«لا أحد يريد الحرب، إلا أن الخروج من هذا المأزق يحتاج لدبلوماسية ماهرة، التي لم يظهر فريق ترامب أنه جيد فيها»، هذا ما قاله الكاتب الأمريكي نيكولاس كريستوف، في مقاله بصحيفة «نيويورك تايمز» تحت عنوان «نحن لسنا مرتزقة للسعودية»، محذرًا بلاده من الانزلاق نحو مواجهة مع إيران.

بيد أن الموقف السعودي ما يزال غير واضح من إيران التي اتهمتها بتوجيه ضربة قوية لمنشآت «أرامكو» في منطقة بقيق السعودية، التي تعد أكبر مصنع لتثبيت النفط الخام في العالم، لذا يبحث التقرير التالي حول السيناريوهات التي قد تقدم الرياض على أحدهما لرد على إيران.

احتمالية الرد السعودي المباشر على إيران

لم تكن الضربة العسكرية التي نالت  من منشآت شركة «أرامكو»، في 14 سبتمبر (أيلول) الأولى التي تهاجم فيها إيران مصالح حيوية للمملكة خلال عام 2019، إذ سبقها عمليات الفجيرة في 12 مايو (أيار)، وكذلك ضربة 14 مايو التي استهدفت خط أنابيب شرق- غرب السعودية.

جنود إيرانيون يقفون على متن قارب خلال مناورات بحرية في مضيق هرمز جنوب إيران

ولعدم وجود ردة فعل سعودية على ما سبق، يتوقع الباحث السوري في «مركز جسور للدراسات»، عبد الوهاب عاصي، غياب الرد السعودي على حادثة ضرب «أرامكو» الأخيرة، أو يتوقع على الأقل أن تعوّل الرياض على الجهود الدولية لحماية مصالحها، بمعنى «أن يكون الرد مشتركًا، وليس أحادي الجانب من طرف الرياض».

وحول سيناريو الرد الجماعي، يوضح العاصي لـ«ساسة بوست» أن هذا السيناريو قد يتم عبر الاعتماد على جهود الولايات المتحدة في تشكيل تحالف لحماية أمن الطاقة والملاحة في منطقة الخليج العربي، وأن توجه السعودية ضربات عبر هذا التحالف ضمن سياق الاستراتيجية الأمريكية الساعية إلى تعديل سلوك إيران في المنطقة، والتي تعني محدودية أي ضربة أو رد محتمل.

وفيما يتعلق بسيناريو الرد بالمثل، بمعنى أن توجه السعودية ضربات عبر صواريخ أو طائرات مسيرة على إحدى منشآت الطاقة الإيرانية على الخليج العربي، يعتقد العاصي أن مثل هذا الخيار يحتاج إلى وكلاء تتم عبرهم تلك العمليات، وهذا يقود إلى احتمال دعم إحدى المجموعات المسلحة في الأحواز المناهضة لحكم إيران.

وعن احتمالية الرد المباشر، الذي يتمثل بقيام المملكة عبر أسلحتها الصاروخية والجوية بضرب أهداف ومصالح إيران في المنطقة عمومًا، على أن تتبنى المسؤولية المباشرة عنها، يعقب العاصي: «صحيح أن هذا الخيار قد يقود إلى الرد والرد المقابل، وتوسيع نطاق العمليات بين الطرفين، لكن لا يوجد ما يبعث على اليقين بأن أحدهما يرغب بالانزلاق إلى حرب شاملة، لذلك فإن لدى المملكة هامش الرد ضمن سياسة حافة الهاوية الذي تنتهجه إيران».

وفيما يتعلق بسيناريو محاكاة الضربات الإسرائيلية، يعقب العاصي بالقول: «قد تقوم المملكة بتوجيه ضربات إلى مصالح إيران في سوريا والعراق عبر سلاحها الجوي، دون تبني العمليات وحتى نفيها بشكل غير رسمي، مثلما جرى الحديث مؤخرًا عن وقوفها وراء الضربات التي استهدفت ميليشيات إيرانية في البوكمال، في الواقع إن مثل هذا الأسلوب يساعد المملكة على الإمساك بحدود المواجهة والرد».

حربٌ محتملة تلوح في الأفق.. هذه خيارات إيران في حال أعلنت أمريكا الحرب عليها

توسيع العمليات ضد وكلاء إيران

لا يتوقع الباحث في الدراسات الأمنية وشؤون الشرق الأوسط، أحمد الباز، أن ترد السعودية ردًّا مباشرًا؛ أي توجيه هجمة تجاه إيران، قياسًا على عدم ردها عندما استهدفت ناقلاتها النفطية في السابق.

ويتابع الباز القول لـ«ساسة بوست»: «لا يمكن الظن أن ضخامة الهجوم الأخير قد يدفع الرياض للرد؛ لأن الأمر يرتبط بالنتائج المترتبة على رد تجاه إيران، فالسعودية تعلم أن إيران سترد بدورها بشكل مباشر وغير مباشر عبر ميليشياتها».

جنود سعوديون من وحدة مدفعية يقفون وراء كومة من الذخيرة في موقع قريب من الحدود السعودية اليمنية

ويقرأ الباز السيناريو الأكثر احتمالًا، بأن يكون الرد السعودي عبر تكثيف عدة هجمات ضد الحوثيين في اليمن فقط، وذلك لكون السعودية لن تتواني عن دعم أي عملية ضد النظام الإيراني، عبر أي جهة مناوئة للنظام، فإيران هي من اعتمدت هذا الأسلوب في المواجهة، أي التنفيذ عبر وكيل، لذلك لن تفوت السعودية الفرصة إن سنحت لها.

ويتوافق رئيس تحرير موقع «إيران إنسايدر»، أيمن محمد، مع الباز في أن السيناريو الأقرب الآن هو أن توسع السعودية عملياتها العسكرية ضد وكلاء طهران في المنطقة، وخاصة ميليشيا الحوثي في اليمن، عبر شن عمليات عسكرية أقسى وأشد قوة، وكذلك في سوريا عبر بوابة التحالف الدولي، الذي تقوده واشنطن ضد «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)».

ويضيف محمد لـ«ساسة بوست»: «بعد الاتهام الأخير من قبل الرياض لإيران بالوقوف وراء الهجمات، أعتقد أن الأيام المقبلة حبلى بالمفاجآت، وستحددها طبيعة التوافق الأمريكي السعودي على حجم الرد وتوقيته ومكانه، وسيتم الإعلان عنه كرد على الضربات التي استهدفت المنشأتين النفطيتين».

ويشدد محمد على أن إيران هي من تبحث عن التصعيد، على عكس الرياض أو أمريكا؛ فعدة تحرشات سابقة من قبل طهران، سواء في مضيق هرمز عبر مهاجمة السفن أو إسقاط الطائرة الأمريكية المسيرة واحتجاز ناقلة النفط البريطانية، ومؤخرًا استهداف منشأتي نفط بالسعودية، إشارات على أن طهران هي من تبحث عن التصعيد؛ لأن العقوبات الأمريكية أرهقت النظام الإيراني، الذي بات يواجه ضغوطًا غير مسبوقة منذ الانسحاب الأمريكي الأحادي من الاتفاق النووي المبرم بين مجموعة «5+1» وإيران في فيينا 2015.

تحالف دولي ضد إيران؟

يدرك الأمريكيون أن خياراتهم لدعم السعودية في معركتها مع إيران، خاصة إثر ضرب منشآت «أرامكو» محدودة، لذا رد النائب بالكونغرس الأمريكي، آدم كي كيزينغر، على تساؤل حول: ماذا يحدث إن ردت المملكة العربية السعودية ردًّا عسكريًّا على إيران؟ بالقول: «لنكن واضحين في ذلك، إن ضربت السعودية إيران، حتى وإن كانت الضربة جزئية، فباعتقادي أنها بذلك قد أشعلت حربًا إقليمية».

 

وأضاف كيزينغر الذي خدم في القوات المسلحة الأمريكية في كل من العراق وأفغانستان: «لنفكر بالموضوع، ضربة أمريكية ضد منشأة نفطية إيرانية أو الأسلحة التي استخدمت في هجوم «أرامكو»، وهذا رد جزئي، أو ما أعتقد أنه يجب القيام به وهو استهداف مصالح إيرانية في سوريا، هذا سيكون ردًّا يترتب عليه ردود يمكن أن تكون أي شيء، وباعتقادي لن يكون هناك أي رد من إيران عليه».

يوضح لنا المحلل السياسي العراقي، هلال العبيدي، أن السعودية اعتمدت سياسة النفس الطويل، وهي سياسية تسمح لها بعرض وقائع هذه الضربة، وتحديد مصدر الأسلحة، وهذا ما وقع، ليبقي فقط تحديد مصدر إطلاق هذه الصواريخ والطائرات المسيرة، التي ضربت منشآت شركة «أرامكو»، هل انطلقت من زوارق في الخليج العربي؟ أم من الحدود العراقية السعودية  التي تسيطر عليها مليشيات إيرانية؟ أم انطلقت من الأراضي الإيرانية نفسها؟

ويرجح العبيدي أن يتمخض عن وصول فرق أممية عالمية إلى السعودية، حلف دولي بقيادة الولايات المتحدة والسعودية والاتحاد الأوروبي؛ لتكوين مظلة تحمي منطقة الخليج العربي من ردود الأفعال الإيرانية أولًا، ثم قد يحدث أن تضرب أهداف منتخبة سعودية بقيادة هذه الحلف.

ويشدد العبيدي لـ«ساسة بوست» على أن السعودية كانت حريصة على تكوين حلف دولي يتولى مهمة معاقبة إيران بتوجيه ضربات لها، خاصة أن هناك قائمة من الأهداف المحتملة، كمصفاة النفط في عبادان وغيرها من المنشآت الإيرانية، ويضيف: «هناك تحالف يتبلور في الأفق ضد إيران، خاصة بعد أن فهم الاتحاد الأوروبي دور إيران المخرب في المنطقة».

كما لا يستبعد العبيدي أن يكون هناك تحرك من داخل طهران، ويوضح: «هناك خلايا نائمة تابعة للمعارضة العراقية  ومخابرات دولية داخل طهران، ويعد هذا أيسر سيناريو يمكن أن يحدث بعد توجيه ضربة عسكرية قوية إلى إيران، وهو يأتي في وقت أنهكت فيه العقوبات الأمريكية على إيران المجتمع الإيراني من الداخل، فالنظام الإيراني كلما ضعف داخليًّا يكون شرسًا ويحاول أن يؤذي الآخرين».

شبح الـ100 دولار حاضر.. أبرز التوقعات عن سوق النفط بعد هجمات «أرامكو» السعودية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد