4,294

كانت الطبيعة دائمًا مصدرًا للراحة والطاقة والشعور بالاسترخاء، وكان بإمكاننا – منذ مئات وربما آلاف السنين – لمس التأثير النفسي للبقاء في مكان طبيعي، لكن دراسات حديثة أشارت إلى وجود تأثير أكبر على الدماغ، وتغيرات جسمانية أيضًا يمكن رصدها على أولئك الذين يتصلون بالطبيعة، فما الذي تفعله بنا؟

Embed from Getty Images
تتضاعف فوائد الرياضة عند ممارستها بصحبة الطبيعة

التغيرات الكهروكيميائية في الدماغ: «السحر الناعم»

نشرت المجلة الأمريكية للطب الرياضي دراسة أشارت فيها إلى أن الجري في الطبيعة وقضاء الوقت في ظل الأشجار يتسبب في حدوث تغيرات كهروكيميائية في الدماغ تؤثر بدورها في تقليل شعورنا بالإجهاد الذي يسببه الانتباه.

وقد رصدت هذه الدراسة التغيّر الذي يحدث في الدماغ من خلال سماعات تُجري تخطيطًا كهربيًا للدماغ وترسل البيانات إلى هاتف ذكي، بحيث تتوافق الترددات الكهربائية للأمواج الدماغية مع حالات الشعور المختلفة، ويصبح بالإمكان التعرف عليها.

Embed from Getty Images
لدى تركيزنا في شيء ما، ترتفع أمواج «بيتا» التي تشير إلى اندماجنا في عمل دائم، وحين تزيد هذه الأمواج يُصاب دماغنا بالإرهاق جراء التركيز الدائم، هذا الإرهاق هو ما يتسبب في أمراض مثل الاكتئاب والبدانة وأمراض القلب. تحدث عملية عكسية حين نمتلك القدرة على الانتباه لعدة مثيرات في الطبيعة؛ المساحات الخضراء وصوت الماء وانعكاس الضوء الطبيعي عليها؛ فقد اكتشف الباحثون أن النظر إلى الطبيعة يعمل على تخفيض نبضات القلب، وتقليل مستوى الكورتيزول، بالرغم من تعرضنا لعدة مثيرات؛ لأننا في الطبيعة يكون لدينا الكثير من الحرية، إذ لا شيء يستأثر بانتباهنا ويكون بصرنا حرًا على امتداد المنظر.

هناك نوعان من الانتباه إذًا، الانتباه الموجّه والافتتان؛ إذ يمكن للأول أن يسبب ما يُسمى بـ«إعياء الانتباه الموجّه» بما يرافقه من اندفاع وتشتت وتهيج. بينما يمكن للافتتان بالسحر المتأصل في الطبيعة أن يساعدنا على التعافي من هذه الحالة بالانتباه تلقائيًا، ففي بيئة ساحرة مثل الطبيعة يتواجد ما يخفف من أثر الانتباه الموجّه الذي نمارسه في أغلب أوقاتنا.

وهذا ما تشير إليه أيضًا أبحاث راشيل وستيفن كيبلين، عالمي النفس البيئي؛ إذ يعيدون تأثير الطبيعة إلى ما يسمونه «السحر الناعم»، ففيما يُعتبر الانتباه لعدة مثيرات في البيئة الحضرية مرهقًا لعقولنا، فإن تعرضنا لعدة مثيرات في الطبيعة، مثل تغريد العصافير وغروب الشمس وغدير الماء، يُشعرنا بالهدوء.

الطبيعة شفاء.. استمع إلى صوتك الداخلي!

كان جريجوري براتمان، طالب دراسات عليا، يدرس في جامعة ستانفورد المشكلات النفسية التي تتزايد لدى سكان المدن مقارنة بمن يعيشون قرب الطبيعة والغابات، وقد استكمل مع مجموعته البحثية تتبّع ما تفعله بنا الطبيعة، فدرس علاقة المشي في الغابة بميل الشخص إلى اجترار الماضي المؤلم، وهي حالة معروفة بين العلماء بأنها إحدى مقدمات ومسبّبات الاكتئاب.

تمكّن براتمان وزملاؤه من رصد زيادة في نشاط قشرة الفص الجبهي لدى الأشخاص حين يقومون بـ«الاجترار»، وعاد الباحثون لمقارنة نشاط هذه المنطقة بعد قضاء هؤلاء الأشخاص لحوالي تسعين دقيقة في الطبيعة أو على الطريق السريع دون أن يُسمح لهم بالاستماع إلى الموسيقى، ولاحظ الباحثون أن أدمغة المجموعة التي قضت الوقت في الطبيعة أكثر هدوءًا وأن تدفّق الدم إلى قشرة الفص الجبهي كان أقل مما سبق.

Embed from Getty Images
فيما تُرجع دراسة أخرى الأثر الذي تُحدثه الطبيعة على الصحة النفسية، وقوى الشفاء لديها؛ إلى أنها تسمح للإنسان بالاستماع – بعيدًا عن ضجيج الحياة المتواصل- إلى الصوت الداخلي؛ الأمر الذي يمنحنا الوعي الذاتي والدعم الداخلي الذي نحتاجه للوصول إلى النضج النفسي، كما يخبرنا الصوت الداخلي عن كيفية الحفاظ على الصحة والتوازن العضوي.

هل تشعر بالقلق؟ الجأ للطبيعة

يبحث المتخصصون في علم النفس البيئي، والدراسات الطبية، وعلاقة البيئة بالسلوك والعواطف، وبشعور السعادة على وجه الخصوص – عما تمنحه لنا المساحات الخضراء من سلام وهدوء، ومؤخرًا فقط ظهرت الأدلة العلمية على وجود هذا التأثير في الدماغ بشكل أمكن رصده من خلال تقنية تخطيط أمواج الدماغ التي تسجل وتحلل التجارب العاطفية في الدماغ، وقد أُجريت الدراسة على ثلاث مجموعات، قامت بالمشي لمدة 25 دقيقة في أماكن مختلفة؛ الأولى: قامت بالسير في شارع تجاري، والثانية: في شارع مزدحم، والثالثة: في مساحة خضراء، وكشفت النتائج أن المجموعة الثالثة سجّلت قدرة أعلى على التأمل ومعدلات أقل من الإثارة والإحباط.

إذ يقلل المشي لمسافات طويلة، وأي نشاط بدني آخر، من معدلات القلق والضغوط والإجهاد، وخاصة إذا تمت ممارسته في الطبيعة. ففي اليابان قامت مجموعتان بممارسة رياضة الجري لمسافة واحدة، إحداهما في الطبيعة والأخرى في المدينة، وقام المشاركون بملء استبيانات حول حالتهم المزاجية ومستويات الإجهاد، ولاحظ القائمون على التجربة انخفاض معدلات ضربات القلب لدى المجموعة التي مارست الجري في الطبيعة، وهو ما يعني وجود تأثير أكبر من تأثير ممارسة الرياضة.

الاتصال بالطبيعة يحد من وقوع الجرائم

يحقق اتصالنا بالطبيعة عواقب اجتماعية أيضًا، تتبّعها باحثون من جامعة كارديف في المملكة المتحدة، فقد درسوا العلاقة بين المساحات الخضراء في المدن وتماسك المجتمع وحدوث الجرائم، وكشفت الدراسة أن وجود المساحات الخضراء، والاتصال بالطبيعة، قلل نسبة الجريمة بنسبة 4%، وزاد من معدل التماسك الاجتماعي بنسبة 8%، وأكد الباحثون أنه، وبالرغم من صعوبة الفصل بين التأثيرات المختلفة، إلا أن الملاحظة العامة أنها تزيد التماسك الاجتماعي والترابط والدعم المتبادل بين أفراد المجتمع، حتى في المجتمعات ذات المستويات الاقتصادية الأقل، وتلك التي تنتشر فيها البطالة، أو تزيد فيها الكثافة السكانية.

الطبيعة تدعم القدرات المعرفية لدى الأطفال

ينصح المتخصصون أيضًا أن نحفظ للطفل حقه في التعرض للبيئة الطبيعية؛ لكي يستفيد مما تمنحه الطبيعة من هبات، ولنخفف من تأثير انغماسه الدائم في البيئة الحضرية وما يسببه له من توتر، وقد كشفت دراسات حديثة أهمية تعرض الطفل للبيئات الطبيعية وأثره على صحته الجسدية والعاطفية والنفسية، فهي تغرس بداخله الجمال والهدوء والصبر والتأمل، وتعزز الرغبة في الاستكشاف، وتسمح بتنمية الحواس وتعزيز القدرة على التخيّل والتفاعل مع عناصر الطبيعة، وتثري تجاربه وتعمّق فهمه للعالم، كما تزيد شعوره بالأمان والاستقلال، وتدعم قدراتهم المعرفية، ويكون غالبًا أكثر صحة من الأطفال الذين لم يتصلوا بالطبيعة.

Embed from Getty Images

«بيوفيليا».. كيف تحتفظ بالطبيعة في المدن

إن ما اعتقدناه لسنوات أصبح له دليل علمي؛  فقد ظهرت في هذا المجال تطبيقات متعددة لما أثبته العلم من تأثير الطبيعة على حياتنا، ولتكون الطبيعة جزءًا من حياتنا اليومية، ولكي لا يُضطر الناس للتوجه إلى الغابة للاستمتاع بالآثار المنعشة للطبيعة، وجدت عدة تطبيقات بسيطة في الحياة اليومية، ومن أبسطها تصميم المكاتب لتطلّ على مناظر طبيعية؛ فقد أثبتت التجارب أن العاملين في هذه المكاتب يحبون وظائفهم أكثر، ويتمتعون بصحة أفضل، ولديهم رضا أكبر عن الحياة.

ما تمنحه لنا الطبيعة دعا الكثيرون للحفاظ على المساحات الخضراء من ناحية، وإلى قضاء مزيد من الوقت فيها من ناحية أخرى، ودفع مصممين ومعماريين إلى بحث السبل التي تمكّننا من البقاء بصحبة الطبيعة خلال يومنا العادي، بين هذه التطبيقات تصميم بيوفيليا، الذي يستحضر عناصر الطبيعة ويدمجها في البناء والمعمار الحضري، بحيث يمكننا الاستمتاع والتفاعل مع الطبيعة في المنزل، ومكان العمل والمدارس والمستشفيات.