«هذا ليس انتصار مودي، بل انتصار توقعات المواطن الصادق في هذا البلد. هذا انتصار الأم التي تتوق إلى مرحاض. هذا انتصار المزارعين الذين يسكبون العرق لملء بطون الآخرين. هذا انتصار 400 مليون عامل غير نظاميّ في هذه المناسبة، أنحني أمام أكثر من 1.3 مليار من أبناء البلد».

هكذا أعلن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي فوز حزب «بهاراتيا جاناتا» في الانتخابات الهندية العامة السابعة عشر، أثناء خطابه في مقر حزبه، معتبرًا هذا النصر «تفويضًا لبناء الهند الجديدة».

لكن أيًّا من هذه الشعارات البراقة التي أطلقها مودي في لحظة احتفاله بالنصر لم يطمئن مسلمي الهند البالغ عددهم 172 مليونًا، بل لم يكن هذا الفوز الكاسح والمفاجئ الذي حققه حزب بهاراتيا جاناتا خبرًا سارًا للمسلمين على الإطلاق.

متشدد هندوسي.. مهندس انتصار مودي

من بين الدائرة الداخلية الصغيرة المقربة من رئيس وزراء الهند، ربما يكون أميت شاه، زعيم حزب «بهاراتيا جاناتا»، هو الأقرب للسيد مودي، بل يُنسَب إليه الفضل الأكبر في هندسة هذا النصر، بحسب صحيفة «نيويورك تايمز». فخلال الجزء الأكبر من الحملة الانتخابية، ركز السيد شاه (54 عامًا) -وهو هندوسي متشدد- اهتمامه على ولاية البنغال الغربية، موطن العديد من مسلمي الهند، وتبنى خطابًا صريحًا معاديًا للمسلمين.

في عددٍ لا يحصى من خطاباته، وصم شاه منافسيه باللين في التعامل مع الهجرة غير الشرعية من بنجلاديش ذات الأغلبية المسلمة، الواقعة على حدود البنغال الغربية، واتهم معارضيه السياسيين بتمويل المدارس الإسلامية التي تهدد الهندوس في الهند، وتعهد بالتخلص من كل «المتسللين في البلاد، باستثناء البوذيين والهندوس والسيخ»، واصفًا المهاجرين -في هجوم واضح على المسلمين- بـ«النمل الأبيض».

Embed from Getty Images

حتى راهول غاندي، زعيم حزب «المؤتمر»، فقد طالته سخرية شاه؛ لأنه خاض الانتخابات في منطقة يهيمن عليها المسلمون في ولاية كيرالا الجنوبية. وقال: «عندما تخرج مسيرة هناك، يصعب تحديد ما إذا كانت مسيرة هندية أم باكستانية»، نازعًا صفة الوطنية عن الهنود المسلمين. وعندما انضم مودي إلى شاه ليزورا الولاية عدة مرات، رفعا عقيرتهما باتهام السيدة ماماتا بانيرجي، زعيمة حزب «مؤتمر ترينامول»، بالفساد و«استرضاء» المسلمين، متناسين أنهم يشكلون حوالي ربع سكان البلاد.

على متن هذه الحملة العدائية، وصل حزب «بهاراتيا جاناتا» إلى الفوز، وكسب أرضًا في ولاية البنغال الغربية، التي يهيمن عليها سياسيًّا حزب «مؤتمر ترينامول»، وحصد 18 مقعدًا، أي حوالي نصف عدد المقاعد في الولاية.

الفخرُ بالقتلِ

إذا كان زعيم الحزب ورئيس الوزراء يتبنون هذا الخطاب المعادي للمسلمين علانية، فلا عجبَ أن يرشح حزب «بهاراتيا جاناتا» السيدة سادفي براجيا سينغ ثاكور، حتى لو كانت تنتظر المحاكمة؛ لتورطها في تفجير نفذه متطرفون هندوس باستخدام دراجة نارية في عام 2008، ما أسفر عن مقتل ستة أشخاص في مدينة ذات غالبية مسلمة بولاية ماهاراشترا.

هذا ليس مجرد اتهام أجوف، بل أعلنت السيدة ثاكور بنفسها أنها «فخورة» لمشاركتها في هدم مسجد بابري التاريخي عام 1992، وهو الحدث الذي أثار موجة عنف بين الهندوس والمسلمين في عموم البلاد، خلّفت نحو ألفي قتيل. في مقابل هذا التصريح الاستفزازيّ، وحديثها غير اللائق عن مقتل هيمانت كاركير، الرئيس الأسبق لفرق مكافحة الإرهاب بولاية ماهاراشترا، اكتفت لجنة الانتخابات الهندية بتعليق حملة المرشحة الدعائية لمدة 72 ساعة.

لم يكن ترشيح السيدة ثاكور خبط عشواء، بل كان مقصودًا بهدف إرسال رسالة إلى «القاعدة القومية الهندوسية المتشددة في حزب بهاراتيا جاناتا، مفادها: نحن ما زلنا إلى جانبكم»، على حد قول نيلانجان سيركار، الزميل الزائر في «مركز أبحاث السياسات» في نيودلهي.

تصطاد في المياه العكرة.. هكذا تحرض إسرائيل الهند على باكستان!

حلقة رعب برعاية الهندوس ودعم الحزب الحاكم

قبل أيام من التصويت في المرحلة الأولى للانتخابات الهندية، استوقف الغوغاء تاجرًا مسلمًا يدعى شوكت علي؛ بينما كان يغادر مقر عمله في ولاية آسام شمال شرقي الهند. حاصرت المجموعة شوكت، وأجبروه على الركوع في الوحل، أثناء مهاجمته. وصرخ أحد المهاجمين في وجهه: «هل أنت بنجلاديشي»، مشككًا في جنسيته الهندية. وسأله آخر وهو يدفعه بإصبعه: «لماذا تبيع لحوم البقر هنا؟».

بدلًا من التدخل لمساعدة الرجل المعتدى عليه، اكتفى الناس بالمشاهدة وأخرجوا هواتفهم المحمولة لتصوير الحادث، الذي خلف إصابة في قدم السيد شوكت، لا يزال يعاني من آثارها بعد مرور شهر. قابله مراسل «بي بي سي» راجيني فيدياناثان في منزله، على بعد مسافة قصيرة بالسيارة من السوق. جالسًا على سريره، وعيناه مملوءتان بالدموع، روى الرجل البالغ من العمر 48 عامًا ما حدث.

قال: «ضربوني بالعصا، وركلوني في وجهي»، وأظهر لضيفه الإصابات في قفصه الصدري ورأسه. لكن المهاجمين لم يلحقوا فقط ضررًا جسديًّا بشوكت، بل جردوه من كرامته، حين أجبروه على مضغ لحم الخنزير، بينما هو لم يرتكب أي مخالفة لقانون الولاية. وأضاف وهو منهار: «ما معنى الحياة بعد ما حصل، لقد كان هذا هجومًا على عقيدتي بالكامل».

في اليوم الذي زاره مراسل «بي بي سي»، اجتمع العشرات من أفراد الجالية المسلمة المحلية في منزله للاطمئنان عليه. لكن عندما استمعوا إلى قصته، بدأ البعض في البكاء وهم يتساءلون عما إذا كانوا هم أيضًا عرضة لمثل هذا الهجوم. إذا كانت هذه هي الأجواء التي جرت فيها الانتخابات الهندية تحت رعاية الحزب الحاكم؛ فأي مكانٍ حجزه السيد مودي للمسلمين من بين 1.3 مليار من أبناء البلد الذي انحنى أمامهم وأهداهم انتصاره؟

«تطهير» البرلمان من المسلمين

يتوقع أن ينخفض عدد المسلمين في البرلمان إلى أدنى مستوياته في تاريخ الهند، بسبب هيمنة حزب «بهاراتيا جاناتا» ومناهضته لترشيح المسلمين. ففي أوتار براديش، أكبر ولايات الهند ويبلغ عدد سكانها 43 مليون مسلم، لم يُنتَخَب مرشح مسلم واحد للبرلمان الهندي. بل لم يدرج حزب «بهاراتيا جاناتا» أي مسلم أصلًا على قوائم مرشحيه هذا العام.

«إبقاء المسلمين خارج البرلمان؛ يعني أنك تريد إضعافهم»، حسبما يرى أفتاب سيد (33 عامًا)، وهو طالب في جامعة عليجاره الإسلامية في ولاية أوتار براديش، معربًا عن قلقه من نتيجة الانتخابات. «كانت فترة الولاية الأولى مجرد تجربة تشغيلية لحزب بهاراتيا جاناتا، فإذا عادوا إلى السلطة، سيضعون أجندتهم الطويلة المعلقة موضع التنفيذ»، كما يقول حسن خالد عزمي، أستاذ الكيمياء السابق.

يوافقه محي الدين آزاد، من مدينة آزامجاره الشمالية المرتبطة منذ فترة طويلة بالعلماء والشعراء المسلمين، قائلًا: «نحن على بعد خطوة قليلة من التحول إلى مواطنين من الدرجة الثانية». ويضيف أستاذ اللغة العربية المتقاعد من ولاية أوتار براديش، الأكثر اكتظاظًا بالسكان في الهند: «إذا وصل مودي مرة أخرى إلى السلطة، فنحن هلكى».

Embed from Getty Images

صورة من الحملات الانتخابية الهندية

يؤكد هذه المخاوف تقرير أصدرته «هيومن رايتس ووتش» في فبراير (شباط) 2019، رصد خلال الفترة ما بين مايو (أيار) 2015، وديسمبر (كانون الأول) 2018، مقتل 44 شخصًا على الأقل -36 منهم مسلمون- في 12 ولاية هندية، وإصابة حوالي 280 شخصًا في أكثر من 100 حادث في 20 ولاية خلال الفترة ذاتها. وتقرير آخر أصدرته الأمم المتحدة يرصد «زيادة المضايقات واستهداف الأقليات، لا سيما المسلمون وأفراد الفئات المحرومة والمهمشة تاريخيًّا».

لطالما كان الاحتكاك بين الهندوس والمسلمين سمة ثابتة للحياة الهندية، لكن في السنوات الخمس الماضية، ازداد العنف ضد المسلمين، بما في ذلك ما لا يقل عن 36 عملية قتل على أيدي «حراس البقر» لمزارعي الماشية والتجار الذين اتهموا بإيذاء الحيوانات الموقرة.

مستقبل التعددية الهندية في ظل «تفويض» مودي

منذ وصل السيد مودي، وأنصاره القوميون الهندوس إلى السلطة، يشكو المسلمون الهنود من زيادة العنف ضدهم، لكن ما مضى قد يكون نزهة مقارنة بما هو قادِم في ظل «التفويض» الواسع الذي يرى السيد مودي أن الشعب الهندي قد منحه لحزب بهاراتيا جاناتا؛ «لبناء الهند الجديدة». وإذا كان حكم مودي حتى الآن قد شجع المتطرفين، حسبما نقلت صحيفة «الجارديان» عن منتقديه، وخلق ثقافة يمكن أن تزدهر فيها الشوفينية الدينية والإفلات من العقاب، فماذا هو فاعل في قابل الأيام؟

كانت الانتخابات الهندية هذا العام بمثابة «اختبار لمعرفة ما إذا كان للهند مستقبل بوصفها جمهورية علمانية تعددية»، كما كتب ميلان فايشناف مؤخرًا في مجلة «فورين أفيرز»، و«معركة من أجل روح الهند»، كما وصفها السياسي الهندي شاشي ثارور.

صحيحٌ أن حزب «بهاراتيا جاناتا» أخلف توقعات معظم المحللين، ولم يخسر مقاعده نتيجة السخط العام عن أدائه الاقتصادي، لكن فوزه لم يكن «تفويضًا» مفتوحًا كما أعلن السيد مودي، ولولا اشتعال التوترات مع باكستان ربما ما حصل الحزب على قبلة النجاة، ولما استطاع تحويل انتباه 900 مليون ناخب هندي إلى قضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية الصارمة.

صحيحٌ أن مودي عاد إلى السلطة، لكن هذه الانتخابات التي وصفتها مجلة «تايم» بـ«القبيحة»، قد تغير ليس فقط شكل السنوات الخمس المقبلة من ولاية مودي، بل «طبيعة الديمقراطية في الهند»، حسبما يحذر رافي أغراوال. لكن لا ينبغي لأحدٍ تابع مسيرة مودي المهنية المبكرة، ويعرف استراتيجيته السياسية جيدًا أن يستغرب من هذه الحملة الانتخابية المثيرة للانقسام والاستقطاب، كما تقول رنا أيوب في مجلة «تايم».

ولا يستبعد أن ينتهي المطاف بالرجل الذي بدأ حملته الانتخابية في عام 2014 بوعود التغيير والأمل، بإطلاق شياطين الطائفية من عقالها، وحينها ربما لن تدفع الأقليات -ومنهم المسلمون- وحدها الثمن، بل الشعب الهندي بأكمله، ولسنوات طويلة.

لكن ربما لم تكن سياسات حزب «بهاراتيا جاناتا» مفاجأة، بقدر أسلوب «حزب المؤتمر» المعارض؛ إذ غازل الحزب الأغلبية الهندوسية على حساب الأقليات، وزار رئيسه راهول غاندي المعابد الهندوسية، وتجاهل الكنائس والمساجد، على عكس ما فعلت جدته رئيسة الوزراء أنديرا غاندي، ليرسخ بذلك إجماعًا سياسيًّا على تهميش مسلمي الهند.

«ذي إنترسبت»: تقرير يكشف استخدام الهند للتعذيب لسحق المعارضة في كشمير

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد