في لحظةٍ فارقة من تاريخ العالم، خرج ثلاثة وثلاثون مليونًا من مواطني «بريطانيا العظمى»، ليطرحوا آراءهم حول إمكانية انفصال المملكة المتحدة عن الكتلة الأوروبية، المتمثلة في الاتحاد الأوروبي، والذي تكونت بذرته الأولى في خمسينات القرن الماضي، وانضمت بريطانيا إليه متأخرةً عام 1973. ومنذ انضمامها وتاريخها من التمرد داخل الاتحاد معروف بين أبناء الأسرة الأوروبية، فدائمًا ما اعتبرت نفسها مثقلة بأعباء الاتحاد دون مزاياه، وعليه كانت المفاوضات على الدوام مستمرة بين لندن وبروكسيل؛ لتحسين شروط العضوية البريطانية ضمن الاتحاد، فحصلت على بعض المزايا الاستثنائية.

فلا هي ملزمة باتفاقية حرية التنقل، أي أنها ليست مشمولة بتأشيرة الاتحاد الأوروبي ولا تقع ضمن منطقة الشنجن، وليست ملتزمة بالسياسة النقدية والاقتصادية للاتحاد، ولا حتى ميثاق الحقوق الأساسية، ومؤخرًا تم إعفاؤها استثنائيًّا من قبل المفوضية الأوروبية بشأن توزيع اللاجئين، على مرتين، الأولي سبتمبر/ أيلول من العام الماضي، والثانية في 18 مارس/ آذار من العام الحالي 2016، بعد توقيع الاتفاق الأوروبي- التركي. وفي خضم صراع انتخابي وجد ديفيد كاميرون نفسه مضطرًا لتنفيذ وعده بطرح استفتاء على عضوية بريطانيا في الاتحاد إن هو أُعيد انتخابه في برلمانيات 2015، وكان ذلك منه لتجاوز ضغوطات سياسية وحزبية، ورغم تزعمه فيما بعد لجبهة البقاء ضمن الاتحاد، إلا أن الاستفتاء جاءت نتيجته مؤيدةً للمغادرة بنسبة 51.9% من إجمالي عدد المصوتين. فترى ما هي أبرز التغيرات التي قد يحدثها هذا الانفصال على خريطة العالم؟

بريطانيا التي لم تعد عظمى!

في غضون خمس سنوات، لن تكون هناك المملكة المتحدة.

صرّح بذالك ريتشارد هاس، الدبلوماس الأمريكي، ورئيس مجلس العلاقات الخارجية، وكان مطلع القرن الحالي مبعوثًا خاصًا للولايات المتحدة إلى أيرلندا الشمالية.

 

النظرة القاتمة التي أطلّ بها ريتشارد على المشهد ليست في الحقيقة أكثر شؤمًا من مشهد خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، إذ بات متوقعًا وباحتمالية كبيرة أن نسمع مطالبات إسكتلندية وبدرجة أقل قليلًا أيرلندية شمالية بإجراء استفتاءات مماثلة للاستقلال عن بريطانيا، والعودة في أحضان الأسرة الأوروبية. وتلك هي رغبة الأهالي هناك كما أسفرت نتائج الاستفتاء، فنحو أكثر من 62% من سكان إستكلندا صوتوا للبقاء، وفي أيرلندا كان ذات التوجه حاضرًا وبنسبة مقاربة وصلت لـ55.7%. على عكس رغبة الشارع في إنجلترا وويلز. فإذا ما حدث ذلك، وهو السيناريو الأكثر سوءًا، تفككت المملكة المتحدة (العظمى).

وفي هذا الشأن هددت نيقولا ستورجيون، زعيمة الحكومة المحلية لإسكتلندا، بأن إسكتلندا من شأنها أن تدفع بفيتو أمام قرار الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، وجاء ذلك في لقاء لها صباح يوم الأحد 26 يونيو/ حزيران على قناة BBC الإخبارية.

ويتوقع ريتشارد كذلك، أن يأتي بوريس جونسون، عمدة لندن السابق والعضو البارز في حزب المحافظين، كرئيس للوزراء، خلفًا لديفيد كاميرون الذي أعلن تركه للمنصب غداة الاستفتاء، والذي ستكون سياساته على غير هوى هيلاري كلينتون -المرشحة الديمقراطية المحتملة لرئاسة الولايات المتحدة- إذا ما فازت في انتخابات الرئاسة القادمة، لموقفها الرافض لخروج بريطانيا، لذا فإن ثمة علاقات متذبذبة وقلقة منتظرة بين الولايات المتحدة وبريطانيا في السنوات القادمة، لا سيما وأن الولايات المتحدة ستكون أحرص على علاقاتها ببلدان الاتحاد الأوروربي، إذا ما تم الانفصال.

 

ترامب في مواجهة كلينتون

بسرعة البرق طار دونالد ترامب -المرشح الجمهوري المحتمل للرئاسة الأمريكية- إلى إسكتلندا ليهنئ شعبها بانفاصلهم عن الاتحاد الأوروبي، ويعُد المرشح الأمريكي اليميني القرار انتصارًا لمبادئه التي ترشح للرئاسة الأمريكية على أساسها، أمريكا أولًا، والتي يدعو خلالها إلى غلق المجال الأمريكي في وجه الوافدين، والانصراف إلى أولويات الداخل الأمريكي بعيدًا عن ضوضاء العالم.

 

 

لكن متابعين يرون أن الرياح قد تأتي بما لا يشتهي ترامب، وهذا ما يمكن أن تصدقه الأيام أو تكذبه. فركود السوق الإنجليزية، واهتزاز سوق المال الأكثر استقرارًا في أوروبا، وتلألؤ شبح التفكك، من الممكن أن يغير قناعات الأمريكيين، نحو مزيدٍ من اللبرلة والانفتاح على العالم الخارجي، عكس ما يدعو إليه دونالد ترامب اليميني المتعصب، ويستنبط كثير من المتابعين أوجهًا للشبه ما بين بوريس جونسون وترامب، ويقيسون إمكانية تفوّق ترامب على ما يمكن أن يقدمه جونسون إذا ما جاء خلفًا لكاميرون. ولا ننسى أن حادثة الانفصال تجسد وبشكل دراماتيكي المشهد الانتخابي الأمريكي لما لكل مرشح من وجهة نظر مغايرة لوجهة نظر منافسه، وكلا وجهتي النظر منبثقتان من لُب السياسة التي يمثلها كلاهما، ترامب وهيلاري.

مزيد من التفكك أم فرصة أخيرة للتماسك؟

«على الاتحاد الأوروبي أن يعيد توازنه بقوة من خلال تفعيل شراكة ألمانية- فرنسية قوية». *محمد الريان، كبير المستشارين الاقتصاديين لشركة أليانز

ويتوقع الريان أن حزب المحافظين البريطاني خلال الأشهر الخمسة القادمة سيلتف خلف قيادةٍ جديدة، بعد رحيل كاميرون المنتظر، لإعداد البلاد لانتخابات جديدة والبدء في جولة محادثات مع الاتحاد الأوروبي للتوصل حول اتفاقات شراكة تحل محل العضوية الكاملة في الاتحاد، تماشيًا مع وضع بريطانيا الجديد. ويتوقع الريّان أن حكومات الاتحاد الأوروبي لن تتكلف عناء إنجاز المفاوضات، فهو ينظرون إلى بريطانيا الناشزة كما ينظرون إلى أحزاب المعارضة في بلدانهم، فبريطانيا عنت للاتحاد الأوروبي الكثير، ورحيلها كذلك، فهي القوة العسكرية الأكبر في الاتحاد، وسوقها المالي هو الأكثر استقرارًا، وتدخلاتها الإقليمية والدولية أكثر حسمًا من غيرها، كونها تنطلق في تعاملاتها من كونها ملكية وإمبراطورية، ودولة استعمارية لطالما عرفها العالم عبر التاريخ وعانى ويلاتها.

 

وليس بعيدًا عما ذهب إليه الريّان في قراءته للمشهد، والتي نشرتها مجلة politico في عددها الصادر 25 يونيو/ حزيران، فإن خروج بريطانيا يستجلب المزيد من المخاوف حول مزيدٍ من التفكك قد يصيب الاتحاد الأوروبي، فبريطانيا ليست وحدها من تحوي أحزابًا سياسية محافظة أو قومية معادية لثقافية الاتحاد، هناك في النمسا وحدها مثالًا لا حصرًا، أحزاب كتحالف من أجل المستقبل، والمجمع الانتخابي المسيحي، وحزب اليسار الاشتراكي. وتنشط الأحزاب المناهضة للاتحاد الأوروبي إجمالًا في بلدان: النمسا وألمانيا وهولندا وفرنسا والدنمارك وبولندا والمجر واليونان وإيطاليا. وأسباب أخرى قد تدفع بعض البلدان للخروج بعيدًا عن الاتحاد، مثل هذه الدول التي تعاني أزماتٍ اقتصادية متتابعة: أيرلندا واليونان وقبرص وإسبانيا والبرتغال. وكأقرب مثال على ما نقول، فالجبهة الوطنية في فرنسا هي الأخرى تدعو لاستفتاء حول بقائها داخل الاتحاد، ولديها فرصة لإنفاذ مطلبها إذا ما تمكنت من الفوز بانتخابات الرئاسة العام المقبل 2017.

فنحن اليوم أمام وجهتين للنظر، إحداهما ترى في خروج بريطانيا من عباءة الاتحاد الأوروبي إيذانًا بتفككه وإضعافه، وهذا الطرح لا ينبغي بأي حال من الأحوال تناوله ببساطة وأريحية لصعوبة حدوثه، لكن بالطبع ستنظر هذه الدول التي تجتاحها نزعات انفصالية بترقب إلى الموقف الثنائي البريطاني- الأوروبي المتأزم، لمتابعة كيفية إدارة أزمة الانفصال، فإذا ما بدت سهلة لينة، كان ذلك حافزًا لخطوات مماثلة. ووجهة أخرى للنظر ترى فيها إنذارًا لدول الاتحاد لدفعها لمزيد من التماسك فيما بينها، استنادًا للمثل القائل، الضربة التي لا تقتلك تقويك.

 

من العالم أحادي القطب إلى…

يذهب إيان بريمر، رئيس مجموعة أوراسيا والأستاذ في جامعة نيويورك، إلى ما هو أبعد من المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وحتى الانتخابات الأمريكية، وينظر إلى مسألة الخروج البريطاني بمزيد من التوسع والشمولية، ويرى خروج بريطانيا من المجموعة الأوروبية دافعًا لدول أوروبا المتعددة للالتفاف أكثر وأكثر حول ألمانيا، محور أوروبا وقطبها الأول، بعد رحيل بريطانيا.

وهذا من شأنه أن يقوي شوكة ألمانيا، ويجعل منها قوة دولية صاعدة وثابتة، ويجعلها بريمر في مقاربة مع الولايات المتحدة التي ما أسفرت زيارة رئيسها لبريطانيا قبل شهرين -قبيل الاستفتاء- عن شيء! (أي عن منع إتمام الانفصال)

إذن فنحن على موعد مع مزيدٍ من التشظي والتشرذم في البناء الدولي، على مختلف الأصعدة، السياسية والدولية والاقتصادية، وينظر البعض شرقًا إلى  روسيا التي تتابع هذا الوضع منتشية، تبحث في كيفية تحقيق مزيدٍ من التجزئة والتفتيت للكتلة الأوروبية على حدودها الغربية، التي لتوها فقدت الجزء الأكبر من ثقلها العسكري.

وتبدو وجهة نظر بريمر متشائمة إلى حد كبير، إلا أنها تأتي في سياق يرى الرجل فيه حادثة الانفصال البريطاني بتأثيراتها في الساحة الدولية لا تقل عن حادث 11 سبتمبر/ أيلول، وأزمة الصواريخ الكوبية.

 

بريطانيا تقود الاتحاد الأوروبي بعد الانفصال!

دينيس روس، والذي عمل مستشارًا للسياسة الخارجية لاثنين من رؤساء الولايات المتحدة، جورج واشنطن بوش وبيل كلينتون، يتحدث عن تبعات الانفصال البريطاني، ويتنبأ للاتحاد الأوروبي بأن يكون أقل تواجدًا على الساحة الدولية في السنوات القادمة. وذلك لأن ضغوطًا من داخل الاتحاد ستُمارس على بروكسل للتخفيف نوعًا ما من حدة القرارات التي يتخذها الاتحاد، في ظل معاناة العديد من الدول سياسيًّا واقتصاديًّا، وهذا بالتبعية سينعكس على الحضور الأوروبي في مختلف الأحداث العالمية.

فرغم ما يمكن أن تعانيه بريطانيا العظمى من جراء قرار الانفصال من اضطرابات، إلا أنها من المحتمل أن تُجبر الاتحاد الأوروبي ليحذو حذوها في النوء بنفسه عن مشكلات العالم التي لا تنتهي، لما تعانيه بلدانه من مشكلات تجعلها غير قادرة على التورط في مساحة أوسع من خريطة العالم.

 

و خلاصة القول، إنّ الآراء والتنبؤات بشأن المآلات المرتقبة لانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي لا تتجاوز كونها تنبؤات واستقراءات للمشهد الضبابي، والحدث على الصعيد الدولي جلل، وأغلب الظن أن الكثير من البريطانيين لم يدركوا مآلات اختياراتهم، حتى هرع مئات الآلاف منهم إلى جمع توقيعات لإعادة طرح الاستفتاء، «أنا حقًا مصدومة من أننا صوتنا للخروج، للحقيقة لم أكن أتصور أن كل هذا كان ممكنًا للحدوث بمجرد تصويتنا»، تقول إحدى المصوتين البريطانيين لصالح قرار الخروج. ومن الناحية القانونية، فإن البرلمان البريطاني غير ملزَم بنتيجة الاستفتاء، إلا أنه كعرف سياسي من غير المعقول أن يضرب بآراء ثلاثة وثلاثين مليون بريطاني عرض الحائط، ومع ذلك من المفترض أن نشهد في الأشهر القادمة جولات من المفاوضات الأوروبية- البريطانية بشأن طبيعة العلاقات الثنائية، السياسية والاقتصادية، وترسيم حدود الانفصال السياسي الجديد، فهل إذا ما فشلت المفاوضات سنشهد تراجعًا -أو حتى مجرد التفاف- عن القرار المستفتى عليه، تحمل الأيام القادمة وحدها إذن عبء الإجابة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد