في كل عائلة؛ عادة ما يحاول الرجال حماية الفتيات الصغيرات من التعرض لأي حادثة جنسية قد تؤثر سلبًا على صحتهم النفسية والعقلية، ولذلك يستخدم معظم الآباء إجراءات الأمان على الأجهزة التكنولوجية التي يستخدمها الطفل أو الطفلة؛ حتى لا تقع عينه على ما لا يناسب عمره.

وإذا كان لأحد الكبار في العائلة عادة سيئة أو نزوات خارج إطار الزواج، قد يخجل من أن يظهرها أمام الأطفال حتى يكون قدوة ومثالًا يحتذى به، بالطبع هناك بعض الناضجين الذين يستغلون الأطفال في عائلاتهم استغلالًا جنسيًا، ولكن هؤلاء ليسوا القاعدة العامة، كما أنهم يفعلون هذا في الخفاء والخوف من العواقب يسيطر عليهم.

المرأة

منذ سنة واحدة
منها عزلهن في أكواخ خاصة.. أبرز المجتمعات التي تضطهد النساء أثناء الدورة الشهرية

في بعض المناطق النائية في غانا، لا ترى العائلات الأمر بهذه الطريقة، ونظرتهم إلى الطفلة الصغيرة في العائلة نظرة غريبة ومختلفة وتثير غضب معظم منظمات حقوق الإنسان في العالم. تروكوزي؛ هو طقس ديني في غانا يعتمد على استعباد القاصرات باسم الدين، فما قصة هذا الطقس، ولماذا يُمارس؟

«أمة للأصنام».. عندما تدفع الطفلة ثمن أخطاء الرجال

العبودية الطقسية هي ممارسة رائجة في المناطق المجاورة الغانية لتوجو وبنين، حيث تأخذ الأضرحة الدينية التقليدية -والتي تُعرف باسم أضرحة الأصنام أو الأوثان- الفتيات العذاري الصغيرات في السن بغرض التكفير الديني لما ارتكبه الرجال في عائلتها من ذنوب تخص الممارسات الجنسية.

 تلك الفتاة الصغيرة التي تكفر عن ذنوب أقاربها من الرجال، عليها أن تتزوج كاهنًا كبيرًا في السن، حتى لو كان عمرها أقل من 10 سنوات، وتشعر أسرة الطفلة بالفخر لأنها من وجهة نظره تكون متزوجة من إله الضريح المتجسد في الكاهن كبير السن.

 بعض الأسر تمنح ابنتها للأضرحة دون الرغبة في التكفير عن أي ذنب وإنما للخدمة الدينية فقط، حيث تتعرض معظم الفتيات للاستغلال الجنسي من الكهنة أيضًا، وإذا هربت الفتاة أو توفيت، يجب استبدالها بفتاة أخرى من نفس الأسرة، في بعض الأحيان تمنح العائلة الواحدة ما يزيد عن أربع فتيات، وأحيانًا تكون الجرائم التي تكفر عنها الفتاة لا تخص الممارسات الجنسية للناضجين في عائلتها، بل يمكن أن تصبح الفتاة أمة للأصنام إذا قام أحد الرجال في عائلتها بسرقة شيء بسيط.

لا يزال هذا الطقس يُمارس حتى الآن في غانا، على الرغم من حظره قانونيًا في عام 1998 وأصبحت عقوبته تصل إلى ثلاث سنوات سجن لمن يمارسه، وعلى مدار قرون من ممارسة هذا الطقس؛ استعبدت الآلاف من النساء في أنحاء غرب أفريقيا، وربما استطاع القانون تقليل ممارسة هذا الطقس ولكنه لم يمنعه، ويوجد ما لا يقل على 23 مزارًا في منطقة فولتا وثلاثة في منطقة أكرا الكبرى لا تزال تمارس هذا الطقس.

وبدأ هذا الطقس للمرة الأولى عندما عانت واحدة من العائلات هناك من موت غامض متواصل لأفراد العائلة، ومن وجهة نظرهم كان السبب هو جرائم وأفعال سيئة قام بها جدهم الأكبر، ووسيلةً للتكفير عن هذا الذنب منحوا أصغر طفلة في أسرتهم وكان عمرها ثمانية أعوام للضريح، حتى تكون أمه للأصنام وتكفر عن ذنوب جدها الكبير، ومن وقتها تحول هذا الطقس إلى طقس مقدس يصدق بعض الناس أنه يكفر عن ذنوب رجال العائلة.

بين الجنس وأعمال التنظيف.. مهام التروكوزي

الطفلة التي يطلق عليها التركوزي أو أمة الأصنام إذا كانت تزوجت الكاهن قبل أن تبلغ، فعلى الكاهن الانتظار حتى بلوغها لممارسة الجنس معها، والتي يُطلق عليها في عقيدة تلك القبائل بإتمام الزواج بين الفتاة والآلهه، ففي هذا الطقس يعتبر الكاهن من وجهة نظرهم مجرد وسيط جسدي للإله الذي يحصل على جسد الفتاة العذراء مقابل غفرانه للذنوب التي ارتكبها رجال عائلتها.

بجانب ممارستها للجنس مع الكاهن المُسن، على الفتاة أن تقوم بجميع أعمال التنظيف في الضريح والأعمال المنزلية الخاصة بالكاهن، وأيضًا في الصباح الباكر عليها العمل لساعات طويلة في الأراضي الزراعية التابعة للضريح، ولا تحصل الفتاة أو أسرتها على أي مقابل مادي، كما أن طعامها لا يوفره لها الضريح، وعلى أسرتها أن تحضر لها وجباتها يوميًا وكل ما تحتاجه من ضروريات أخرى.

بعد قضاء عدة سنوات في الضريح يحددها الكاهن، قد يطلق سراح الفتاة إذا دفعت الأسرة مبلغًا من المال يحدده الضريح، ولكن يجب عليها الحفاظ على إخلاصها للضريح وأي مهمة يطلبها منها، ولذلك على الرغم من السماح للفتيات بالزواج بعد ترك الضريح، فعادة لا يجدن الرجل الذي يوافق أن يربط حياته بأمة للأصنام.

إينيونام توردزرو انضمت للضريح أمةً للأصنام وهي تبلغ من العمر 18 عامًا، ويعتبر هذا عمرًا كبيرًا على هذا الأمر ولكنها كانت الأصغر في عائلتها، أخبرها أسرتها – وفقًا لما صرحت به لرويترز – أنها ذاهبة للضريح حتى تكفر عن خطيئة أحد أفراد الأسرة، وبمجرد وصولها للضريح جُردت من كل ملابسها ومنحوها قطعة قماش صغيرة تغطي بها مناطقها الحساسة، وأحيانًا كانت ترتدي حبلًا في رقبتها، فهي حسب وصفها كانت الأدنى بين الخدم حيث كان يخدم في الضريح ما يزيد عن 200 فتاة.

وشرحت إينيونام في تصريحاتها أن يومها كان يبدأ في الرابعة صباحًا لتنفيذ مهامها التنظيفية، وكانت كل فتاة تشعر بجوع دائم لأن الكاهن لا يقدم لهم الطعام، وأكدت أن الكاهن بجانب استغلاله الجنسي لهن، فهو كان يسير وراءهن بعصا يضربهن بها إذا أخطأت فتاة في أتفه المهام.

بالإضافة إلى كل تلك الأعباء النفسية والجسدية على فتاة التروكوزي، فهي ترزق بأطفال أيضًا عليها هي وأسرتها رعايتهم لأن الكاهن لا يهتم بهم، وقد يصل أطفال كل كاهن لستة أطفال لا تجمعه بهم أي علاقة أبوية. «أردت أن أهرب» تقول إينيونام ولكنها كانت تخشى على حياة أشقائها  الذكور الصغار الذين يموتون لأسباب مجهولة، وهو السبب الرئيسي الذي دفع أسرتها أن تهبها للضريح، وبعد أن مات أربعة من أبناء عمومتها تأكدت أنها في حاجة للبقاء في الضريح لإنقاذ باقي أفراد أسرتها، حتى بلغت من العمر 35 واستطاعت واحدة من منظمات حقوق الإنسان الغانية تحريرها، ولكن هذا الأمر لم يكن مرضيًا لعائلتها التي تخشى غضب الإله الذي قد يحل عليهم بسبب فقدانه لخدمة ابنتهم في الضريح.

بريجيت.. الأمة الناجية

قديمًا كانت تقاليد تلك الاضرحة تُمارس سرًا في غانا، حتى عامة الناس لم يكن لديهم الجرأة في مناقشتها خوفًا من غضب الآلهه، وهذا ساعد على زيادة ممارسة تلك الطقوس في الظلام، ولكن منذ تسعينيات القرن الماضي بدأت بعض منظمات حقوق الإنسان في غانا بكشف الحجاب عن تلك الممارسة والحديث عنها في الصحف والإذاعة الغانية، ما أدى إلى القانون الذي يجرم هذه الممارسة السابق ذكره.

بعد أن خرجت غانا عن صمتها وتحدثت عن طقس التركوزي وانتقده الرجال والنساء من المهتمين بحقوق المرأة والإنسان؛ رصدت الإعلامية البريطانية إيرانية الأصل كريستيان أمانبور هذا الطقس، وسافرت إلى غانا خصيصًا لتغطيته في العام 1997، حيث قامت بالتصوير مع بريجيت، وهي واحدة من الفتايات اللاتي قدمن للضريح ولكنها لم تكن بلغت في ذاك الوقت ولذلك كانت تمارس الخدمة فقط، وبعد حديث كريستيان وعرض التقرير الذي وثقته مع بريجيت وعرضته على شاشات العالم، تقدم أحد الرجال من الولايات المتحدة الأمريكية وعرض تبني تلك الطفلة التي كانت تبلغ من العمر ثمانية أعوام فقط، ومن حسن حظها أنها لم تمارس الجنس مع الكاهن بعد، ولذلك اعتبرت أن هذا الرجل أنقذها من مصير محتوم.

بعد أعوام طويلة عاشتها بريجيت في أمريكا، واستطاعت أن تكون واحدة من المدافعين عن حقوق الإنسان، عادت مرة أخرى إلى غانا لمقابلة كرستيان في غانا أثناء تصوير الأخيرة لفيلم وثائقي عن طبيعة الحياة الجنسية والزوجية في غانا، وكان لقاؤهما مؤثرًا للغاية، عند قالت بريجيت لكرستيان أنها بهذا التقرير الذي عرضته العالم قد أنقذت حياتها بالفعل.

ومع كل تلك المجهودات المبذولة للقضاء على هذا الطقس، تؤكد العديد من منظمات حقوق الإنسان أنها ما زالت تُمارس في غانا برغبة من الأسر أنفسهم، خوفًا من غضب الإله، أو لتجنب الأشياء السيئة التي تحدث لكل عائلة ظنًا منها أنها عقاب يجب تقديم تضحية للإله حتى يتجنبوه، وتلك التضحية تكون التركوزي أو الفتاة الصغيرة العذراء في عائلتهم.

المصادر

تحميل المزيد