يُعتبر علم جراحة الأجنّة واحدًا من العلوم التي يُمكنها أن تُنقذ حياة إنسان، وتوفر عليه العديد من المتاعب التي يُمكن أن يُلاقيها في حياته بسبب إصابته بمرض مُزمن حينما كان جنينًا، أو عيب خلقي لا يمكن علاجه بعد الميلاد، ومن هنا أتت أهمية التدخل الجراحي للأجنّة.

فمن بين حوالي 4 ملايين طفل يُولدون في الولايات المتحدة كل عام، يُعاني نحو 120 ألف طفل -بما يُعادل نسبة 3% من الأطفال من عيوب خلقية مُعقدة، وقد عرف الأطباء مُنذ فترة طويلة أن بعض العيوب الخلقية يُمكن علاجها بنجاح بعد الولادة، ولكن مع تطور التقنيات الحديثة في التصوير الجنيني، واختبارات ما قبل الولادة في العقود القليلة الماضية، أصبحت حدود المساحة المُتاحة لمساعدة الأجنّة أكبر مما كانت من قبل.

فقد سمحت أدوات التشخيص الموسعة باكتشاف حالة الجنين بسرعة وبدقة أكبر، وجرى التعرّف إلى طرق جديدة لمساعدة الأجنّة في وقت مُبكر أثناء وجودهم في الرحم، وأصبح علاج الجنين أثناء وجوده في الرحم واحدًا من أكثر المجالات الواعدة في طب الأطفال، وأصبحت جراحة ما قبل الولادة خيارًا لعدد مُتزايد من الأطفال الذين يُعانون من عيوب خلقية.

طبيب أثناء متابعة حالة جنين

وتُعدّ جراحة الجنين إجراءً مُعقدًا وصعبًا؛ إذ يتطلب رعاية شاملة ودقيقة للأم والطفل، وهناك عدد قليل من الأماكن التي تمتلك المهارات والموارد اللازمة لتنفيذ تلك الإجراءات المُعقدة، والتي تُمثل مخاطرة كبيرة بالأم والطفل، بينما على جانب آخر، فمثل هذه الجراحات تكون على قدر كبير من الأهمية لعلاج العيوب الخلقية المُهددة للحياة، أو التي ستحول بين الطفل وبين أن يحيا حياة طبيعية بعد الولادة.

تاريخ جراحات الأجنّة

منذ ما يقرب من 40 عامًا كان الجنين البشري محميًا من المُراقبة بسبب وجوده في الرحم، ولا يجري التعرف بسهولة عما إذا كان مُصابًا بمرض أو عيب خلقي ما، لم يستمر الوضع هكذا، فقد أدى تطور الموجات فوق الصوتية خلال السبعينيات في الولايات المُتحدة الأمريكية، والتي تُجرى قبل الولادة، إلى إحراز تقدم سريع في تقنيات تصوير الجنين وأخذ العينات، مما سمح بفهم أفضل لطبيعة الأمراض التي يُمكن أن يكون الجنين مُصابًا بها، وهو أمر على قدر كبير من الأهمية؛ لأنه على الرغم من التقدم في علاج الطفل بعد الولادة، إلا إنه ما زال هناك بعض العيوب الخلقية التي تتسبب في المرض الدائم، والذي يُلازم الطفل مدى حياته أو يتسبب في الوفاة إذا ولد الطفل بهذا العيب، هذا الأمر يُمكن تلافيه مع تطور جراحة الأجنّة.

ثمة العديد من العيوب الخلقية التي جرى مُعالجتها، وولد الجنين في حالة صحية جيدة وطبيعية.

ويُمكن اعتبار أن أول من بدأ هذا العلم هو الدكتور الأمريكي مايكل هاريسون، والذي كان يُجري عمليات جراحة الأجنة عن طريق عملية جراحية للأم تشبه الولادة القيصرية، ويتم إخراج الجنين خارج الرحم تمامًا وإجراء العملية له، ثم إدخاله ثانية ليكتمل نموه بشكل طبيعي.

ومع تطور الطب الجراحي والتوصل إلى إجراء العمليات الجراحية باستخدام المناظير، كان البلجيكي دان دبرست أول من أجرى عملية جراحة الأجنّة باستخدام المنظار. وبذلك لم يعد الأمر يحتاج أكثر من فتحة بالبطن لا تتجاوز نصف سنتيمتر، كان ذلك منذ حوالي 15 عامًا؛ وما زال التطور مستمرًا، والتطوير في إجراء مثل هذه العمليات قائم حتى يومنا هذا.

علوم

منذ 11 شهر
«اكتئاب ما بعد الولادة».. الوجه الآخر لضحكات المواليد الجدد
516
عبدالرحمن أبو الفتوح

الفضل يعود إلى التطور في طُرق تصوير الأجنّة

كان التقدم في علاج الجنين يُعد أمرًا مُستحيلًا دون التقدم السابق في التصوير الذي حدث خلال الأربعين عامًا الماضية، فتطور التصوير هو الذي سمح بالتشخيص الدقيق والمُتطور لحالة الجنين، وسمح أيضًا بفهم ما هو الطبيعي وما هو الشاذ في التطورات الخلقية للجنين، هذه المعرفة الدقيقة هي التي أدت بدورها إلى تطوير علاجات تهدف للتدخل أثناء الحمل بدلًا من فترة بعد الولادة.

Embed from Getty Images

تحدث أكثر من 80% من الحالات الشاذة للجنين قبل الأسبوع الثاني عشر من الحمل، وهي المرحلة التي يكون تصوير الجنين خلالها أكثر صعوبة، وقد تمكنت الولايات المُتحدة من الوصول إلى العديد من الإمكانات التي تسمح بتقييم حالة الجنين، واستطاعت توفير هذه الإمكانات على نطاق واسع، وبتكلفة مُنخفضة، وطوّرت أمريكا تكنولوجيا الموجات فوق الصوتية ثلاثية الأبعاد ورباعية الأبعاد، مما طوّر بالتبعية من القدرة على تشخيص تشوهات الأجنّة، وجعل التشخيص أكثر دقة.

وقد أصبحت الموجات فوق الصوتية الثلاثية الأبعاد مُتاحة على نطاق واسع عالميًّا، فيعمد طبيب النساء والتوليد إلى الكشف بالموجات الصوتية على الجنين، ويستخدم صورًا ثلاثية ورباعية الأبعاد حتى يتمكن من رؤية الجنين من جميع زواياه، والتأكد من وجود جميع أعضائه، وقياس أحجام هذه الأعضاء للتأكد من كون حجمها طبيعيًّا، مثل حجم الرئة للتأكد من عدم وجود تشوه خلقي بها، كذلك يتأكد من خلوه من العيوب والتشوهات الخلقية، و يفحص ضغط الدم بالحبل السري، و يتأكد أيضًا من عدم وجود تشوهات بالهيكل العظمي.

صحة

منذ سنتين
انس كل ما درسته.. يمكن للمرأة أن تحمل خلال الحمل
4567
علاء الدين السيد

أنواع الجراحة التي تشملها جراحة الأجنّة

هناك ثلاثة أنواع من الجراحات التي يجري بها التدخل الجراحي في المُشكلات الخلقية لدى الجنين، وهي:

1- الجراحات المفتوحة: في هذا النوع من جراحة الأجنّة يجري تخدير الأم لإجراء شق في أسفل البطن لفتح الرحم، ويجري فتح الرحم باستخدام جهاز خاص لمنع النزيف، ثم يُجري الطبيب التدخل الجراحي اللازم للجنين، ثم يُعيده للرحم مرة أخرى ليُتم فترة الحمل ويستكمل تطوره داخل الرحم بشكل طبيعي، أصبحت هذه الجراحة آمنة أكثر على الأم والجنين بعد أن طُورّت تقنيات التخدير والجراحة في الثمانينيات، ومع ذلك فإن هذه الجراحة ليست هيّنة وتتطلب الإقامة في المستشفى لتلّقي العلاج مدّة تتراوح بين ثلاثة وسبعة أيام.

وتتطلب هذه الجراحة أن تكون الولادة قيصرية في هذا الحمل أو حتى في الحمل التالي، وغالبًا ما تتسبب هذه الجراحة في الولادة المُبكرة، مما يتطلب مُراقبة طبية دقيقة للحالة، وتوافر كافة الأدوية اللازمة للسيطرة على حالة الولادة المُبكرة.

2- التدخل الجراحي باستخدام المناظير: في التسعينيات طوّرت القدرة على رؤية الجنين والتدخل الجراحي باستخدام المناظير الداخلية الدقيقة جدًا، وتجرى الجراحة للجنين من خلال أدوات دقيقة جدًّا، ويُتابع الطبيب جراحته من خلال ما تُظهره المناظير على شاشة التليفزيون.

ميزة هذا النوع من الجراحة أنه أسهل على الأم والجنين، ولا يحتاج فترة نقاهة طويلة، لكن تظل احتمالية الولادة المُبكرة قائمة في هذا النوع من الولادة أيضًا، وخلاله يكون من الضروري أيضًا مُراقبة الحمل عن قرب، للسيطرة على حدوث الولادة المُبكرة، وهو يتطلب طبيبًا مُتابعًا على قدر عالٍ من الكفاءة.

يحلّ التدخل الجراحي بالمنظار محل الجراحة المفتوحة في حل بعض مُشكلات الجنين فقط، ولكن ليس كل مُشكلات الجنين الصحية يُمكن حلها بتدخل جراحي بالمنظار، فهي فعّالة في علاج مشاكل المشيمة بشكل خاص، أو لوضع بالون في القصبة الهوائية للجنين، أو لتخفيف انسداد مثانة الجنين.

3- جراحة الأجنّة الموجهة بالصور: وفي هذا النوع تجرى الجراحة العلاجية للجنين دون فتح الرحم ودون استخدام المنظار، فيجري العلاج الجراحي من خلال العرض التصويري الذي توفره الموجات فوق الصوتية، وهي الأداة نفسها المُستخدمة في مُتابعة الجنين طوال فترة الحمل، ولكن في هذه الحالة يستخدم من أجل توجيه الأدوات مثلما يفعل المنظار، تجرى هذه الجراحة من خلال جلد الأم، أو في بعض الحالات من خلال شق صغير في بطن الأم.

في كثير من الأحيان يُمكن أن تجرى هذه الجراحة والأم مُستيقظة ولكنها تحت تأثير التخدير الموضعي، وهذا النوع من الجراحات يسبب أقل مشاكل ممكنة للأم من حيث مراحل الاستشفاء والمتاعب المُتوقعة، لكن مُشكلة الولادة المُبكرة ما زالت قائمة في هذا النوع أيضًا، وقد استخدم هذا النوع من الجراحات في البدء للحصول على عينات من دم الجنين، ثم تطور ليُستخدم في حل مُشكلات التوائم الشاذة عن طريق الاستئصال بالترددات اللاسلكية، كذلك يُستخدم أيضًا في علاج مُشكلات القلب لدى الجنين.

بعد الولادة يكون الطفل على الأغلب قد تجاوز مراحل الصعوبة والخطأ، لكنه قد يحتاج أن يوضع في الحضانة لبعض الوقت إذا كانت لديه مُشكلات، وإذا لم يوجد فيوضع لفترة أقل من أجل المُتابعة فقط والتأكد من خلوه من المُشكلات التي حدثت له حينما كان جنينًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد