في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) 2021 أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم في ستوكهولم فوز كل من العالم الألماني كلاوس هاسلمان، والعالم الياباني الأمريكي سيوكورو مانابي بجائزة نوبل في الفيزياء 2021 مناصفة مع العالم الإيطالي جورجيو باريزي؛ وذلك «لمساهمتهم الرائدة في فهمنا للأنظمة الفيزيائية المعقدة» وفق ما ورد في نص البيان.

وأضافت الأكاديمية السويدية للعلوم في بيانها أن «الأنظمة المعقدة تتميز بالعشوائية والفوضى ويصعب فهمها، ولذلك تكرم جائزة هذا العام الأساليب الجديدة لوصفها والتنبؤ بسلوكها في الأجل الطويل»، فما هي الأنظمة الفيزيائية المعقدة التي يتحدث عنها البيان؟ وما هو الإنجاز الذي قدمه هؤلاء العلماء ليحصلوا على جائزة نوبل هذا العام؟ هذا ما سنحاول شرحه عزيزي القارئ في هذا التقرير.

من الذرة للكوكب.. عالمنا تحكمه النظم الفيزيائية المعقدة

قال ثورز هانز هانسن، رئيس لجنة نوبل للفيزياء أثناء إعلانه عن الجائزة: «نحن وعالمنا فيض من التعقيد، فمن الذرة للكواكب؛ كلما أمعنا النظر؛ دائمًا ما تظهر لنا المزيد من التفاصيل»، فإذا سافرت للفضاء ونظرت لكوكب الأرض من مسافة بعيدة؛ سيبدو لك وكأنه ذرة صغيرة، وإذا نظرت لأي شيء أمامك الآن، ولتكن كرة تنس صغيرة، ستبدو لك مجرد كرة بيضاء صغيرة كما يبدو كوكب الأرض لمن في فضاء على أنه كرة زرقاء صغيرة، ولكن كلما اقتربنا – من كوكب الأرض أو كرة التنس – ستظهر لنا المزيد من التفاصيل.

فكوكب الأرض عندما تهبط عليه لن يكون كرة زرقاء صغيرة، بل ستجد عليه أشكالًا متعددة من الحياة بين البشر، والحيوانات، والنباتات، والبحار، والمحيطات، وكرة التنس إذا نظرت لها تحت ميكروسكوب ستجدها هي الأخرى مليئة بالتفاصيل الصغيرة المعقدة، مثل الذرات، والتي تحتوي بدورها على من مجموعة من الإلكترونات، والبروتونات، والنيوترونات، والكواركات.

وتلك الأنظمة الفيزيائية، سواء الضخمة، مثل كوكب الارض أو كرة صغيرة؛ تحكمها آليات عمل معقدة عجز البشر لفترة طويلة عن فهمها بشكل كامل، وجائزة نوبل هذا العام في الفيزياء مُنحت للعلماء الذين قدموا إسهامات بارزة في فهم تلك الأنظمة المعقدة في عالمنا، بداية من الذرة وحتى الكوكب كاملًا.

ولذلك حصل مانابي – 90 عاما – وهاسلمان – 89 عامًا – على الجائزة عن «النمذجة الفيزيائية لمناخ الأرض ولقياس تقلباته وتوقع الاحترار المناخي بشكل موثوق به»، أما باريزي – 73 عامًا – فنالها عن «اكتشاف تفاعل الفوضى والتقلبات في الأنظمة الفيزيائية من النطاق الذري إلى المقياس الكوكبي».

وللتعرف أكثر إلى الفائزيم، فسيوكورو مانابي مواليد 1931 في شينجو باليابان، وحصل دكتوراه 1957 من جامعة طوكيو باليابان، وكلاوس هاسلمان من مواليد هامبورج عام 1931 بألمانيا، ونال الدكتوراه عام 1957 من جامعة جوتنجن بألمانيا، وهو أستاذ بمعهد ماكس بلانك للأرصاد الجوية، بمدينة هامبورج الألمانية، وجورجيو باريزي مواليد 1948 في روما بإيطاليا، وحصل على الدكتوراه عام 1970 من جامعة سابينزا في روما بإيطاليا، وهو أستاذ بجامعة سابيينزا في روما بإيطاليا.

التغير المناخي.. بطل المشهد الحالي

قالت الأكاديمية في بيانها: «إن هناك اعتقاد شائع بأن الفيزياء تتحدث فقط عن ظواهر فيزيائية مثل أن الأرض تدور حول الشمس، ولكن الفيزياء أكثر من ذلك بكثير، ومن شأنها استخدام النظريات الأساسية لتوضيح العديد من الظواهر بصورة أكثر مما يعتقد البعض».

وبسبب الفيزياء ودراستها، يمكنك الآن – عزيزي القارئ – بضغط زر البحث على «جوجل» بعد أن تكتب «التغير المناخي» الوصول بسهولة إلى المعلومات والتنبؤات التي تخص الاحتباس الحراري، فكلمة احتباس حراري وتغير مناخي أصبحا تعبيرات متداولة في الصحافة العالمية والعربية الآن، بعد أن نُشرت العديد من الدراسات الحديثة التي تتنبأ بما سيكون عليه طقس الأرض.

من السهل أيضًا أن تفهم من خلال بحث صغير على محرك بحث «جوجل» ما هو الاحتباس الحراري، وكيف يمكن لثاني أكسيد الكربون الذي ينبعث من الأرض للغلاف الجوي؛ أن يتسبب في ارتفاع درجة الحرارة على كوكب الأرض، ولكن كل تلك الأمور التي تعتبر الآن بديهيات بالنسبة لأي شخص مهتم بالعلوم أو بملف التغير المناخي، حتى ستينات القرن الماضي، لم يكن لها وجود من الأساس، لولا إنجازات وأبحاث عالم الفيزياء كلاوس هاسلمان حول «النمذجة الفيزيائية لمناخ الأرض، ولقياس تقلباته، وتوقع الاحترار المناخي بشكل موثوق فيه».

 فهذا العالم – هاسلمان – الذي اقترب عمره من قرن كامل، لم يحصل على الجائزة عن كشف حديث، بل حصل عليها عن مجمل جهوده طوال العقود الماضية، تلك الجهود التي بُنيت عليها مئات الدراسات الحديثة عن التغير المناخي والتوقعات الخاصة به.

أما مانابيه فكان إسهامه مكملًا لعمل كلاوس، فهو صاحب الريادة في استخدام أجهزة الكمبيوتر لمحاكاة المناخ العالمي والتغيرات المناخية الطبيعية، وطوّر في أوائل الستينات سُبل من شأنها الكشف عن تأثير دور الغازات الدفيئة والأوزون على الهيكل الحراري للغلاف الجوي، وكيف يمكن لثاني أكيد الكربون، وبخار الماء الموجودين في الغازات الدفيئة أن يؤثرا في الغلاف الجوي وتغيير ظروفه.

وكانت تلك الخطوة هي الأولى في مشوار علمي طويل زاخر بالأبحاث العلمية طويلة المدى حول ظاهرة الاحتباس الحراري، وفي حوار هاتفي – أجراه معه المركز الإعلامي لجائزة نوبل – صرح هاسلمان أن» علماء الطبيعة يحذرون من التغير المناخي منذ أكثر من 50 عامًا».

وتقول ليا ألبريخت محررة العلوم في «دويتشه فيله» في تقرير مصور عن الحدث – جائزة نوبل – إن منح الجائزة للعالم الذي أرسى أسس فهم آليات عمل التغير المناخي، وتأثيره على كوكب الأرض، لهو رسالة واضحة لكل العالم عن ضرورة الاهتمام بمناخ الكوكب، ومحاولة إنقاذه من الاحتباس الحراري، وتعتقد – ليا – أن تلك الجائزة في هذا التوقيت، وقبل شهر من انعقاد مؤتمر جلاسكو للتغير المناخي مدينة غلاسكو الأسكتلندية؛ والذي من شأنه بحث قضية التغير المناخي، سيكون لها أثر قوي على مسار المؤتمر والقرارات فيه.

وقد تقاسم كل من هسلمان ومانابايه نصف الجائزة، بينما ذهب النصف الآخر لعالم الفيزياء جورجيو باريزي، المتخصص في فيزياء الجسيمات، والذي يعمل حاليًا أستاذًا للفيزياء النظرية ونظريات الكم بجامعة سابيينزا في روما.

كيف تعمل أصغر مكونات الكون؟

هل سألت نفسك من قبل ما هو أصغر عنصر أو شيء موجود في الكون؟

ربما تجيب بأنها الذرة، وتلك الإجابة كانت إجابة العلماء أيضًا لفترة طويلة، حتى تطورت الأجهزة المجهرية الحديثة وعلمنا أن الذرة ليست أصغر مكون للكون؛ لأن الشيء الأساسي المؤسس للكون يجب ألا يكون قادرًا على الانقسام أو الانشطار، والذرة ليست كذلك، فقد اكتشف العلماء أنها تحتوي على مجموعة من الإلكترونات سالبة الشحنة، تدور حول نواة الذرة المتناهية الصغر والموجبة الشحنة.

أما نواة الذرة نفسها فتتكون من مجموعة من البروتونات والنيوترونات، ولذلك فالذرة بالنسبة للعلم حتى وقت طويل كانت تتكون من ثلاثة عناصر هم الإلكترون، والبروتون، والنيوترون؛ ثم ظهر «الكوارك» في عام 1968 على يد عالم الفيزياء الأمريكي موري جيلمان، حين اكتشف أن هذا الجسيم المتناهي الصغير ينشأ عن تصادم شديد بين البروتون والإلكترون داخل الذرة.

ويعتقد علماء الفيزياء الآن أن المادة الأساسية المكونة للكون هي 12 جسيم أولي متناهي الصغر، هي الكواركات واللبتونات، والتي ليس لها بنية تحتية ثانوية، بمعنى أن العلماء حتى الآن لا يمكنهم تقسيمها إلى جسيمات أصغر، وتتفاعل تلك الكواركات واللبتونات لتشكل الكون كما نعرفه في شكله النهائي.

وحتى نفهم الكون من حولنا، سواء على مستوى الذرات الصغيرة أو الكواكب الكبيرة، لن يكون كافيًا اكتشاف ماهية مكوناته، ولكن من المهم أيضًا اكتشاف وفهم كيف تتفاعل بعض تلك الجسيمات مع بعضها، وما هي القوانين الكمية التي تحكمها. وهذا هو الإنجاز الذي قدمه جورجيو باريزي للمجتمع العلمي، فقد استطاعت أبحاثه أن تطوّر طرقًا جديدة لرصد تلك التفاعلات بين الجسيمات متناهية الصغر المكونة للذرة، وبالتالي المكونة للكوكب ككل، وهو الاكتشاف الذي قالت عنه اللجنة إنه يجعل من الممكن «فهم العديد من المواد والظواهر المختلفة والعشوائية ووصفها بالكامل».

وتلك الأساليب الجديدة التي عمل على تطويرها فتحت الباب لتطوير كل من مجالات البحث في علم الأعصاب، ومجال «تعلم الآلة»، وهو أحد فروع الذكاء الاصطناعي، والذي يهتم بتصميم وتطوير خوارزميات وتقنيات تسمح للحواسيب بامتلاك خاصية التعلم الآلي. 

يحوم الغموض والتساؤل، بدايةً من الذرة، وصولًا إلى المادة المظلمة التي يتكون منها، ما يزيد عن 90% من الفضاء الخارجي، ولكن أيضًا لا ينقطع البحث والسعي البشري وراء فهم تلك الظواهر والأنظمة الفيزيائية المعقدة للكون وعناصره الأساسية المكونة، وفي المقابل هناك كوكب الأرض الذي نعيش عليه أثناء تلك الرحلة الساعية للفهم والعلم، ويجب أن نحافظ عليه ليكون صالحًا للحياة من أجل الأجيال القادمة، ولذلك جاءت جوائز نوبل للفيزياء هذا العام 2021 لمن ساهم في المجالين: فهم المخاطر التي يتعرض لها مناخ كوكب الأرض، وفهم آلية عمل مكونات الكون من الذرة للكواكب.

المصادر

تحميل المزيد