في فيلم «300» إنتاج عام 2006، رأينا الأداء البطولي للجيش الأسبرطي أمام قوات الفرس؛ جيش تعداده 300 رجل فقط، هم أفضل المقاتلين الأسبرطيين، وقد اختارهم الملك ليونايدس بعناية، يقاتلون جيشًا فارسيًا بأكمله في معركة ترموبيل الملحمية، والتي اتخذت مكانها في التاريخ عام 480 قبل الميلاد، لكن هل تساءلت يومًا كيف للأسبرطيين مثل هذه القوة؟ أو عن نشأة الجيش الأسبرطي وقسوة الحياة العسكرية في تلك المدينة العتيقة؟ في السطور التالية، نصحبك في رحلة إلى حياة التجنيد بمدينة أسبرطة اليونانية، لنتعرف معًا على «الجيش الذي لا يقهر»، وكأننا أحد جنوده. 

جيش يسكن مدينة

في الصفحات الأولى من رواية «واحة الغروب»، عقد الكاتب بهاء طاهر مقارنة ما بين مجتمع «الواحة» الصغير في سيوة أواخر القرن التاسع عشر، وبين مدينة يونانية اشتهرت في العصور القديمة بقوة جيشها، وهي مدينة أسبرطة، والتي وصفها بماكينة لإنتاج العسكر. كان نظام الواحة القائم على تجنيد «الزجَّالة» على فلاحة الأرض حتى سن الأربعين دون زواج، يشبه إلى حدٍ كبير، النظام الاجتماعي الذي قامت عليه مدينة أسبرطة اليونانية.

كان النسيج الاجتماعي للمجتمع الأسبرطي، نتاج مجموعة من الغزاة؛ استقروا في أسبرطة وكونوا كتلة متماسكة ومنظمة، لم يندمجوا مع من حولهم من القبائل أو مع من تبقى من السكان الأصليين للمنطقة، وهبطوا بمنزلة أغلب سكانها إلى مرتبة العبيد بعد أن كانوا أحرارًا، وشنّوا مجموعة من الغارات على الأماكن المجاورة. ونتيجة لتلك الظروف التاريخية، أصبح الأسبرطيون أقلية حاكمة وسط محيط من السكان المعادين أو المتحفزين ضدهم أو على أقل تقدير ساخطين عليهم.

Embed from Getty Images

الجيش الأسبرطي

كان لا بد حينها للمجتمع الأسبرطي أن يخلق لنفسه نظامًا اجتماعيًا وسياسيًا من أجل المحافظة على تماسك هذه الأمة وسيطرتها على أغلبية ساخطة؛ ولهذا تبنى الأسبرطيون تنشئة اجتماعية خشنة، قائمة على جعل تلك المدينة العتيقة «عسكرية» في المقامِ الأول، وبناء جيش قوي مهمته الأولى أن يكون مستعدًا للقتال في أية لحظة. وبذلك أصبح الجيش الأسبرطي هو أكبر جيش في اليونان كلها، حتى قدوم الإسكندر الأكبر.

كان هذا النظام الاجتماعي يخالف نُظم المدن اليونانية المجاورة في ذلك الوقت؛ إذ كانت الأنظمة العسكرية للمدنِ القديمة قائمة على التعبئة المباشرة للمدنيين قبيل الحرب، إلا أن أسبرطة أرادت تنشئة أجيال جديدة، مستعدة لردعِ أي تمرد أو هجوم يقوم به السكان المحيطون أو العبيد.

وكان نظام الحكم في أسبرطة قائمًا على الملكية الثنائية، وذلك حتى لا ينفرد ملك واحد بالحكم. بمعنى أن هناك ملكين يحكمان الأرض، أحدهما يعيش في أسبرطة ويباشر شئون الحكم في المنطقة، والآخر يبقى على رأس الجيش. يخرج في الحملات العسكرية، ويباشر شئون المعارك. وكل ملك مُطالب بمراقبة سلوك الآخر. 

حياة عسكرية منذ الولادة

إذا كانت أثينا قد اشتهرت بالفلسفة والشعر والمسرح والغناء؛ فإن أسبرطة، على العكسِ من ذلك، وبرغمِ قربها من أثينا، لم تؤمن بالفلسفة يومًا ولم تشجع مواطنيها على الفكر، وعمدت طوال تاريخها على تجنب الفلاسفة؛ إذ كانوا غير مُرحب بهم داخل حدود المدينة. التي فرضت حينها حظرًا على سفر مواطنيها إلى الخارج، ووضعت الكثير من المحاذير حول الترحال، وذلك لتجنب ما أسموه بـ«التلوث الروحي». أرادت أسبرطة لمواطنيها تكريس حياتهم من أجل العسكرية، دون أن يشغلهم عنها شاغل، ولذلك تحولت المدينة إلى ثكنة عسكرية كبيرة.

«عُد حاملًا درعك أو محمولًا عليه» 

هكذا شرعت الأمهات في توديع أبنائهن قبل كل معركة كبرى، بمعنى «عُد بالنصرِ أو بالموتِ». حيث لا مجال للخسارة، الجيش الأسبرطي لا يقهر. والجنود يفضلون الانتحار على الحياة بعد الهزيمة؛ وذلك حتى لا يلاحقهم العار أينما حلوا. لكن كيف وصل المجتمع إلى هذه النقطة؟

إذا أردنا تتبع حياة طفل ولد في مدينة أسبرطة قبل الميلاد، فإن تهيئته لحياة التجنيد تبدأ لحظة خروجه من رحم أمه. وفي مجتمع أسبرطة لم يتبع الأطفال سلطان آبائهم، بل كانوا ملكًا للدولة. والتي تقوم بالإشراف على حياة الطفل منذ لحظة الولادة وحتى الموت. تشير روايات المؤرخين إلى أن الأطفال حين ميلادهم كانوا يعرضون على مجلسٍ من الكبار ليقرروا ما إذا كان الطفل يستحق الحياةِ أو الموت.

Embed from Getty Images

«كان الطفل عند مولده، يستحم بالخمرِ، وذلك لإثبات مدى قدرته وتحمله»، هكذا أشار بعض المؤرخين؛ حيث كان الأطفال يخضعون لفحصٍ كامل، وعدة اختبارات، منذ لحظة الولادة. وقد كان هذا الفحص يهدف إلى فصل الأطفال الأصحاء؛ الذين توافرت فيهم المعايير اللازمة ليصبحوا مقاتلين أشداء، ومن ثم يضعونهم تحت رعاية أمهاتهم، أو مربيات تعيّنهن الدولة، وذلك حتى سن السابعة.

أما الأطفال الضعفاء والمرضى والمشوهون والمعاقون، فالنظام الأسبرطي لم يكن رحيمًا بهم، ولا مكان لهم في دويلة أسبرطة الصغيرة؛ إذ كان الطفل يؤخذ من بين ذراعي أمه ويترك في العراءِ وحده، حتى يأتيه الموت. يروي بعض المؤرخين أن رجال الدولة كانوا يعودون إليهم مرةً أخرى، فإن وجدوا الطفل على قيدِ الحياة وقد تحمل العطش والجوع، ضموه إليهم، وإلا تركوه يموت بدلًا من أن ينشأ مواطنًا ضعيفًا. وتشير بعض الروايات إلى أنهم وضعوا المعاقين من الأطفالِ أعلى قمم الجبال، ليرحمهم الموت أو تأكلهم الطيور الجارحة والحيوانات المتوحشة. ولذلك لم يكن هناك مجال لوجود مواطن ضعيف بدنيًا في المجتمع الأسبرطي.

ليست مهد الفلسفة والتنوير فقط.. «الوجه المظلم» للحضارة اليونانية

جولة في «مدارس الجيش»

يقول عبد اللطيف بن محمد بن عبد العزيز في كتابه «سنن قيام الحضارات وسقوطها»، أن الطفل الإسبرطي حين يبلغ السابعة من عمره، كانت الأم تعمل على تسليمه إلى الدولة لتتولى تربيته؛ فقد كان الأطفال يلتحقون بمدارسٍ داخلية أشبه بالثكنات العسكرية، ويتلقون تدريبًا أشبه بتدريبِ الجنود في الجيوش الوطنية. حينها ينتهي دور الأسرة تمامًا، ويصبح طفلهم مجرد جندي آخر ملكًا للدولة.

كان نظام التدريب في الثكنات العسكرية قائمًا على استقطاب الأجيال الجديدة منذ نعومة أظافرهم، وتدريبهم تدريبًا قاسيًا، يخضعهم لإطاعة الأوامر بشكلٍ صارم، ويجبرهم على تحمل صعاب وويلات الحروب. يقسم الأطفال حينها إلى مجموعات، وكل مجموعة يرأسها أحد الشبان الأسبرطيين، والذي يعمل على تدريبهم عسكريًا وبدنيًا ويعلمهم القراءة والموسيقى.

كانت الحياة داخل الثكنة العسكرية متقشفة، وذلك لإعداد الاطفالِ للحياة التي تنتظرهم خارج المعسكر؛ وقد سمحوا للأطفالِ بارتداء النعال؛ حفاظًا على ليونة أقدامهم في السنوات الأولى. إلا أنهم لم يراعوا من حاجات الطفل إلا نهم المعدة، وحتى الطعام لم يُقدم له منه إلا القليل، وذلك حتى ينشأ الطفل قادرًا على تحمل الجوع لفتراتٍ طويلة، وقد اعتقد القادة أن الأطعمة التي تبقي الجسم خفيفًا وجافًا خيرًا من تلك التي تسبب السمنة، ولهذا حافظوا على حمية الجنود الغذائية منذ الصغر.

«عندما يبلغ الطفل الثانية عشرة من العمر، تؤخذ منه ملابسه، ولا يترك القادة له سوى عباءة واحدة طوال العام ليرتديها. وكان ينام هو وأقرناؤه معًا دون غطاء على أسِرَّة من التبن أعدوها بأنفسهم». * «ناشيونال جيوغرافيك» عن نظم التعليم في أسبرطة

كان هذا هو المعنى الحرفي للحياة القاسية؛ إذ تسحب الملابس والأغطية من أطفالٍ لم تتجاوز أعمارهم 12 عامًا، ويجبرون على إعداد طعامهم بأنفسهم، وكان الاستحمام مرة واحدة فقط في العام، ولم يعرفوا نظام الحمامات، بحسب «ناشيونال جيوغرافيك» في تقريرها عن الجيش الأسبرطي. كل هذا كان بهدف تنشئة جيل من المحاربين، قوي بدنيًا لا يخشى شيئًا، ولا يمكن لغريزةٍ أساسية مثل الجوع أو الرغبة في الراحة أن تؤثر عليه.

كان الأطفال في هذه السن يمشون حفاة صيفًا وشتاءً، ظن القادة أن السير حافيًا يكسب الأرجل صلابة، كما يضفي على الغلام خفة ورشاقة في الجري والقفز والصعود والهبوط، وإن كان القادة لم يسمحوا لهم سوى بقليلٍ من الطعام، إلا أنهم قد رخصوا سرقة ما يكفيهم منه، شريطة ألا يراهم مخلوق. فكان الأطفال يسطون على الحدائق ليلًا، في غفلةٍ من الرقباء، يأكلون حتى الشبع. أما إن رآهم شخص أو قُبض عليهم، كان القائد يعرضهم للفضيحة والعار والعقاب بالضربِ. حينها لم يكن العقاب على السرقة، بحسب الكاتب نبيل أبي القاسم، ولكن على عدم اتخاذهم الحيطة والحذر، وهو الأسلوب الذي اتخذه القادة في ترويض الأطفال.

كانت التدريبات العسكرية تشمل الجري والوثب ورمي الرماح والنبال، هذا إلى جانب المصارعة، وهي نوع من النزال الحر بلا قوانين؛ وفيه يتصارع الخصمان حتى يقتل أحدهما الآخر. وبمجرد أن يبلغ الجندي سن الرشد، 18 عامًا، يبدأ في مزاولة عمله، مثل أي جندي نظامي بالجيش الوطني؛ إذ يبدأ في تعلم مهارات واستراتيجيات الحروب، وتكتيكات القتال. 

كان هناك أمر واحد على الجندي القيام به لإتمام تدريبه، وهو القتل. فقد كان عليه أن يقتل ويسفك الدماء باعتبار ذلك جزءًا من التأهيل للحياة العسكرية، وحتى يعتاد على القسوة ورؤية الدماء. وكانت تلك هي الطريقة الوحيدة لإثبات جدارته بحماية الدولة. عندها يبدأ الجندي عمله النظامي، وكانت الدولة تمنحه أرضًا زراعية، هذا إلى جانب عائلة أو أكثر «من العبيد» لفلاحة الأرض وخدمته هو وأسرته، سواء في أوقات السلم، أو في ميدان القتال. وكان الجندي يتسلم من العبيد نصف العائد السنوي لفلاحة الأرض. وذلك لسدِ احتياجات المعيشة له ولأسرته؛ فقد كان يمنع عليه العمل في التجارة أو الصناعة وتعمل الدولة على التكفل بهما.

ماذا يحدث عندما تعلن أسبرطة الحرب؟

في أسبرطة، كان للحربِ طقوس لا يمكن مخالفتها، مثل ترجي موافقة الإله زيوس -أبي الآلهة اليونانية- على الحملة الحربية. كان الملك الأسبرطي قبل أية حملة عسكرية، يقدم الأضحيات للإله، وما أن تأتيه إشارة الموافقة، حتى يسير «البيرفوروس» -وهو حامل النار المقدسة، حاملًا شعلته طوال المسيرة، من أجل ضمان الحماية الإلهية. بعد ذلك تستخدم لحم الماعز والأغنام التي ضُحي بها للإله زيوس، من أجل إطعام الجنود في المعارك.

خلال المسيرة، يوضع جنود المرتزقة -من ساكني الجبال، على الشمال، أما حاملو الأسلحة الخفيفة – وهم القوة الدفاعية للحملة، يكون مركزهم في المقدمة، ومن بعدهم تأتي جحافل الجيش وما يتبعهم من أطباء وحدادين ونجارين غير مقاتلين، وتكون مهمتهم سد حاجات الجنود من المرضى والجرحى وإعداد الأسلحة وغير ذلك مما قد يحتاجونه في الحرب.

كان الجنود خلال ذلك يأخذون معهم الخبز والجبن واللحوم المملحة التي وزعت عليهم بالتساوي سواء كانوا جنودًا أم قادة وضباطًا، هذا إضافة إلى مياه الشرب والتي كانوا يحملونها أيام الربيع، وهو موسم شحت فيه المياه حينذاك. وقد كان العبيد يحملون أمتعة الجنود كلها فيما عدا الأسلحة، والتي يحملها الجندي بنفسه. وخلال الليل نام الجنود في العراء، بلا خيام أو أغطية تقيهم البرد.

Embed from Getty Images

عشية المعركة، يقدم الملك أضحية جديدة. هذه المرة للإله زيوس، والإلهة أثينا -وهي آلهة الحرب وحامية المدينة. وعند الوصول إلى ساحة المعركة يقيم الأسبرطيون معسكرًا بالقربِ من أحد مصادر المياه، وتوضع الإمدادات والحيوانات والعبيد في وسط المعسكر. في حين يقوم جنود النخبة والفرسان بعملِ دوريات للمراقبة من الأراضي العالية. 

في الوقت ذاته، يبقى الجنود على جدولهم الزمني الصارم. حيث كانوا يؤدون تدريباتهم العسكرية، في فترة ما بعد الظهيرة، والتي يتنافسون فيها، ليمنح القائد العسكري في النهاية جائزة للفائز وهو أكثرهم مهارة. وفي الليل يغني الجنود التراتيل والقصائد، استعدادًا للمعركة القادمة.

في الصباح، يذبح الملك ماعزًا صغيرة للإله أرتميس -إله الصيد والبرية، والتي تمثل العين الساهرة للملك، لتأذن له بإعطاء الأمر بالهجوم. وما إن يحدث ذلك، حتى تصدح أصوات الأبواق مُعلنة بدء الحرب. ليسير الجنود ببطءٍ نحو منافسيهم على الإيقاع الثابت لأصوات المزامير.

يرتب الجنود دروعهم المغلفة بالبرونز ويجهزون أسلحتهم، وكانت الرماح تأخذ مكانها في الخط الضيق الفاصل بين الدروع؛ لتصبح هجماتهم الأمامية قاتلة. وإن سقط رجل في الجيش الأسبرطي، تركوه واستبدلوه بآخر، من الصفوف الخلفية، وعلى الرغمِ من أن تلك الاستراتيجية لم تكن فريدة في زمنهم، إلا أن قوة الجنود البدنية، وبراعتهم العسكرية، قد جعلت الكتائب غير قابلة للاختراق من قبل العدو.

يعيش الأسبرطي حياته، حربًا دائمة، وذلك حتى يبلغ الثلاثين من عمره، وهو سن التقاعد؛ حيث يُسمح لهم حينذاك بالعودة إلى مدينتهم، وبالزواجِ، وذلك من أجل إنجاب أجيال جديدة، تغذي ماكينة الحرب. عن ذلك يقول سقراط، أن انعدام الفلسفة في مدينة أسبرطة، خطأ شائع؛ إذ آمن الأسبرطيون بفلسفة الحرب، واعتنقوها مذهبًا، وإلى ذلك يرجع تفوقهم الحربي.

منها قنبلة المثلية الجنسية.. أغبى 6 أسلحة حاولت الجيوش صنعها واستخدامها

المصادر

تحميل المزيد