ينتاب العديد في الغرب الحيرة إزاء الحرب التي يقودها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا. لمَ لا وقد أفضت تلك التحركات الروسية في شرق أوكرانيا إلى تداعيات سلبية، بما في ذلك من عقوبات اقتصادية وانخفاض للتصنيف الائتماني وعزلة دولية.

ويتساءل البعض الآخر عن الدوافع الأساسية لموسكو في أوكرانيا. هل هي جزء من إستراتيجية شريرة لتقسيم وإضعاف الغرب، أم أنها تصورات غير عقلانية من جنون العظمة عن وجود تهديدات خارجية بحق روسيا، أم أنها محاولة يائسة لصرف انتباه الرأي العام عن الفشل السياسي والاقتصادي للنظام؟

وكان الكرملين قد ضم شبه جزيرة القرم التي تضم أحد القواعد الروسية البحرية الهامة، وساعد على تمرد الانفصاليين في اثنتين من المدن الأوكرانية وهما دونيتسك ولوجانسك. وبدعم من الجيش الروسي والمخابرات، تم الإعلان عن جمهورية دونتسيك الشعبية وجمهورية لوجانسك الشعبية من جانب الانفصاليين.

وفي الوقت الذي تسعى فيه أوكرانيا جاهدة نحو الحصول على دعم مالي وعسكري من قبل الغرب، ما تزال الولايات المتحدة تدرس إرسال شحنات من الأسلحة إلى أوكرانيا. غير أن واشنطن ترجئ إرسال تلك الشحنات انتظارًا لما ستسفر عنه المفاوضات التي تتم برعاية فرنسية ألمانية بهدف التوصل إلى صفقة دبلوماسية يمكن أن تحقق هدنة بين كافة الأطراف.

قليل من يعتقد بصحة المبررات الروسية للحرب. فالروس لا يتعرضون للاضطهاد في أوكرانيا. كما أن الحكومة في كييف ليست بالحكومة الفاشية، فضلًا عن أن الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوكرانيا تعاني أوضاعًا سيئة بدرجة أكبر مما يحدث في أوروبا الغربية.

 وبعيدًا عن التهديدات الروسية وخفض الإنفاق الدفاعي لدول حلف شمال الأطلسي، يمكن تلخيص النظريات الرئيسية الثلاث حول دوافع فلاديمير بوتين بأنها “سيئة”، “مجنونة” أو “حزينة”.

فبينما يعتقد أصحاب نظرية “الدوافع السيئة” بأن روسيا تستغل الضعف الغربي والانقسام الأوروبي والحيرة الأمريكية لإعادة تأسيس الهيمنة الناعمة التي تستند إلى الطاقة والرشوة والدعاية والتخريب، يرى دعاة نظرية “الدوافع المجنونة” أن السيد بوتين، شأنه في ذلك شأن المستبدين؛ مدفوع بأيديولوجية سامة تتألف من قومية عرقية وحنين إلى الماضي السوفيتي والإمبريالية الروسية، يواجه التهديد الغربي المزعوم بمزيد من التهور.

أما أصحاب نظرية “الدوافع الحزينة” فيعتقدون أن النقطة الأساسية حول روسيا هي ضعفها. اقتصاد راكد، وفساد مُسْتشْرٍ، وانهيار في البنية التحتية وخيبة أمل لدى الشعب الروسي من النخبة وحتى القواعد الشعبية، وغير ذلك من العقبات التي تعترض طريق الزعيم الروسي. وإذا كان بوتين قد جاء إلى السلطة في وقت شهد عائدات نفطية أخذت في التلاشي، فإن الدعاية وقعقعة السيوف لن تجدي نفعًا في غياب القوة الاقتصادية.

تلك التصورات الثلاثة لا تنفصل عن بعضها البعض وتحوي كل منها جانبًا من الحقيقة. بل إنها تتشارك قاسمًا مشتركًا إذ أنها تمنح بصيصًا من الأمل لأوكرانيا. سواءً كان السيد بوتين  يسعى من الحرب في أوكرانيا إلى زعزعة الاستقرار في البلاد لإذلال الغرب، أو لأنه يخشى بالفعل من أن تتحول كييف يومًا ما إلى قصة ناجحة على غرار النمط الأوروبي، فإن ذلك لا يعني بالأساس عائلات الآلاف من الضحايا، أو غيرهم من الملايين الذين يواجهون الآن الفقر والبؤس.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد