بعد تصدّر موقع التسريبات الأشهر “ويكيليكس” الصحف والمواقع الإلكترونية على مدار الأيام الماضية، وذلك بعد إعلانه يوم الجمعة الماضي عن حصوله على أكثر من نصف مليون وثيقة سرية حول المملكة العربية السعودية ومراسلاتها بسفاراتها في عدد من الدول، حيث تم نشر حوالي 70 ألف وثيقة إلى الآن، وجاري نشر البقية تباعًا بحسب المنظمة، إليك كل ما قد تريد أن تعرفه عن موقع ومنظمة “ويكيليكس”.

1- ما هي «ويكيليكس»؟

“ويكيليكس” هي منظمة إعلامية غير ربحية ظهرت لأول مرة عام 2007 على شبكة الإنترنت، حيث تقوم بكشف “فضائح وأسرار” الحكومات والمؤسسات الفاسدة، فضلًا عن الكشف عن انتهاكات حقوق الإنسان في البلاد المختلفة وأثناء الحروب، وذلك بالتعاون مع عدد من الأشخاص داخل هذه المؤسسات أو الحكومات، وفي المقابل تؤكد “ويكيليكس” حرصها على توفير الحماية والأمان لهؤلاء الأشخاص الذين يكشفون تلك الفضائح والأسرار.

تعددت مواضيع الوثائق المسربة لتشمل وثائق عسكرية تحمل معلومات عن حروب سابقة، وصفقات أسلحة وتعاون إستراتيجي سري، بالإضافة إلى وجود وثائق تكشف عن فساد مؤسسي وحكومي لعدد من الدول، فضلًا عن وثائق تخص قضايا إنسانية مثل بعض الأمراض والأوبئة.

2- ما هي أهداف «ويكيليكس»؟

للمنظمة عدد من الأهداف المعلنة على موقعها الإلكتروني، حيث إنها تقوم بنشر المادة الأصلية للوثائق المسربة وذلك لضمان تحقيق مبدأي الشفافية والمصداقية لدى الزائرين، فضلًا عن سعيها -كمظمة إعلامية- لخوض معارك قضائية وسياسية من أجل الدفاع عن حرية التعبير والنشر الإعلامي، مستندةً في ذلك إلى المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تنص على:-

“لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية”.

3- من وراء «ويكيليكس»؟

تنكر “ويكيليكس” وجود أي انتماءات أو صلة لها بدول أو حكومات بذاتها، كما تنفي الإشاعات التي أطلقت مؤخرًا كونها تعمل كمصدر استخباراتي لصالح دول على حساب أخرى. وبحسب موقعها.. فإن المنظمة يديرها عدد من الصحفيين المستقلين المؤمنين بحرية الصحافة، والتي تعتبر دافع رئيسي في تحقيق مبدأ الشفافية في المجتمع، الذي هو أحد أهم أهداف المنظمة. وقد استعانت المنظمة أيضًا بعدد من المبرمجين ومهندسي الشبكات، وعلماء الرياضيات وغيرهم، وذلك لتوفير أفضل خدمة للزائرين، بالإضافة إلى توفير أفضل نظام حماية لمصادرها داخل الحكومات والمؤسسات المختلفة.

مؤسسو “ويكيليكس” لم يكشفوا عن أسمائهم بصورة رسمية، لكن من يمثلها بصورة مكشوفة منذ أن أُطلق الموقع الإلكتروني لها في يناير 2007 هو جوليان أسانج الذي عرّف نفسه بأنه عضو مجلس مستشاري الموقع ويشاركه في المجلس آخرون لم يتم الكشف عن أسمائهم في ذلك التاريخ مما دفع بعض الصحف لتطلق على أسانج لقب “مؤسس ويكيليكس”. لكن بدءًا من يونيو 2009 صدر للمنظمة قائمة بمجلس مستشارين لها على رأسهم الأسترالي جوليان أسانج بالإضافة إلى 8 أعضاء آخرين وهم (فيليبس آدمز)، (وانج دان)، (سي جي هاينك)، (بين لاوري)، (تاشي نامجيال خامسيتسانغ)، (زياو كيانج)، (شيكو ويتيكر)، (وانغ يوكاي) الذين يحملون جنسيات من عدة دول مختلفة مثل الصين وتايلاند وأستراليا والبرازيل والولايات المتحدة الأمريكية وإنجلترا بالإضافة إلى دولة التبت.

وفي التاريخ ذاته – أي بعد مرور 5 شهور فقط على إطلاق الموقع الإلكتروني- أعلنت المنظمة عن وجود أكثر من 1200 متطوع مسجل لها ويعملون لصالحها، تنوعت جنسياتهم بين الولايات المتحدة الأمريكية وتايوان وأوروبا وأستراليا وجنوب أفريقيا، ولم يتم تحديث هذا الرقم منذ حينها.

4- ما هي أبرز التسريبات التي نشرتها «ويكيليكس» منذ إنشائها إلى الآن:

1- في 7 نوفمبر عام 2007م، نشرت “ويكيليكس” وثيقة سرية تكشف إجراءات تشغيل معسكر دلتا بخليج “جوانتامو” وكانت هذه الوثيقة تحتوي على معلومات بخصوص فرض بعض أشكال الحظر على بعض المعتقلين وإخفائهم بعيدًا عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وهو ما نفاه الجيش الأمريكي حينها.

2- شريط فيديو الهجمات الجوية في بغداد في 2 أبريل 2010م، حيث نشرت “ويكيليكس” شريط فيديو سريًّا تابعًا للجيش الأمريكي في العراق واحتوى الشريط على سلسلة هجمات جوية تمت في 12 يوليو 2007م بواسطة طائرة هيلوكوبتر، مما أدى لمقتل 12 مدنيًّا.

3- في 25 يوليو2010 نشرت “ويكيليكس” ما يسمى بـ”سجلات الحرب”، وهي وثائق لسجلات داخلية لجيش الولايات المتحدة بخصوص الحرب في أفغانستان والغزو الأمريكي للعراق، ويصل عدد هذه الوثائق لأكثر من 91 ألف وثيقة مختلفة، لتغطي فترة ما بين يناير 2004 وديسمبر 2009، وتعد هذه الحادثة هي الأضخم في تاريخ جيش الولايات المتحدة الأمريكية، حيث صنفت معظم هذه الوثائق إلى “سري” نظرًا لخطورة ما تحتويه من معلومات عسكرية وحربية.

4- في 28 نوفمبر 2010، نشرت المنظمة عددًا من البرقيات الدبلوماسية السرية للولايات المتحدة الأمريكية، فقد نشرت وثائق تخص وزارة الخارجية الأمريكية وبعثاتها الدبلوماسية حول العالم، ومن إجمالي الوثائق يوجد حوالي 130 ألف وثيقة غير سرية؛ و100 ألف وثيقة مصنفة “خاص”، بالإضافة إلى 15 ألف وثيقة مصنفة “سري” وليس من بينها أي وثيقة بها ختم “سري للغاية”.

5- في يوليو 2012، صرّحت “ويكيليكس” عن امتلاكها لأكثر من مليوني وثيقة مسربة بخصوص الثورة السورية، والتي تحتوي رسائل تحرج عددًا من الأطراف من ضمنهم مؤيدي الحكومة السورية في الخارج.

6- في 19 يونيو 2015، أعلنت “ويكيليكس” نيتها نشر أكثر من نصف مليون وثيقة سرية مسربة حول المملكة العربية السعودية وعلاقاتها الخارجية والدبلوماسية بعدد من الدول والشخصيات العامة، وقد تم نشر حوالي 60 ألف وثيقة إلى الآن، وجاري نشر البقية تباعًا بحسب المنظمة.

5- ما هي ردود الفعل الدولية عن تسريبات «ويكيليكس»؟

تفاوتت ردود الفعل على التسريبات المختلفة لدى الموقع بين مرحب ورافض، فقد واجهت المنظمة عددًا من الإشادات والانتقادات من عدد من الدول والمؤسسات العالمية، فقد انتقدت كل من حكومات أستراليا والولايات المتحدة وإيران وفرنسا والفلبين المنظمة، تعددت مبرراتهم واتفقوا على انتقادها، حيث انتقدت الولايات المتحدة منظمة “ويكيليكس” وذلك بعد نشرها للوثائق السرية التي تخص سجلات الحرب في أفغانستان والغزو الأمريكي للعراق، بالإضافة إلى الوثائق الدبلوماسية للولايات المتحدة والتي تم تسريبها لاحقًا، حيث عبّرت وزيرة الخارجية الأمريكية حينها “هيلاري كلينتون” عن استيائها بسبب نشر هذه الوثائق، مؤكدةً أن “هذا الكشف عن المعلومات لا يعد هجومًا على مصالح السياسة الخارجية الأمريكية فحسب، بل إنه هجوم على المجتمع الدولي كله”. وتضامن مجلس النواب الأمريكي مع تصريحات وزيرة الخارجية، مما دفع لجنة الأمن القومي بالكونجرس إلى وضع “ويكيليكس” ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، وذلك لأنها “تمثل خطرًا واضحًا ومعاصرًا على الأمن القومي للولايات المتحدة”، بحسب تصريحات عضو الكونجرس “بيتر كينج” رئيس لجنة الأمن القومي.

ولم يختلف موقف إيران عن موقف الولايات المتحدة في انتقاد “ويكيليكس”، ولكنا اختلفت معها في المبرر، حيث أكدت إيران أن الحكومة الأمريكية هي التي وراء هذه المنظمة، وأنها تقوم بنشر مثل هذه التسريبات من أجل تشويه سمعة إيران.

أما موقف المملكة العربية السعودية فقد دعت وزارة الخارجية السعودية أمس الأول إلى عدم نشر أي وثائق منشورة وإلى “تجنب الدخول إلى أي موقع بغرض الحصول على وثائق أو معلومات مسربة قد تكون غير صحيحة، بقصد الإضرار بأمن الوطن”.

قد تختلف ردود الأفعال الشعبية عن الحكومية الرسمية، فبالرغم من الاستنكار التام لحكومة أستراليا لما فعله موقع “ويكيليكس”، إلا أن استطلاعات الرأي العامة في أستراليا تؤيد وتدعم فكرة وأهداف المنظمة من أجل تحقيق مبادئ الشفافية في المجتمع.

ولم يُستثن جوليان أسانج، رئيس تحرير الموقع والمتحدث باسم المنظمة، من الانتقاد، فقد أصبح من أهم المطلوبين على قوائم الشرطة الدولية “الإنتربول” وذلك بعد صدور مذكرة استدعاء من محكمة ستوكهولم بالسويد بشأن بعض التهم المشتبه تورطه فيها مثل التحرش والاغتصاب والاعتداء الجنسي، والتي نفاها “أسانج” كاملةً في تصريحاته الصحفية، ولكنه اعتُقل إثرها في ديسمبر 2010، بعد أن حكم القضاء البريطاني بتسليمه للسويد، ولكنه فضّل عدم اللجوء إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، فطالب باللجوء السياسي في دولة الإكوادور لتجنب تسليمه للسويد، ولذلك فهو يقبع في سفارة الإكوادور في لندن منذ 19 يونيو 2012 إلى الآن، كما توعّدت الولايات المتحدة بمقاضاة “أسانج” ردًّا على التسريبات التي نشرتها منظمة “ويكيليكس” عنها.

وعن ردود الأفعال المؤيدة والداعمة للمنظمة وأهدافها، فقد تضامنت حكومات كل من البرازيل والإكوادور وروسيا وفنزويلا، فضلًا عن إعلان الأمم المتحدة تضامنها الكامل مع المنظمة، مؤكدة رفضها التام لتعرض أي من موظفي المنظمة لأي مساءلة قانونية، معبرة عن قلقها إزاء ممارسة بعض الدول ضغوطات على بعض الشركات لقطع علاقتها بالمنظمة. أما بالنسبة للموقف الروسي.. فقد دعا الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف إلى نظر اسم رئيس تحرير “ويكيليكس” جوليان أسانج ضمن قائمة المرشحين لنيل جائزة نوبل للسلام.

تُرجمت بعض ردود الأفعال الداعمة في صورة عدد من الجوائز التي مُنحت للمنظمة فيما بعد، ففي عام 2008 حصلت على جائزة “وسائل الإعلام الاقتصادية الجديدة” في إصدارها الأول من منظمة مؤشر على الرقابة (Index on Censorship). وفي عام 2009، حصلت المنظمة على الجائزة الإعلامية لمنظمة العفو الدولية وذلك نظير “الكشف عن عمليات القتل والاختفاء في كينيا”. أما في عام 2011 فقد منحت المنظمة جائزة مؤسسة “والكلي” لأكبر مساهمة في الصحافة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد