أجيال كثيرة من الشباب العربي، جلس أمام التلفاز يشاهد الأفلام الأمريكية التي غزت العالم، ومنها تعلم مصطلحات تريد الولايات المتحدة الأمريكية أن تروجها وتنشرها. السينما كانت من أهم تلك الأدوات المستخدمة لهذا الغرض، وبسبب السينما تتردد على ألسنتنا كلمة «الهنود الحمر»، وبعد أن تقدم بنا العمر؛ استطاع البعض من خلال مطالعته وقراءته إدراك أن هؤلاء الهنود الحمر ليسوا سوى السكان الأصليين للولايات المتحدة قبل أن يصل إلى المستكشف كريستوفر كولومبس.

السكان الأصليون لأمريكا تعرضوا للاضطهاد من الأوروبين القادمين، والذين رأوا في أرض أمريكا حلمًا أرادوا تحقيقه ولو على حساب أصحاب تلك الأرض، ولكن هذا لم ينفع كفاح الملقبين بالـ«هنود الحمر» من أجل استعادة أرضهم.

في هذا التقرير نتحدث عن واحدة من تلك المعارك، والتي قد تحدد مصير ملكية ما يزيد عن نصف مساحة ولاية أوكلاهوما، وفي وقتنا الحالي تشهد تلك الولاية حالة ترقب حذر من المواطنين الأمريكية، مقابل التحفز الوطني بغرض استرداد الأرض من السكان الأصليين لأمريكا، ولتلك المعركة قصة وقعت منذ 20 عامًا وبدأت بجريمة جنسية.

بعضها لم يكتشف النار بعد.. قبائل حول العالم لا تزال تعيش حياة بدائية

كيف تحولت جريمة جنسية إلى قضية وطنية؟

في شهر أغسطس (آب) عام 1999، ولسبب لا يعلمه سوى باتريك مورفي، ذهب مورفي إلى الزوج السابق لحبيبته وقطع أعضائه التناسلية. وقعت تلك الحادثة في ولاية أوكلاهوما، وتولت القضية محكمة الولاية، وحكم عليه بالإعدام، ولأن مورفي كان ينتمي لقبيلة المسكوجي وهي واحدة من أهم قبائل السكان الأصليين الموجودين في أوكلاهوما، فقد رفض محاموه الحكم الذي فرضته عليه محكمة الولاية، مؤكدًا أن تلك القبائل ذاتية الحكم وتخضع للأحكام القبلية، وإذا كان لابد من محاكمة، فلتكن محاكمة فيدرالية، ولم ينفذ حكم الإعدام للنظر في الطعن المقدم من محامي المتهم.

وفي عام 2004 أثناء جلسة الاستئناف شرح المحامي لهيئة المحكمة دوافع طلبه بنقل القضية إلى محكمة فيدرالية، موضحًا أنه وفقًا لمعاهدة 1832 بين قبيلة موسكوجي والحكومة الأمريكية، فإن جميع الأراضي المحيطة بمكان إقامة تلك القبيلة تنتهي إلى حكمها القبلي الذاتي، بالإضافة إلى المعاهدة التي وقت في عام 1866 والتي تمنح القبيلة حق ملكية ما يزيد عن 3 مليون فدان من ولاية أوكلاهوما الأمريكية.

تلك المعاهدات كلها سليمة ومسجلة في الأوراق الرسمية، ولكنها لم تنفذ على أرض الواقع حتى الآن، وهو الأمر الذي استند عليه محامي دفاع المتهم، والذي فتح الباب للكثير من التساؤلات بشأن تلك المعاهدات الصورية والتي لا يرى السكان الأصليون لأمريكا آثارها على أرض الواقع؛ لتتحول تلك الجريمة الجنسية إلى قضية رأي عام؛ يطالب من خلالها السكان الأصليون في أوكلاهوما جميعًا، وليس القبيلة التابع لها المتهم فقط، بأحقيتهم في أرضهم وحكمهم الذاتي.

رجل من قبيلة شيروكي. مصدر الصورة «allthatsinteresting»

من جانبها أوضحت المحكمة الفيدرالية موقفها المساند للقضية، مرحبة باستقبال المتهم في قاعتها لمحاكمته عام 2017، ولكن محكمة ولاية أوكلاهوما أصرت على موقفها واستأنفت الحكم أمام المحكمة العليا، ومن المفترض خلال الشهور القليلة القادمة في عام 2019 أن تبت المحكمة العليا في هذا الشأن، وإذا أسندت المحكمة العليا القضية الجنسية للمحكمة الفيدرالية، وبغض النظر عن الحكم الذي سيقع على المتهم؛ فهو يعد اعترافًا واضحًا لاستيراد قبلية موسكوجي لأرضها، هي وأربع قبائل أخرى مثل قبيلة شيروكي، والتي كانت طرفًا في معاهدة عام 1866.

«إما الحكم الأمريكي أو الفوضى»

من جانبهم يشير المحامون الممثلون للولايات المتحدة الأمريكية إلى خطورة قرار المحكمة العليا، ومدى حساسيته ليس فقط على قضية مورفي، بل على العديد من المساجين داخل السجون الآن، والذين حُكم عليهم بموجب قوانين محكمة الولاية، والذين قد يطالبون بحقهم في محاكمة فيدرالية.

محذرين من وقوع فوضى في الولاية، إذا منحت المحكمة الفيدرالية تلك الصلاحيات لسكان أمريكا الأصليين في أوكلاهوما، موضحين فيما معناه أن الأحكام القبلية قد تتسبب في سير الجناة أحرارًا في ولاية أوكلاهوما، قائلين فيما معناه: «إما الحكم الأمريكي أو الفوضى».

من جانبها أكدت ريبيكا ناجل في خطاب مفتوح نشر في «واشنطن بوست» أن الحكم القبلي الذي ينفذ بين مواطني قبائل السكان الاصليين لأمريكا الآن، لا يسبب أي فوضى في منطقة أريزونا والتي تعيش على 27% من مساحتها تلك القبائل.

موضحة أن ما يطالبون به الآن أمر فات أوان مناقشته أو طرح عواقبه؛ لأنه الوعد الذي حصلوا عليه رسميًا منذ ما يزيد عن 200 عام، والذي – بحسب ريبيكا – فقد رجال أرواحهم بسبب التوقيع عليه، وترتب عليه الحدث الأشهر في حياة السكان الأصليين لأمريكا، والذي أطلقوا عليه «درب الدموع»؛ لم يكن معاهدة، بل كان مجرد كذب لتنفيذ أغراض الحكومة الأمريكية، على حد تعبير ريبيكا.

مأساة السكان الأصليين.. ما هو «درب الدموع»؟

في بداية الثلاثينات من القرن التاسع عشر، كان هناك ما يزيد عن 125 ألف مواطن من السكان الأصليين في أمريكا، يعيشون على ملايين الأفدنة من الأراضي الأمريكية في ولايات جورجيا وتينيسي ألاباما ونورث كارولينا وفلوريدا، وهي الأرض التي عاش عليها أجدادهم قبل أعوام طويلة وزرعوها وجعلوها مسكنًا لهم.

لوحة تجسد السكان الأصليين الأمريكي في درب الدموع

وفي أحداث أطلق عليها «درب الدموع» أجبر هؤلاء السكان الأصليين الممثلين في القبائل الخمس المشاركة في القضية على ترك أراضيهم ونقلهم إلى ما أسمته الحكومة الأمريكية بـ«الأراضي الهندية» في النصف الشرقي لولاية أوكلاهوما. في ذلك الوقت وعد الكونجرس تلك القبائل أنهم سيكونون مستقلين في تلك الأراضي، ولا يتبعون سوى حكمهم القبلي الذاتي، مؤكدين أنهم لن يخضعوا لقوانين الدولة إذا وافقوا على الانتقال لتلك الأراضي الهندية وترك أوطانهم.

الكثير من مواطني القبائل الخمس رفضوا هذا الأمر ولم يصدقوا الحكومة الأمريكية، ولذلك فحينما وافق رؤساء القبائل كان هناك غضب موجه تجاههم، وقُتل زعيم قبيلة شيروكي أمام أعين أسرته بما يزيد عن 50 طعنة على أيدي مواطني القبيلة جزاءً له على موقفه الذي نظروا إليه على أنه خيانة وطنية لهم.

وبغض النظر عن جريمة قتلهم لزعيمهم، فقد كان شك هؤلاء المواطنين في محله؛ لأنه بعد إبعاد القبائل إلى أوكلاهوما عمل الكونجرس على تفكيك وإضعاف الحكم القبلي، ولم ينفذ أي بند من بنود المعاهدة سوى بند الانتقال، والذي يصب في مصلحة الحكومة الأمريكية، التي أخرجت السكان الأصليين من أراضيهم ووضعتهم في الأراضي الهندية، وكأنهم معزولون عن العالم، دون أن يكون لهم الحق في العزلة القانونية.

لكن هذا الأمر قد يتغير، وقد تضطر الحكومة الأمريكية إلى تنفيذ وعود قد تأخرت لما يزيد عن قرنين، وهو الأمر الذي ستحسمه المحكمة العليا في نهاية العام الجاري.

نحتفي به أم نهدم تماثيله؟ هذا ما تبقي من «أسطورة» كريستوفر كولومبوس

 

المصادر

تحميل المزيد