«إن التصعيد الخطير للأوضاع في ليبيا جراء العملية العسكرية ضد طرابلس يثير قلقًا بالغًا. ومثل هذه المحاولات لا تؤذي السكان المدنيين، وتزيد من زعزعة الاستقرار في البلاد فحسب، وإنما كذلك تعرقل العملية السياسية برعاية الأمم المتحدة».

*جزء مما جاء في بيان الخارجية التركية للتنديد بالعملية العسكرية التي تشنها قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر للسيطرة على طرابلس منذ الرابع من أبريل (نيسان) 2019.

أظهرت تركيا موقفًا داعمًا لحكومة الوفاق الوطني التي يرأسها فايز السراج، ضد حفتر، لكنها لم تتحرك بشكل واضح كما فعل داعمو الأخير – (الإمارات، ومصر، والسعودية، وفرنسا) – إلا مؤخرًا؛ حين أعلنت أنها ستسخر كل إمكانياتها لمنع الانقلاب العسكري على السراج في طرابلس، وهو الموقف الذي أثار الكثير من التداعيات، سواء على القوى الدولية الداعمة لحفتر أو مستقبل الحرب ككل في ليبيا بعد التدخل التركي.

 التدخل التركي.. نكاية في السعودية والإمارات أم لمنع «سوريا جديدة»؟

«ليبيا ستقف بكل حزم إلى جانب الليبيين، وستدعم الحكومة الشرعية المتمثلة في حكومة الوفاق الوطني»، *الرئيس التركي رجب أردوغان، خلال اتصال هاتفي مع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني فايز السراج.

وتابع أردوغان – الذي أكد على استنكار بلاده للاعتداء الذي يُشن على طرابلس – أن تركيا «ستسخر كل إمكانياتها لمنع هذه المؤامرة على الشعب الليبي، فلا وجود لحل عسكري للأزمة الليبية، والمسار السياسي هو المسار الوحيد لبناء الدولة المدنية التي يتطلع إليها كل الليبيين»، بحسبه.

لم يكن هذا الموقف مفاجئًا إلى حد كبير؛ إذ إن تقاربًا كبيرًا ملاحظًا بين حكومة الوفاق وبين الحكومة التركية، خاصة في الملف الأمني والاقتصادي، بينما في الملف العسكري كان المعلن توقيع بروتوكولات لتدريب أفرد الشرطة الليبية في تركيا.

السراج يلتقى بأردوغان خلال زيارته لتركيا

وقد قرأ المحللون في هذا الاتصال تأكيد من أعلى الهرم بتركيا، على رغبة أنقرة في تغيير موازين الأحداث الجارية في ليبيا، من خلال العمل على تقديم الدعم لحكومة الوفاق الوطني، وتقديم القوة العسكرية التركية لخلق التوازن العسكري في الأراضي الليبية، توازن يستهدف محور السعودية والإمارات الداعم لحفتر بالمنطقة، خاصة أن تركيا هي عضو مهم في حلف «الناتو»، ولها علاقاتها التي تؤثر على مواقف دول كبرى من أحداث طرابلس.

وقد كرر أردوغان أن هدفه هو منع ليبيا من أن تتحول إلى سوريا جديدة، إلا أن التخوفات بتحول ليبيا إلى النموذج السوري تزايدت بعد الإعلان عن الموقف التركي، لذا يعرب الإعلامي الليبي ياسين خطاب عن تخوفاته من أن تتحول ليبيا إلى ساحة صراع إقليمي أسوة بالنموذج السوري.

ويقول خطاب: «هذا ما لا نتمناه طبعًا، لكن للأسف الشديد فإن هناك أطرافًا شدتنا إلى الحرب، وهي مسؤولة عن جر البلد إلى أي صراع إقليمي، أو أي حرب بالوكالة»، ويستدرك بالقول: «بالتالي أنا لا أظن أنه من الممكن أن يحدث تدخل مباشر من هذه الدول، ولكن طبعًا سيكون دعم غير مباشر، وسيؤثر على المعركة عبر أسلحة نوعية، نحن نتمنى أن لا تطيل المعركة، لكن دخول الأطراف الإقليمية يبدو أنه سيطيل أبد المعركة».

بعيدًا عن نتائج المعركة العسكرية.. لماذا تدعم مصر والإمارات والسعودية حفتر؟

من «تحت الطاولة».. هكذا قد تُمرر تركيا السلاح لحكومة الوفاق

في فبراير (شباط) 2019 تحدثت وسائل إعلام عن ضبط الجمارك الليبية شحنة أسلحة في ميناء الخمس البحري، الواقع بين طرابلس ومصراتة، وقالت إن هذه الأسلحة التي تكونت من مدرعات قتالية وسيارات دفع رباعي مصدرها تركيا.

لم تكن تلك الشحنة هي الأولى التي يتم ضبطها وتصنف بأنها أسلحة تركية؛ إذ تكرر الأمر في يناير (كانون الثاني) 2019 أيضًا عندما ضبطت شحنة أسلحة تركية مكونة من 20 ألف مسدس وصلت ليبيا عبر ميناء مصراته. هذه الشحنات وإن لم تتضح وجهتها، تظهر أن تركيا تعمل على دعم حكومة الوفاق على أرض الواقع، وهو دعم يضاف إلى الدعم السياسي والدبلوماسي في المحافل الدولية.

ويصف الكاتب الصحافي الليبي عصام الزبير تركيا بأنها قوة إقليمية لها باع في محاربة «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» وتنظيمات أخرى، وهي ضمن الحلف الأطلسي، كما أن الموقف التركي العسكري معروف بأنه قوي في القتال، وحقق هدوءًا في المناطق المجاورة له من سوريا، وتمكن من بسط الأمن والاستقرار.

مدنيون ينظرون بحسرة إلى آثار قصف قوات حفتر لمدينة طرابلس

ويشدد الزبير خلال حديثه لـ«ساسة بوست» على أن تركيا رأت أنه مطلوب منها دعم حقيقي على الأرض الليبية لوقف ما تعتبره الثورة المضادة، خاصة وأن تركيا تدعم القوى المطالبة بالتغيير، والتي يصفها محور مصر، والإمارات، والسعودية، وكذلك فرنسا، بأنها تيار الإسلام السياسي.

وعن طبيعة الدعم التركي المتوقع لحكومة الوفاق يقول الزبير لـ«ساسة بوست»: «الدعم لحكومة الوفاق من تركيا سيكون سياسيًا في المحافل الدولية والدفع باتخاذ قرارات تنسجم مع الشرعية الدولية»، كما لم يستبعد الزبير دعمًا عسكريًا تركيًا، لكنه يعتقد أنه سيمرر «تحت الطاولة»؛ لأن ليبيا تحت البند السابع، وممنوع عليها استيراد السلاح، وذلك برغم كثرة تمرير السلاح الإماراتي والذخائر المصرية التي تتحدث عنها أحيانًا لجنة العقوبات دون اهتمام من الأمم المتحدة.

ويشدد الزبير على أنه لو تحصلت قوات حكومة الوفاق على دعم بسلاح نوعي فإنها ستسارع بحسم المعركة، وتحديدًا منظومة الأسلحة المضادة للطائرات، والصواريخ الحرارية والأسلحة المتقدمة؛ لأن السلاح الذي لدى الحكومة قديم وإن كانت تحصلت على غنائم. ويضيف: «عسكريًا الحكومة متقدمة على الأرض، إنما يعرقلها الطيران الليلي لحفتر والذي يسقط عددًا من القتلى»، كما يشدد الزبير على أن الليبيين لا يريدون التدخل التركي العسكري، وجعل أرضهم دائرة صراع دولية، ولكن ما فرض عليهم يتطلب دعم سلاح، وليس جنودًا على الأرض، وهذا حصل في عام 2011.

مع هذه التدفقات المتوقعة من السلاح التركي، يعتقد المحللون أنه يصعب أن تقابل الدول الداعمة لحفتر الموقف وهي تنظر إلى قوات حفتر تندحر على الأرض بفعل الدعم العسكري التركي؛ ما يعني مزيدًا من تدفقات السلاح على القوات التي يقودها حفتر؛ الأمر الذي قد يقود لمستقبل مخيف للأزمة الليبية.

هل يفجر التدخل التركي صراع إقليميًا جديد في ليبيا؟

أظهرت عملية طرابلس التي أعلنها حفتر في أبريل المنصرم أن ليبيا ساحة صراع ممتدة، فيها أيدي قوى إقليمية ودولية، هذه القوى انكبت في أغلبها لدعم حفتر حماية لمصالحها ولمواجهة خلافاتها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية مع دول أخرى.

فالآن يلتقي على الأرض الليبية كلّ من الحلف المصري السعودي الإماراتي في مواجهة الحلف القطري التركي، إضافة إلى الصراع الفرنسي الإيطالي، وأما الروس فلم يفوتوا فرصة معاكسة الأجندة الأمريكية على الأراضي الليبية أيضًا.

لافتة منددة بالتدخل الإماراتي في ليبيا

وفي آخر فصول تحرك تلك القوى أعلنت تركيا عن موقف داعم لحكومة الوفاق بعد أن أدركت خطر ترك المحور العربي المعروف عنه دعمه للثورات المضادة ينفرد في الأراضي الليبية. فأهداف دعم حفتر لها تبعياتها السلبية على الثورات وعلى دول بعينها، تشهد تغييرًا في الشمال الأفريقي، وهي تهدف لتقويض التأثير التركي في المنطقة وحصار تجربة التغيير في تونس، والجزائر، والسودان.

علاوة على أن نشوب أزمة إقليمية في هذه المنطقة سيضر بمصالح تركيا من ناحية جيوـإستراتيجية، لذلك تحركت أنقرة لخلق توزان في صراع الأجندات السياسية في الشرق الأوسط، حيث يتوقع المحللون أن يكون التدخل التركي جزءًا من معادلة ستحدث توازنًا ضمن إستراتيجية لدعم المسار السياسي، الذي فضلته تركيا دومًا على الخيار العسكري في ليبيا.

الإعلامي الليبي ياسين خطاب يؤكد أن دخول تركيا المعركة، أو على الأقل تلمحيها الذي قُدم لأول مرة منذ خمس سنوات؛ سيربك الأطراف الإقليمية، السعودية، والإمارات، و مصر، ويجعلها تعيد حساباتها. ويوضح خطاب لـ«ساسة بوست»: «دخول تركيا على الخط ليس مثل دخول قطر، فهناك فرق كبير في الفواعل الإقليمية، وفي الدور الإقليمي لكل دولة، وأظن أن الدور التركي لا يمكن أن يواجه من هذه الدول العربية الثلاث مجتمعة».

ويشير خطاب إلى الإمارات ومصر والسعودية ربما تلجأ للاستعانة بفرنسا، وفرنسا تستطيع أن تواجه الدور التركي، لكن عمليًا لا يستطيع أحد مواجهة الدور التركي من الدول العربية، خاصة أن الدور التركي سيقوم على تفعيل صفقات واتفاقيات معينة، وربما سيقدم اتفاقيات جزء منها عسكري، وهو أمر مباح لحكومة الوفاق باعتبارها معترف بها دوليًا.

كما يمكنا الإشارة إلى قدرة تركيا على تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك بين ليبيا وتركيا ودخولها حيز التنفيذ، وهو ما سيجبر فرنسا على إعادة حساباتها في ليبيا، إذ إن أنقرة تملك من الثقل السياسي ما يمكنها به إحراج فرنسا في المحافل الدولية، وهو أمر سيساهم في إعادة موازين القوى إلى نصابها.

رغم الدعم الدولي الكبير.. لماذا لم ينتصر حفتر حتى الآن؟

 

المصادر

تحميل المزيد