أصبح تدخل الجيش المصري بقوة، في الحياة الاقتصادية في مصر، أمرًا لا مُراء فيه، ولا يستطيع أن ينكره أحد، إلا من تكلل بالهوى، وربما الخلاف يدور حول مقدار حصة اقتصاد الجيش من جملة الاقتصاد المصري

أصبح تدخل الجيش المصري بقوة، في الحياة الاقتصادية في مصر، أمرًا لا مُراء فيه، ولا يستطيع أن ينكره أحد، إلا من تكلل بالهوى، وربما الخلاف يدور حول مقدار حصة اقتصاد الجيش من جملة الاقتصاد المصري. فما تأثير اقتصاد المؤسسة العسكرية على الاقتصاد المصري؟ ألا يساهم النشاط الاقتصادي للجيش في ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي في مصر؟ ألا يعمل اقتصاد الجيش في فلك الاقتصاد المصري وهو ما ينعكس بالإيجاب على الأخير؟ نوضح هذا الأمر ولكن نحاول قبلها عرض لمحة سريعة عن حركة تطور اقتصاد المؤسسة العسكرية تاريخيًا.

من محمد علي إلى كامب ديفيد

ظهرت الصورة الأولى من تدخل الجيش المصري في الحياة الاقتصادية، في عهد محمد علي، حينما منح قيادات الجيش من المصريين بعض المساحات من الأراضي الزراعية، وذلك ضمانًا لولائهم وانصياعهم لأهدافه التوسعية. لم يكن للجيش المصري دور بارز أو مؤثر في الحياة الاقتصادية حتى قيام ثورة 1952، واعتبارًا من هذه اللحظة ومنذ تولي جمال عبدالناصر سدة الحكم، خلع العديد من القيادات بزاتهم العسكرية واستبدلوا بها ثيابًا مدنية لينخرطوا في الحياة الإدارية والاقتصادية المدنية، إما في شكل تولي رئاسة وزارات كاملة أو ترؤس العديد من الشركات المدنية، التي وقعت في قبضة حركة التأميم الشهيرة التي كان يقودها جمال عبدالناصر لتعزيز القطاع العام الحكومي وتحجيم دور القطاع الخاص تماشيًا مع ميوله وتوجهاته الاشتراكية.

لم يتغلغل الجيش المصري في الحياة الاقتصادية بشكل كبير في هذه الحقبة، إلا في هذا النطاق فقط، بالإضافة إلى دوره التقليدي في السيطرة على الصناعات العسكرية. وربما لم يدع الصراع العسكري مع الكيان الصهيوني خلال هذه الفترة؛ فرصة للعسكريين للتوغل أكثر في الحياة الاقتصادية، فالجميع كان منهمكًا في هذا الصراع الذي بدأ في هذه الحقبة بالعدوان الثلاثي على مصر في العام 1956، وكذلك مشاركة الجيش في بعض الجبهات الخارجية كحرب اليمن في العام 1962، وكذلك نكسة حرب 1967 ثم حرب الاستنزاف وأخيرًا حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973.

الرئيس المصري جمال عبدالناصر

بداية التحول

بدأ التدخل الحقيقي من قبل الجيش المصري في الحياة الاقتصادية بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد في 17 سبتمبر (أيلول) 1978، التي خلصت إلى إنهاء حالة الحرب بين مصر وإسرائيل، وإقامة علاقات ودية بين الطرفين، كما تضمنت الاتفاقية بنودًا في مجملها تقلص المهام القتالية للجيش، وتحد من عمله العسكري. من ثم نتيجة لهذا الأمر تحول اهتمام الجيش إلى الأنشطة الاقتصادية، وخصوصًا في العقد الأول من حكم حسني مبارك حيث أُنشئت الأذرع الاقتصادية الرئيسية للجيش المصري، وتنوعت الشركات التي يملكها الجيش في مصر.

كانت المرحلة الثانية في ازدياد النفوذ العسكري في الحياة الاقتصادية في العام 1990، حينما بدأ نظام مبارك في تطبيق خطة للتحرير الاقتصادي الكامل وفقًا لمتطلبات كلًا من صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. حينها توسع الجيش في إنتاج السلع والخدمات المدنية بشكل أكبر، كما أقام المزيد من الشركات والمصانع الجديدة، والمزارع الشاسعة، واغتنم حصصًا كبيرة من القطاع العام باعتبارها جزءًا من عملية الخصصة حينذاك. في المرحلة الثالثة في العام 2000 اتخذ تدخل الجيش في الحياة الاقتصادية شكلًا أكثر عمقًا، بالإضافة إلى أنشطته القائمة، وكنوع من تبادل المصالح وشراء الولاءات، في عقد اتسم بمزاحمة رجال الأعمال، وعلى رأسهم جمال مبارك للأنشطة الاقتصادية العسكرية، ومحاولته تطبيق سياسات نيوليبرالية، تخدم شريحة الرأسماليين، خلال رئاسة أحمد نظيف لمجلس الوزراء من العام 2004 إلى 2010، والتي كانت تهدد بعض المصالح الاقتصادية العسكرية حينها، كما جاء في إحدى برقيات وزارة الخارجية الأمريكية التي نشرتها ويكليكس بتاريخ سبتمبر (أيلول) 2008، حيث أرسلت مارجريت سكوبي سفيرة الولايات المتحدة في مصر آنذاك برقية إلى واشنطن، مفادها أن التكتلات العسكرية في مصر تنظر إلى خطط الحكومة للخصخصة باعتبارها «تهديدًا لموقف الجيش الاقتصادي»، وأن الجيش «يعارض بشكل عام الإصلاحات الاقتصادية». والواقع أن هذا الاعتراض كان بسبب خشية الجنرالات من أن تطال الخصخصة الشركات التي تستحوذ عليها المؤسسة العسكرية.

السادات (يمين) وبجواره مبارك

نتيجة لهذا الاحتقان، قام حسني مبارك في العقد الأخير من حكمه، في محاولة لكسب الود وتلطيف الأجواء، بالكثير من التعيينات للعسكريين، في مناصب ذات ثِقل في الوزارات والهيئات الحكومية، وتعيين العديد منهم في مناصب المحافظين ورؤساء الأحياء، كما أتاح للعسكريين المتقاعدين السيطرة والهيمنة على معظم المناصب الادارية المهمة في الشركات العامة والخاصة.

لم يقتصر نفوذ الجيش في عهد مبارك على التغلغل في الناحية الاقتصادية داخليًا فقط، وإنما تم تدعيمه بنفوذ سياسي من خلال إقامة علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة والمجمع الصناعي العسكري هناك، وذلك كجزء من اتفاقية كامب ديفيد، حيث يتلقى الجيش المصري 1.3 مليار دولار من المساعدات السنوية من الولايات المتحدة تحت مظلة برنامج التمويل العسكري الخارجي FMF للولايات المتحدة، ونتيجة لهذا البرنامج فقد جرى تعزيز العلاقات القوية بين الجنرالات في الجيش المصري ونظرائهم في الولايات المتحدة.

مزيد من السيطرة والتدخل

منذ الإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك، في العام 2011 ومن بعده محمد مرسي في العام 2013، وتولي عبدالفتاح السيسي رئاسة الدولة في العام 2014؛ تجذر تدخل الجيش في الحياة الاقتصادية بشكل أضخم وأوسع من أي وقت مضى، فكما تقول دراسة صدرت عن مركز كارينغي للشرق الأوسط في 15 أبريل (نيسان) 2015 بعنوان: القوات المسلحة المصرية وتجديد الإمبراطورية الاقتصادية، فإن «الجيش المصري قد اكتسب نفوذًا غير مسبوق منذ أن أشرف على الإطاحة بالرئيسين: حسني مبارك، ومحمد مرسي. كما أصبحت القوات المسلحة المصرية المشرف والمراقب الأول على الاقتصاد المصري، من خلال حماية الأصول الإستراتيجية لشركائها الاستثماريين الأساسيين في حقبات الاضطراب، والسيطرة على عملية مناقصات المشتريات الحكومية الأساسية. كما سهلت إطاحة مرسي وتعزيز النظام العسكري الجديد قدرة القوات المسلحة المصرية على تحويل أموال الدولة إلى المشاريع التي لها مصالح فيها».

الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي

غياب الشفافية وكثرة التكهنات

ولكن للوقوف على تأثير توغل الجيش المصري في الحياة الاقتصادية على الاقتصاد المصري بما له من امتيازات مهولة يستغلها في أنشطته التجارية، والتي ترجح كفته بقوة وتعدم المنافسة بينه وبين القطاع الخاص أو القطاع الحكومي؛ ينبغي تقدير حجم حصة الجيش في الاقتصاد المصري.

فوفقًا لدراسة نُشرت في مجلة «Middle East Research and Information Project» في العام 2012، فقد «أفادت مجموعة واسعة من الشخصيات، باستحالة قياس أثر ما أسماه الباحث روبرت سبرنجبورج (الشركة العسكرية)، حيث لا يقتصر الأمر على تصنيف ممتلكات الجيش بإعتبارها من أسرار الدولة – فقد يسجن الصحفيون في حالة تقديم تقارير عنها – وإنما أيضًا بسبب توسعها وتشعبها، ولا يمكن الوثوق بشكل كامل في أي تقدير لها».

ورغم غياب الشفافية حول الأرقام الحقيقية لحجم الشركة العسكرية في مصر، حيث أنه وفقًا لمؤشر مكافحة الفساد في قطاع الدفاع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والذي أصدرته منظمة الشفافية الدولية في شهر سبتمبر من العام 2015، فقد جاء ترتيب مصر من بين الدول التي تواجه مخاطر الفساد في قطاع الدفاع في تصنيف «حرج» وهو التصنيف الأسوأ في المؤشر، كما يقول التقرير عن مصر «أن ميزانية الدفاع التي تقدر بحوالي 4.4 مليار دولار تعتبر سرًا من أسرار الدولة ولا تتوافر هذه الميزانية بأي صيغة من الصيغ للجمهور أو للسلطة التشريعية، كما سُمح للجيش المصري قانونًا منذ عام 1979 بالاحتفاظ بحسابات مصرفية تجارية خاصة به، كما أن ميزانيته مستقلة عن بقية الحكومة، وأنه يسيطر على جزء كبير من الاقتصاد من خلال أعماله».

ورغم الغموض الذي يكتنف الحجم الحقيقي للأنشطة الاقتصادية للجيش المصري لانعدام منظومة الشفافية والرقابة والمساءلة، إلا أنه بالنظر إلى حجم الأصول الصناعية والتجارية والخدمية التابعة للجيش والتي لا مثيل لها في أي كيان مصري آخر، فإنه قد ذهبت بعض التقديرات إلى أن حصة القوات المسلحة من الاقتصاد المصري تبلغ 40% على الأقل، فيما تشير تقديرات أخرى إلى أنها أقل من هذه النسبة.

إشكالية

وقبل أن نتطرق إلى وضعية التكهنات بخصوص الأرقام، فإنه ينبغي أولًا تحديد ماهية هذه الأرقام بغض النظر عن حجمها، وهي قضية تثير إشكالية ويتغافل عنها الكثير، إذ يتوقف على هذه الماهية العديد من الآثار ويتباين بصددها الكثير من النتائج: لذا ينبغي توضيح إلام تشير هذه الأرقام، هل هذه النسبة تعبر عن إجمالي مساهمة الشركة العسكرية في الناتج المحلي الإجمالي لمصر؟ أم أنها تعني النسبة من حجم التعاملات في الاقتصاد المصري؟ أم أنها تعبر عن حجم الأصول والموجودات المملوكة للمجمع التجاري الصناعي للجيش بالمقارنة بحجم الأصول الكلية التي تدر ناتجًا محليًا في مصر؟

التكلفة الاقتصادية للإعفاء الضريبي والجمركي

ذكرت «بي بي سي» على موقعها، في التاسع من مارس (آذار) 2015، أن الخبير الاقتصادي أحمد السيد النجار، يرى أن حصة اقتصاد الجيش من الناتج المحلي الإجمالي في مصر، لا تتجاوز 18% في الوقت الراهن. بفرض دقة هذا الرقم، فإن ذلك يعني أن اقتصاد الجيش يساهم بـ60 مليار دولار تقريبًا في الناتج المحلي الإجمالي لمصر البالغ 330 مليار دولار للعام 2015 وفقًا لبيانات البنك الدولي، مما يعني أن الأذرع الاقتصادية الأربعة للجيش المصري قامت بإنتاج ما قيمته 60 مليار دولار في العام 2015، ما يعني أن باقي القوى الفاعلة في الاقتصاد المصري كالقطاع الخاص وقطاع الأعمال الحكومي قام بإنتاج ما قيمته 270 مليار دولار من نفس العام.

وإذا كان إجمالي الإيرادات الضريبية في الموازنة العامة المصرية للعام المالي 2015/2016 بلغت 362 مليار جنيه، وإذا كانت أنشطة الجيش الاقتصادية معفاه من الضرائب ومتطلبات الترخيص التجاري وفقًا للمادة 47 من قانون ضريبة الدخل لعام 2005 كما ينص قانون الإعفاءات الجمركية لعام 1986 على إعفاء واردات وزارة الدفاع ووزارة الدولة للإنتاج الحربي من أي ضريبة. وبالتالي فإن إجمالي الإيرادات الضريبية مصدرها القوى الاقتصادية كالقطاع الخاص والعام، ولا تشارك فيها أنشطة الشركة العسكرية بحكم إعفائها من ذلك، وعند احتساب قيمة الضرائب التي كان من المفترض أن تُورَّد للخزانة العامة للدولة من قِبل اقتصاد الجيش بالنسبة إلى حجم مشاركته في الناتج المحلي الإجمالي، يتضح أن الرقم التقريبي هو 65 مليار جنيه حُرمت منها الخزانة العامة للدولة بسبب امتياز واحد من امتيازات اقتصاد الجيش وهو الإعفاء الضريبي والجمركي لأنشطته.

65 مليار جنيه في العام 2015 كان يمكن بهذا الإيراد العام أن يتم تخفيض عجز الموازنة المتوقع في العام المالي الحالي والبالغ 320 مليار جنيه، أي تخفيضه بنسبة 20% تقريبًا. أو كان يمكن ضخ هذا المبلغ في ميزانية التعليم المهترئة لترتفع بنسبة 62% إلى النسبة الموجودة حاليًا في موازنة العام المالي الحالي، أو ضخها في قطاع الصحة المتدهور ليرتفع بنسبة 132% إلى ميزانيته الموجودة حاليا، أو ضمه إلى قطاع الإسكان والمرافق المجتمعية لتحسين البنية التحتية الأساسية التي تعاني من التدهور الشديد والمساهمة في حل مشكلة الإسكان المتفاقمة في مصر، لترتفع نسبة ميزانية الإسكان والمرافق المجتمعية في الموازنة العامة الحالية إلى 127% من نسبتها الحالية.

صورة لبعض المساكن المصرية

تأثير العمالة المجانية على الاقتصاد الكلي

تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن عدد المشتغلين من قوة العمل في مصر للعام 2015 بلغت 24.8 مليون عامل، تتنوع هذه النسبة بين المشتغلين بأجر والمشتغلين لحسابهم الخاص، أي أن الجميع يحصل على مقابل نظير عمله، وهذا المقابل يُضخ مرة أخرى في شرايين الاقتصاد الوطني إما في هيئة إنفاق استهلاكي تعول عليه المؤسسات الدولية في دفع النمو الاقتصادي في مصر، وإما في إنفاق استثماري، وتكون المحصلة هي أن يؤدي ذلك إلى تحريك عجلة الإنتاج ومن ثم ارتفاع معدل النمو الاقتصادي وبالتالي تحسن وضع المؤشرات الاقتصادية الكلية ومنها البطالة من خلال تشغيل نسبة من العاطلين عن العمل لتنضم إلى كتلة المشتغلين لتحصل على دخل نظير عملها ومن ثم يُعاد ضخه في الاقتصاد مرة أخرى وهكذا.

في أثناء احتفاله بتخريج دفعة جديدة من كليتي الدفاع الجوي والبحرية في شهر يوليو (تموز) من العام 2015 أعلن الرئيس عبدالفتاح السيسي صراحةً لأول مرة عن عدد المجندين في صفوف الجيش المصري قائلًا إن القوات المسلحة تستقبل نحو مليون مجند تقريبا من الشباب. يعمل معظم هؤلاء المجندين في الأنشطة المختلفة لاقتصاد الجيش، حيث توفر هذه الأعداد العمالة الكافية التي يحتاجها الجيش في المصانع والشركات والمزارع المختلفة، بلا أجور حقيقية يتم دفعها لهذه العمالة نظير ما يقومون به.

وبالتالي فهناك تكلفة فرصة بديلة باهظة الثمن تم تفويتها على الاقتصاد المصري جراء هذا الامتياز الثاني للجيش، فلو افترضنا أن نصف عدد المجندين على أقل تقديرات هم من يعملون في الأنشطة المدنية الاقتصادية للجيش المصري، وهو ما يعني أن لدينا نصف مليون عامل، وبفرض أنهم سيتقاضون الحد الأدنى للأجور الوارد في قانون الخدمة المدنية المطروح على البرلمان، والذي يحدد 1200 جنيه حدًا أدنى للأجر شهريًا، وبالتالي فإن إجمالي ما سوف يتقاضاه هؤلاء المجندين هو 600 مليون جنيه شهريًا أي 7.2 مليار جنيه في العام حدًا أدنى للأجر. وهو ما يعني أن الاقتصاد المصري حُرم من فوائد ضخ هذا المبلغ الكبير في شرايين الاقتصاد كما أسلفنا وليتم تحسين الأحوال المعيشية لنصف مليون فرد في المجتمع، وتشجيع القطاع الخاص والحكومي وكذلك اقتصاد الجيش على توسيع القاعدة الإنتاجية لهم ومن ثم زيادة الناتج الإجمالي المحلي وما يعود على مؤشرات الاقتصاد الكلي بالإيجاب جراء هذه الزيادة.

ماذا عن استغلال الأراضي؟

بحسب بحث أعده أحمد مرسي لمركز كارينجي للشرق الأوسط في يونيو 2014 فإن «الجيش هو أكبر قيم على الأراضي الحكومية في البلاد، حيث منح قرار رئاسي صدر في عام 1997 الجيش الحق في إدارة جميع الأراضي غير الزراعية وغير المستثمرة، والتي تشير التقديرات إلى أنها تصل إلى 87% من مساحة البلاد».

وبموجب هذا القرار تمكن الجيش من الحصول على أهم وأغلى وأثمن عنصر من عناصر إقامة المشاريع وهو الأرض بالمجان تمامًا، دون تسديد مقابل الأراضي التي يقوم الجيش باستغلالها في أنشطته التجارية، سواء كان هذا الاستغلال بشكل مباشر عن طريق إقامة مشاريع ترجع ملكيتها بالكامل للمؤسسة العسكرية، أو بالشراكة مع القطاع الخاص بالمساهمة في توفير الأرض، أو أي صورة من صور الانتفاع الأخرى، وهو ما يُضيع على خزانة الدولة مئات المليارات من الجنيهات ربما لو أحسن استغلالها لتغير وجه الدولة المصرية بالكامل. ذلك نظير امتياز ثالث للشركة العسكرية في مصر.

2% وفقًا لرئيس الدولة.. ماذا يعني ذلك؟

وإذا افترضنا أن حجم الأصول والموجودات التي يستغلها الجيش في الإنتاج المدني تبلغ 40% مثلما قدره البعض. وأن حجم الاقتصاد الذي تديره المؤسسة العسكرية أي نسبة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي وفقًا للرئيس عبدالفتاح السيسي في حواره مع وكالة رويترز إبان ترشحة للرئاسة في مايو (آيار) 2014 والذي قال إنها لا تتجاوز 2% فقط. فإنه وفقًا لهذه الأرقام فإن هناك فشلًا ذريعًا من قِبل المؤسسة العسكرية في إدارة هذه الأصول التي تنتج فقط 2% وفقًا لرئيس الدولة، فكيف لقوى تمتلك 40% من الأصول المستغلة مع مالها من هذه الامتيازات، أن تنتج 2% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعني تفويت الفرصة على الاقتصاد الوطني لإستغلال هذه الموجودات، وإهدار الموارد والطاقات التي يمكن أن تساهم بنسبة 40% على الأقل في الناتج الإجمالي المحلي.

منذ ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 إلى الآن فقد صدرت العديد من التشريعات التي ترسخ في مجملها سيطرة المنشأة العسكرية على مفاصل الاقتصاد الوطني دون رقابة أو مساءلة، والتي تعمل على مزاحمة القطاع الخاص وإضعاف القطاع الحكومي بشكل كبير، مثل إعطاء النيابة والقضاء العسكري وحدهم الحق في التحقيق في الكسب غير المشروع لضباط الجيش حتى بعد التقاعد، والسماح للمسئولين الحكوميين بتخطي إجراءات المناقصة العامة في الحالات العاجلة، وتقييد حق الأطراف الأخرى في الطعن على العقود التجارية والعقارية الموقعة مع الدولة، وإتاحة الفرصة بشكل قانوني للقوات المسلحة في تأسيس وإنشاء شركات بمفردها أو بالمشاركة مع رأس المال الوطني أو الأجنبي.

في بيئة كتلك تتسم بعدم المساواة ومحاباة أطراف اقتصادية على أخرى وانتهاك صارخ لأدنى متطلبات المنافسة الحرة في اقتصاد السوق الحر، هي بالطبع بيئة طاردة للاستثمار المحلي والأجنبي على السواء، فلا سبيل للنفاذ إلى السوق المصري وديمومة العمل من خلاله إلا عن طريق المشاركة والتعاون مع اللاعب المسيطر وهي الشركة العسكرية، هكذا هي القواعد.

لذا ليس من المستغرب أن تُصنف مصر في تقرير ممارسة الأعمال الذي تصدره مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي والذي يقيس وضع الاستثمار في 189 دولة للعام 2015، وهو من أهم المؤشرات الدولية المتعلقة ببيئة الأعمال والاستثمار حيث يقيس بشكل أساسي سهولة أداء الأعمال على أرض الواقع حيث يعتمد بشكل رئيسي على استبيانات للشركات والمؤسسات وأصحاب الأعمال للتعرف على الصعوبات التي تواجههم، ليس من المستغرب تصنيف مصر في مركز متدن جدًا وهو 131، بتراجع كبير منذ العام 2010 حيث كانت تحتل المرتبة 106. وهو ما يعبر عن تدهور بيئة الأعمال بشكل كبير في مصر.

كان يمكن للمؤسسة العسكرية أن تقوم بدور فعال ودافع ومحفز للاقتصاد الوطني المصري إذا ما خضعت للقواعد التي تحكم القوى الاقتصادية الأخرى، ومن ثم خلق بيئة تنافسية حرة مبنية على الكفاءة والشفافية والمساءلة، ينعكس أثرها في نهضة الاقتصاد المصري برمته.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد