646

على أبواب سور قصر الحمراء المنيع، الذي تفنن ملوك بني نصر في تشييده ليبهر سفراء الممالك المسيحية، وبعدما سجّل المسيحيون انتصارات متتابعة، كان القصر قد أصبح وحيدًا يمثل آخر رموز القوة الباقية، وشمس الإسلام في طريقها نحو الغروب عن شبه الجزيرة الإيبيرية، كان العامة على حدود الممالك المسلمة والمسيحية -الأكثر انبهارًا بالقصر- يصفون في أشعارٍ وأغانٍ المعارك التي دارت لقرنين من الزمان وانتهت بسقوط غرناطة في القرن الخامس عشر.

شعر الحدود.. من كتب الأشعار المجهولة؟

ظهرت هذه القصائد في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، وانتشرت في فترات النزاع بين المسلمين والمسيحيين الذين كانوا يخوضون حروبًا طويلة للسيطرة على المدن والبلدات والممالك، في الفترة التي سبقت سقوط الأندلس، وهي قصائد وأغانٍ شعبية لم يُعرف كتّابها، وانتقلت عبر الأجيال شفهيًا، وظل العامة يتغنون بها في المناسبات والحياة اليومية، وبقيت حتى اليوم كنزًا أمام الباحثين في التاريخ واللغة.

يُعتبر شعر الحدود الرومانسي وثائق تاريخية شعرية للمواجهات بين الممالك المسلمة والمسيحية، التي انتهت بسقوط غرناطة عام 1492، تحكي عن المعارك والمبارزات وتسجّل تاريخ القلاع والأهمية الاستراتيجية للمدن التي كانت المعارك تدور حولها، كما تتناول الكثير عن الأسلحة التي استُخدمت في تلك الفترة، والثياب والألقاب القشتالية والعربية، والطعام والطقوس، والأساطير والحب، وتسجل النجاحات والإخفاقات، والخوف الذي انتاب سكان الحدود.

كما تصف الجوانب الشخصية والإنسانية لأبطال الحرب، وتصف الحصار الذي فرضه الملكان الكاثوليكيان على غرناطة وكيف «تحمّلوا البرد والتعب» وبطولاتهم وتضحياتهم في سبيل تحقيق هذه «الغاية الكبرى»، كما تصوّر محن الأسر الذي وقع فيه بعض الجنود المسلمين لدى الجيش المسيحي وإجبارهم على اعتناق المسيحية، كل ذلك بأقلام مجهولة لا يُعرف عنها سوى أنها عرفت العربية والقشتالية وتوفّر لها قدر من التسامح مع الناس، والقدرة على التعايش.

ابن عمار.. القصيدة الأشهر

تعدّ أشهر قصائد شعر الحدود الذي مزج بين الواقع والخيال، وإحدى روائع الأدب الإسباني، وقد احتلت مكانة رفيعة لتصويرها لحوار تراجيدي حزين في رصدها للأحداث المرتبطة بمدينة غرناطة قبل سقوطها، ويرجّح أن هذه القصيدة قد قيلت عام 1431. وأن من نظمها كان مسلم غرناطي يتقن القشتالية كما أنه كان على معرفة بالشعر العربي، وقد استلهمها من واقعة حدثت عام 1431 حين انتقل الأمير النصري إلى صفوف أحد الملوك المسيحيين، تحكي القصيدة عن الملك العربي الذي سلّم صلاحياته في الحكم إلى الملك خوان الثاني، مقابل حصوله على حماية المسيحيين.

وتحكي القصيدة بلسان الملك خوان الثاني عن رغبته في السيطرة على غرناطة وضمّها إلى مملكته، فيتحدث مع ابن عمار أولًا، ويتفاوض معه من أجل إقناعه بتسليم المدينة، فيقول:

ابن عمار، ابن عمار،

مسلمُ حَيِّ المسلمين،

في اليوم الذي ولدت فيه،

كانت هناك علامات كبيرة،

كان البحر هادئًا،

وكان القمر تامًا

ويصف الملك الطبيعة الجميلة والثروات والمعالم التاريخية للمدينة وصفًا يشي بانبهاره بها، لكن ابن عمار يردّ سريعًا، بأنه ابن مسلم ومسيحية، وسيقول الصدق، فالمسلم الذي شيّد هذه المعالم بذل تضحيات كبيرة وأنه من الصعوبة أن يتنازل عنها بقيمتها العظيمة للملك المسيحي.

يترك الملك الإسباني ابن عمار، وينتقل للحوار مع مدينة غرناطة مباشرة، يطلب أن يتزوجها وكأنها امرأة، ويقدم لها المهر والصداق:

إذا أردتِ يا غرناطة،

بك سأتزوج،

سأعطيك المهر والصداق

في قرطبة وإشبيلية.

لكنها ترفض مؤكدة على الرباط المقدس الذي يجمعها بالعربي الذي تزوجت به، وتصف كيف أنه يحبها حبا كبيرًا، وأنها عنده ذات مقام عظيم فتقول:

متزوجة أنا، أيها الملك دون خوان،

متزوجة أنا، ولست أرملة،

المسلم الذي في ذمتي

يبتغي لي أعظم خير.

تكشف القصيدة عن كثير من الأوضاع التي سادت هذه الفترة ولا يخفى فيها النفس العربي والإسلامي، كما أن كلمة المورو moro، وهو الاسم اللصيق بالعرب والمسلمين، تكرر في هذه القصيدة تحديدًا – وفي غيرها أيضًا – بشكل مختلف فقد خلت من الحمولة الفكرية السلبية المفعمة بالحقد والكراهية والتوجس والخوف أحيانًا تجاه الآخر المسلم والتي ميّزت أغلب أشعار هذا الصنف في الأدب الإسباني.

ما تكشف عنه القصيدة

تشير القصيدة إلى عرف اجتماعي كان عاديًا في هذه البيئة، وهو ظاهرة الزواج المختلط بين المسلمين والنصارى التي شاعت في الأندلس وشبه الجزيرة الإيبيرية عمومًا، والتي سبق إليها الملوك كما يخبرنا التاريخ، فقد تزوج عبد العزير بن موسى بن نصير من يخلونا أرملة لذريق آخر ملوك القوط، وتزوج الأمير الأموي عبدالله بن محمد بن عبدالرحمن الأوسط من ونقة وتزوج الخليفة الحكم بن عبدالرحمن الثالث من أورورا – أو صُبْح كما أطلق عليها لاحقًا – من إقليم الباسك في الشمال الإسباني.

كما تشير القصيدة إلى الأعراف والتقاليد العربية التي تمجّد المرأة، وتوفر لها الحماية، فيشبّه الشاعر مدينة غرناطة بالمرأة العزيزة والشريفة التي تستحق التضحية، والملك الإسباني خوان الثاني يغازل غرناطة ويخبرها أنه سيدفع لها مهرًا غاليًا، وهو تشبيه نجده في قصائد عربية أقدم؛ كما في شعر المعتمد ابن عباد عن قرطبة مثلًا حين قال:

خطبتُ قرطبةَ الحسناءَ إذ مَنَعَت مَنْ جَاء يَخْطُبُها بالبيض والأسَلِ

قصيدة ابن الأحمر

تصف القصيدة بلاط قصر الحمراء وروعة مساجدها، وصف من لم يشاهدها سوى عبر الأسوار العالية، فيصف ما يبدو له منها:

ابن الأحمر، ابن الأحمر

مورو بلد المغاربة

يا لها من قصور تلك!

عالية لامعة.

وفي إشارة إلى الأسطورة العربية الجاهلية جزاء سينمار يقول الشاعر:

القصور القشانية

مشيدة بإتقان مدهش:

الأعرابي الذي أتقنها

كان يحصل على مئة دوبلًا يوميًا

لما انتهى منها

ساقه الملك إلى الموت

لكي لا يبني مثلها

لملك أندلوثيا.

كان قائل القصيدة إذًا يعرف الأساطير الجاهلية وصور الشعر الغزلي العربي، مما يؤكد أنها نتاج لثقافتين اثنتين.

شعر عربي أم قشتالي؟

تميز المجتمع الأندلسي بتعدد الأعراق والديانات والثقافات؛ العرب والبربر والصقالبة والمستعربين، وقد تعايشت هذه الثقافات وامتزجت بحيث أصبح من الصعب الفصل بينها ومعرفة أصولها الأولى المنفردة، ما خلق لغة مشتركة وتراثًا شعبيًا تداخلت فيه مكونات عربية وإسلامية ومسيحية ويهودية، وكان طبيعيًا أن تنتقل بين الممالك.

وكما يقول عالم الفقه اللغوي خوليان ريبيرا: «إن تعايش شعبين أزيد من ثمانية قرون لا بد أن يخلق لغة مشتركة يتفاهمان بها» وقد اتفق معه أغلب الباحثين، على رأسهم العالم اللغوي فدريكو كوريينتي، وقد لعبت الأغاني والحكايات الشفهية دورًا كبيرًا في ذلك، إضافة إلى انتشار الزجل.

كانت هذه الأشعار والأغاني تُنشد بلغة قشتالية تتخللها كلمات وتعابير وأسماء عربية، ولذلك أُطلق عليها أيضًا أغاني الحدود. وهي تحمل خلاصة فنية ورمزية للمزيج السكاني المركب للمجتمع الأندلسي، وتعدّ أحد أكثر ما يعبر عن تفاعل الثقافات فيه، فقد نشأت هذه الأشعار والأناشيد على الحدود الإسلامية المسيحية وتلقّفها الناس سريعًا وتناقلت بينهم شفويًا وأُطلق عليها اسم أناشيد الحدود أو القصائد الثغرية.

روح شعبين

وهي تكتسب خصوصيتها من أنها لا تمثل فقط روح الشعب الإسباني (القشتالي) بل تمثل روح الشعبين الأندلسي المسلم والمسيحي. تصور هذه القصائد البطولات وأحداث الصراع بين الطرفين وتُبرز روحًا عالية من التسامح إزاء الخصم المنهزم والتعاطف معه، بل وتذهب إلى تمجيده أحيانًا أو تصوير فروسيته ونبله مثل عائلة بني سراج مثلًا وهي إحدى أعرق العائلات الأندلسية التي حكت الأشعار والأساطير عن مأساتها مع عائلة بني الأحمر في صراعهم على الحكم.

مع ذلك، فهناك من يرى أن هذه النزعة لم تظهر إلا عندما أصبحت هزيمة المسلم أمرًا متحققًا، فانقسم الشعراء بين من يستعد للاحتفال بانتصار الملكين الكاثوليكيين، فيما راح بعضهم يجسد برومانسية محنة المسلم وبطولات الفرسان الأندلسيين لإضفاء صبغة مثالية على القضية، وهو ما أثّر سلبًا في رأيهم على أمانة نقل الوقائع التاريخية كما حدثت.

مع ذلك فإنها – فضلًا عما تحمله من روح إبداعية خلاّقة -، تحمل قيمة أدبية وتاريخية كتب عنها المتخصصون مؤكدين دقتها في سرد الأحداث والوقائع التاريخية حتى إن بعض المتخصصين يرون أنها تمثل روح الشعب الإسباني كله بعاداته وتقاليده، وحياته في الماضي والحاضر، وتشيد بقدرتها على تحويل الحياة العامة إلى قصيدة شعر.

وأكثر ما يدلّ عليه شعر الرومانثيرو أن الاحتكاك بين الشعبين الأندلسي والإسباني كان قويًا جدًا، وأن قنوات التواصل كانت متعددة، فقد كانت حدود غرناطة مع الممالك الأخرى مرنة بحيث عاش فيها أشخاص ذوي معارف متنوعة، ألمّوا باللغتين العربية والإسبانية، وشاركوا في كثير من الوقائع والأحداث، وتملّكهم حس مرهف وكانت لهم القيم الأخلاقية نفسها؛ الشرف والنبل والحب والتعاطف، وأن الصراعات السياسية والدينية التي دارت بينهما لم تحل أبدًا دون التواصل الثقافي بين الشعوب الذي تجلّى في إبداع مشترك ولغة شعبية تُرجمت إلى أناشيد الحدود أو الشعر الرومانثي.