى الآن.

المصادر

تحميل المزيد