السماعات التي نضعها في أذنينا في الطريق أو في العمل، لننعزل في عالم مختلف نختاره بصحبة موسيقانا المفضلة، هي  اختيار مفضل لكثيرين منا، لكن إذا كنت تفضل الاستماع إلى الموسيقى أثناء قيامك بالمهام المختلفة خلال اليوم، فربما يغير لك هذا التقرير بعض اختياراتك، إذ نستعرض هنا تفاعل العقل مع الموسيقى، والأثر الذي تحدثه داخلنا وكيف تغير الطريقة التي نتعامل بها مع المهام التي نقوم بها، وكيف يمكن لنوع الموسيقى أن يؤثر في المخ بشكل مختلف أثناء أداء كل مهمة:

منذ خمسينات القرن الماضي تُجرى العديد من الدراسات لتحديد تأثير الموسيقى في عقولنا، خاصًة وقد تبين أثرها في علاج المرضى في المستشفيات الأوروبية والأمريكية، ولاحقًا أكد العلماء تأثير الموسيقى في تخفيف حدة المشاعر السلبية لدينا، مثل القلق والتوتر، كما أن نوع الموسيقى سعيدة كانت أو حزينة يؤثر في مشاعرنا أيضًا بشكل حقيقي.

وضمن محاولات العلماء للوقوف على تأثير الموسيقى على الأعصاب ظهر ما يمكن تسميته بعلم الأعصاب الموسيقي «neuromusicology» وهو يبحث في تفاعل النظام العصبي لدينا مع الموسيقى، وكيفية تنشيطها لمناطق محددة من المخ.

 

ما الذي تفعله بنا الموسيقى؟

لا يزال العلماء يبحثون تأثير الموسيقى في عقولنا، يجزم كثيرون منهم بأن لها تأثيرًا فسيولوجيًا على الدماغ، بل إن عالم النفس دانييل ليفتن الذي يدرس علم الأعصاب بجامعة مكغيل بمونتريال يقول «إنهم يستخدمون الموسيقى لفهم وظائف وقدرات الدماغ بشكل أفضل، ووفقًا للتجربة التي أجراها ليفتن وزملاؤه على مجموعة من المرضى قبل خضوعهم لعمليات جراحية فإن سماع المرضى للموسيقى قبل الخضوع للعمليات الجراحية جعلهم أقل قلقًا وخفّض نسبة الكورتيزول لديهم بالمقارنة مع المرضى الذين تناولوا أدوية مضادة للقلق.

 

إن ما تحدثه الموسيقى في عقولنا هو نشاط في منطقة من المخ تُسمى «النواة المتكئة» وهي تمنح للجسم شعورًا باللذة لدى التعرض لتجربة ممتعة بحيث يكررها الإنسان مرات أخرى، يفرز المخ مادة الدوبامين التي تُشعره بالسعادة، ويعتمد قدر مادة الدوبامين التي يفرزها المخ على المفاجأة التي يشعر بها، ولذلك يزيد مقدارها وتزيد سعادتنا عند سماع أغنية جديدة أعجبتنا عن سعادتنا بسماع أغنية مفضلة، سمعناها مرات عديدة من قبل.

كما تتفاعل «النواة المتكئة» مع منطقة أخرى من المخ هي «مخازن القشرة السمعية»، التي تعمل على تخزين المعلومات الصوتية طبقًا للموسيقى التي استمع لها الفرد في الماضي.

 

هل تُحدث الموسيقى الأثر نفسه لدى كل منا؟

يختلف تأثير القطعة الموسيقية في عقل كل منا عن الآخر طبقاً لتجاربه الشخصية وميوله والتدريبات الموسيقية التي تلقاها، وبالتالي تؤثر في قدرتنا على التركيز وتثير لدى كل منا عواطف بعينها.

مع ذلك، فإن فحص الرنين المغناطيسي للدماغ لدى مجموعة من الأشخاص عند سماعهم لقطع موسيقية معينة أثبت وجود تشابه في تأثيرات الموسيقى في أدمغتنا من حيث نشاط مناطق بعينها من المخ، وهو تشابه أكبر من الاختلافات التي يُحدثها اختلاف ميولنا وتجاربنا.

هناك جوانب مشتركة إذن لتأثير الأنواع المختلفة من الموسيقى يمكن الاعتماد عليها في اختيارنا لما نسمعه، يُنصح مثلًا بسماع موسيقى بدون كلمات لدى القيام بعمل يتطلب تركيزًا أو تعلّم شيء جديد، بينما يُنصح بسماع أغانٍ عند القيام بأعمال روتينية متكررة إذ تُنقذنا من رتابة هذه الأعمال.

وبشكل عام يبدو أن أفضل استثمار لأنواع الموسيقى المختلفة هو التناوب بينها والفصل بينها بأوقات بدون موسيقى لتُحدث أثرها في قدراتنا، وفقًا للمهام التي نقوم بها.

في الأعمال الروتينية ضع خلفية موسيقية

تزيد الموسيقى قدرتنا على إنجاز أعمال متكررة، وقد أشارت دراسة إلى أن قدرات الأفراد على التعرف على الصور والأرقام تزيد في صحبة موسيقى كلاسيكية في الخلفية أو موسيقى الروك.

وحدثت نتائج مشابهة لدى استخدام الموسيقى في خلفية العمل في أحد المصانع – للتغلب على ضجيج الآلات- أثناء عمليات التجميع، حيث أبدى العاملون قدرات أكبر على العمل وارتكبوا أخطاء أقل.

مهما كان العمل معقدًا فإذا كنت تجيد ما تقوم به بشكل تام سيفيدك سماع موسيقى في الخلفية، ووفقًا لما نشرته مجلة الجمعية الطبية الأمريكية فقد استطاع الجراحون العمل بدقة أكبر في وجود الموسيقى.

 

حين تتعلم شيئًا جديدًا لا تستمع للموسيقى

غير أن الموسيقى تحدّ من قدرتنا على تعلم شيء جديد، إذ نحتاج لمزيد من الطاقة والتركيز الذهني، لمعالجة البيانات وربطها، وحين نستمع للموسيقى خلال التعلم، فإن نسبة الدوبامين التي يفرزها المخ تعوقه عن التركيز حيث لا تكون المعلومات الجديدة مثيرة بالنسبة للمخ بقدر إثارة ومتعة الموسيقى، خاصة إذا كانت جديدة.

 

إذا كانت بيئة العمل صاخبة أعد تشغيلها

إذا كان مكان العمل مليئًا بالضجيج فإن ذلك يستغرق من ذهنك وقتًا لكي يحلل عناصر هذا الضجيج، كل على حده، وهنا يزيد هرمون الكورتيزول، وتقل نسبة الدوبامين، وفي هذه الحالة يكون سماع الموسيقى أكثر راحة للعقل، لذا يُنصح باللجوء لها.

 

أصوات الطبيعة

أمواج البحر وأصوات الطبيعة خلفية ملائمة  للعمل أيضًا – كما تشير دراسة أُجريت عام 2015 –  حيث تزيد القدرة على التركيز وترفع نسبة رضا العاملين في بيئات العمل.

 

قليل من الضوضاء.. موسيقى أخرى

مع ذلك فإن بعض الأبحاث تشير إلى أن بعض مستويات الضوضاء يمكن أن تكون أفضل «موسيقى» يمكنها رفع مستوى إنتاجنا وقدرتنا على الإبداع، في دراسة نشرتها جامعة أكسفورد عام 2012 أشارت إلى أن المستوى المتوسط من الضوضاء يوفر لعقولنا قدرًا من الإثارة يدفعها لإنتاج أفكارًا إبداعية بخلاف الضوضاء العالية.

 

وقد أجرى باحثون تجارب لفهم تأثير الضوضاء على مستوى الإبداع لدى الأفراد، وكيف يؤثر مستوى الأصوات المحيطة، واستخلصوا أن وجود الأفراد في محيط ذي ضوضاء متوسطة المستوى (70 ديسيبيل تقريبًا) يدعم قدراتهم الإبداعية أكثر من وجودهم في بيئات هادئة تمامًا، ونصحوا بألا نحرص على العمل في المكتبات فقط، وبأن تصبح المقاهي وجهتنا أيضًا للعمل قليلًا في محيطها الصاخب بعض الشيء الذي يتيح لعقولنا إنتاج الأفكار الإبداعية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد