عمَّ البِشرُ وجوهَ المجتمعين، وتنفَّسوا الصعداء، إذ جاءتهم للتوّ بشارة عظيمة. حملت الرسالة التي وصلتهم من الشام أنباءً كانت معنوياتهم بحاجةٍ ماسَّة لمثلها، في هذا الحصار الصعب الذي فرضه عليهم الصليبييون وأعوانهم، في ذلك البلد القريب البعيد. لقد تمكَّن جيش الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي من إيقاع هزيمة ساحقة بتحالفٍ صليبي كبير في منطقة حارم قرب حلب، وتمكَّن من أسر بعض كبار الأمراء الصليبيين، منهم كونت طرابلس، وأمير أنطاكية.

أمر قائد الجيش أسد الدين شيركوه بنشر أخبار الانتصار العظيم بين الجنود، والذين لم يتمالكوا أنفسهم، فصدحوا بتكبيراتٍ مجلجلة هزَّت الأرض والسماء في مدينة بلبيس المصرية وجوارها. لكن كيف أصبح أكبر قادة جيوش نور الدين محمود بن زنكي ملك الشام وحلب، محاصرًا على يد المصريين في مدينة مصرية بمقربة من العاصمة القاهرة، والتي كانت آنذاك هي معقل الخليفة الفاطمي العاضد؟

بدأ ذلك الفصل المهم من الصراع الإسلامي الصليبي، عندما وفد الوزير شاور من مصر إلى نور الدين بالشام، يطلب دعمه لإعادته إلى سد الوزارة في مصر بعد أن انتزعها منه خصمه ضرغام. وافق نور الدين على دعم شاور، في مقابل أن تتواجد قواتٍ لنور الدين بمصر، وأن يحصل على ثلث خراج مصر. كان نور الدين يهدف إلى الاستعانة بموارد مصر الكبيرة، وموقعها المهم، في استكمال الجهاد ضد الصليبيين.

إحدى حلقات مسلسل صلاح الدين الأيوبي

نجح الجيش الشامي المكون من ألف فارسٍ فحسب، بقيادة أسد الدين شيركوه، الذي عيَّنه نور الدين لقيادة الحملة، في هزيمة جيش ضرغام، والذي لم تصله نجدة الصليبيين التي استقوى بها في الوقت المناسب، فخُلعَ وقُتل، واستعاد شاور الوزارة، إلا أنه أخلَّ باتفاقه مع نور الدين، وطالب أسد الدين بالرحيل فورًا، وراسل الصليبيين للاستعانة بهم ضد الجيش الشامي الذي أعاده إلى الوزارة.

عندما بلغت أنباء الخيانة، واقتراب الجيش الصليبي، أسدَ الدين، تحصَّن بمدينة بلبيس، ليحاصره فيها جيش شاور والصليبين. طارت أنباء ما آلت إليه الحملة بمصر إلى نور الدين في الشام، فقرَّر القيام بعمل عسكري كبير ضد الصليبيين انتقامًا من تدخلهم السافر في مصر، وتخفيفًا من الضغط على جيشه المحاصر بعيدًا في قلب مصر. 

العادل بن العادل بن العادل

قبل قرنٍ من الزمان من أحداث هذا التقرير، استولى الأتراك السلاجقة على بغداد عام 447هـ/ 1055م، وفرضوا أنفسهم سلاطين لبغداد بدلًا من الفُرس البويهيين. كانت الخلافة العباسية آنذاك في حضيضِ الضعف، فعلى مدار قرون، لم يعد لخليفة بغداد تأثير يُذكر في مجرى الأحداث في بلاد العالم الإسلامي، إذ كان كبار الأمراء يستأثرون بصلاحيات الحكم والنفوذ.

لعشرات السنين، ظلَّت دولة السلاجقة قويةً متماسكة، تبسط سيطرتَها على أجزاء شاسعة من الشرق الإسلامي، من أواسط آسيا شرقًا إلى الأناضول غربًا، ومن القوقاز شمالًا إلى الشام والحجاز جنوبًا، لكن مع مرور الوقت، ضعفت الدولة، وأخذت في التفكك إلى عشرات الدويلات المستقلة، والتي انفرد بحكمها أمراء الدولة الأتراك، وكان أكثرهم يلقبون بلقب «الأتابك»، والذي كان يعني «أبا العساكر».

انشغل أكثر هؤلاء الأمراء بالتقاتل في ما بينهم. سهَّل هذا التفكك مهمة الغزو الصليبي للشام أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، وأوائل القرن الثاني عشر، فتمكَّن الصليبيون من السيطرة على كامل الساحل الشامي، وفلسطين، وفي القلب منها بيت المقدس.

كانت أولى المحاولات الجادة لمقاومة الوجود الصليبي في الشام، هي محاولة أتابك الموصل مودود بن التونتكين، والذي تحالف مع طغتكين أمير دمشق، ونجحا في إلحاق هزيمة كبيرة بالصليبيين في موقعة الصنبرة قرب طبرية في فلسطين عام 507هـ/ 1113م. لكن لم يُمنح مودود الوقت الكافي لاستكمال مشروعه التحرري ضد الصليبيين، إذ اغتاله الفداوية الحشاشون بعد أيامٍ من الانتصار.

أما الانعطافة الكبيرة الأولى في مسار التحرر من الصليبيين، فكان رائدها هو الأتابك عماد الدين زنكي بن آقسنقر، والذي كان أحد رجال مودود. كان والده الأمير قسيم الدولة آقسنقر، قبل زمنٍ، نائبًا للملك السلجوقي ملكشاه على حلب، وذاع صيت آقسنقر آنذاك في الكفاءة والعدل في إدارة حلب.

نجح الأتابك زنكي بعد صراعاتٍ على السلطة في أن يسيطر على الموصل وحلب معًا، ومن ثمَّ كرَّس جهوده للجهاد ضد الصليبيين، وكذلك محاربة غيره من أمراء الشام المتخاذلين والمتعاونين مع العدو. نجح عماد الدين في توجيه أول ضربة قاصمة للصليبيين عندما انتزع مملكة الرها -جنوب تركيا- عام 1144م/ 539هـ، وكانت أولى الممالك الصليبية الأربعة سقوطًا.

تولّى الملك العادل -كما كان يُلقَّب- نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر حكم المملكة، خلفًا لأبيه عماد الدين زنكي، الذي اغتاله بعض الخونة في معسكره عام 541هـ/ 1146م أثناء حصاره قلعة جعبر في الشام. أحسن نور الدين محمود السيرة في حكم البلاد الخاضعة له، وواصل مشروع أبيه في الجهاد ضد الصليبيين.

نجح نور الدين في الاستيلاء على العديد من المدن والحصون الصليبية. وذلك في عملياته العسكرية التي بدأت منذ العام الأول لحكومته، وكان له في كلٍّ عامٍ تقريبًا غزوةٌ قوية في الأراضي المحتلَّة، تكلَّل أغلبها بالانتصار، وبتحقيق المزيد من المكاسب على الأرض.

تمكَّن نور الدين بعد سنواتٍ من ضم دمشق -التي طالما هادن حكامُها الصليبيين- بعد محاولاتٍ عديدة، ورضي أهل المدينة بحكم نور الدين الذي تسامعوا بعدله، وبحروبه المظفَّرة ضد الصليبيين، وكان ذلك عام 549هـ/ 1154م. أحدثَ ضمُّ دمشق هزَّة كبيرة في المنطقة، إذّ قلب موازين القوى في غير صالح الوجود الصليبي، والذي تضاعفت قوة خصمه الأول نور الدين، وأصبحت حدود مملكته على مشارف فلسطين، وبدأت أنظاره تتوجَّه إلى ما هو أبعد وأبعد.

بعد سنواتٍ من فتح دمشق، بدأ فصلٌ حاسم من الصراع الإسلامي- الصليبي، عندما بدأت معركة السيطرة على مصر، والتي بدأ أول فصولها باستنجاد وزير مصر شاور بنور الدين، عام 559هـ/ 1163م، وكان هذا في فترةٍ استحرَّت فيها رغبة نور الدين في مقارعة الصليبيين، وإيلامهم، انتقامًا من هزيمتهم له في العام السابق 558هـ/ 1163م في موقعة البُقَيْعةْ، والتي كاد نور الدين يفقد فيها حياته، بعد أن واجه جيشه تحالفًا صليبيًّا كبيرًا من جيوش مملكة القدس، وأنطاكية، وطرابلس، ومعهم المئات من المتطوعين الأوروبيين، والبيزنطيين.

كان هذا الانتصار الاستثنائي للصليبيين على نور الدين، مشجعًا لملك القدس الصليبي أمالريك على المضيّ قدمًا في مطامعه، ومغامراته السياسية والعسكرية الهادفة للاستيلاء على مصر.

مودود بن التونتكين.. الأمير التركي الذي دقّ أول مسمار في نعش الصليبيين

معركة الأمراء الثلاثة

بحلول صيف عام 1164م/ 559هـ، كان نور الدين محمود قد حشد الآلاف من جنوده وفرسانه، وانضم لهم المئات في تعزيزاتٍ من الموصل وغيرها، وذلك للقيام بإغارة كبرى ضد الصليبيين للانتقام من هزيمة العام السابق، وللفتّ في عضد ملك القدس الصليبي -أقوى ملوك الصليبيين- الذي كان يحاصر جيش أسد الدين شيركوه على مشارف القاهرة.

توجه جيش نور الدين للاستيلاء على حصن حارم الصليبي الحصين، الواقع قرب حلب. لما ترامت أنباء حصار حارم إلى مختلف المناطق الصليبية، خرج التحالف الصليبي الكبير الذي هزم نور الدين في العام السابق، باستثناء أمالريك ملك القدس الذي كان في حملته بمصر، واصطف الجمعان على مقربة من حارم في يوم 22 رمضان 559هـ/ 19 أغسطس (آب) 1164م.

هجم الصليبيون بضراوة على ميمنة جيش نور الدين، والتي انهزمت بتدبير عسكري، وذلك لسحب فرسان الصليبيين بعيدًا عن أرض المعركة، ريثما يتسنَّى لباقي جيش المسلمين الإجهاز على المشاة الصليبيين المتروكين دون فرسانهم، وهذا ما تمَّ فعلًا، وأصبح مشاة الجيش الصليبي بين قتيل وأسير.

عاد فرسان الصليبيين بعد المطاردة العبثية، ليصعقهم هولُ ما جرى لمشاة الجيش. وقبل أن يفيقوا من الصدمة، عاجلتهم كامل قوات نور الدين بهجوم شامل من كافة الاتجاهات، استحرَّ على إثره القتل في الصليبيين، حتى تنادى المسلمون بالكف عن المزيد من القتل، والتركيز على الأسر، وذلك من أجل المبادلة بأسرى المسلمين، ومن أجل الافتداء.

وكانت الطامة الكبرى على الصليبيين أن قائمة الأسرى ضمَّت تقريبًا كافة أمرائهم الكبار، وفي مقدمتهم أمير أنطاكية، وقُمص طرابلس، وقائد المتطوعة البيزنطيين وغيرهم، ولذا عرفت المعركة بمعركة الأمراء الثلاثة. وقدَّرت المصادر العربية قتلى الصليبيين في تلك المعركة بأكثر من 10 آلاف.

ما بعد حارم

أَخَذْتُمْ عَلَى الْإِفْرَنْجِ كُلَّ ثَنِيَّةٍ * وَقُلْتُمْ لِأَيْدِي الْخَيْلِ مُرِّي عَلَى مُرِّي

لَئِنْ نَصَبُوا فِي الْبَرِّ جِسْرًا فَإِنَّكُمْ * عَبَرْتُمْ بِبَحْرٍ مِنْ حَدِيدٍ عَلَى الْجِسْرِ

الشاعر عمارة اليمني ممتدحًا صمود أسد الدين شيركوه ضد جيش أمالريك (مُرِّي هو تعريب لاسم أمالريك)

أصبح حصن حارم كالثمرة الناضجة في موسم الحصاد، فدخله جيش نور الدين بعد أيامٍ قليلة من الانتصار الساحق. ضغط بعض مستشاري نور الدين عليه لاستغلال الفراغ في الممالك الصليبية، والاستيلاء على أنطاكية، لكنه رفض ذلك، حتى لا يصبح في مواجهة مباشرة مع الإمبراطورية البيزنطية بكامل عددها وعدَّتها، والتي كانت تعتبر أنطاكية تحديدًا في نطاق نفوذها، ولم يرَ من التخطيط الصائب إضافة عدو كبيرٍ جديدٍ مثل هذا إلى الصراع الدائر مع الصليبيين.

لكن، ولحصاد المزيد من ثمار الانتصار في حارم، توجَّهت جيوش نور الدين إلى مدينة بانياس الساحلية، بعد أن خادَع الصليبيين بالتظاهر بالتوجه نحو طبرية. فوتَّت الخدعة على الصليبيين وقتًا ثمينًا لنجدة بانياس، فسقطت في يد نور الدين، بعد أكثر من 16 عامًا من استيلاء الصليبيين عليها.

خشي أمالريك ملك الصليبيين من اضطراب الأوضاع في الشام وفلسطين بعد الهزيمة المنكرة في حارم، وأسر معظم مقدَّمِي الممالك الصليبية، فوافق على الصلح مع أسد الدين شيركوه، رغم صعوبة موقف الأخير عددًا وعدَّةً تحت الحصار في بلبيس التي كانت قصيرة السور، وغير جيدة التحصين، وذلك ليتمكن أمالريك من العودة إلى مملكته سريعًا.

كان من شروط الصلح في مصر، انسحاب كل من الشاميين والصليبيين من مصر، وترك الأوضاع بالقاهرة على حالها، العاضد الفاطمي خليفةً، وكان لا يملك من الخلافة إلا الاسم، إذ صلاحيات الحكم في القاهرة احتكرها الوزراء منذ عقود، وشاور وزيرًا.

لكن حمل المشهد ككل هزيمةً كبيرة للصليبيين تكتيكيًا، واستراتيجيًا. فقد نالوا في الشام هزيمةً لم يشهدوا مثلها منذ سنواتٍ، أضعفت قوتهم العسكرية كثيرًا، وجعلت نور الدين أكثر جرأةً على الإقدام ضدهم، كما دخلت مصر لأول مرة منذ عقود على جبهة الصراع الإسلامي- الصليبي، وبات شبح انضمام مصر للشام كفكيّ كماشة تطبقان على الوجود الصليبي أقرب تمثُّلًا على أرض الواقع.

لم يحُل التعادل السلبي في الجولة الأولى من الصراع على مصر، دون اندلاع جولتيْن تاليتيْن، بين نور الدين والصليبيين، انتهت أولاهما أيضًا بالتعادل، لكن كانت الثالثة ثابتة، وتمكَّن أسد الدين شيركوه، وابن أخيه صلاح الدين الأيوبي، من استنقاذ مصر من الصليبيين، والقضاء على الوزير شاور، ليصبح العم، ثم ابن أخيه وزيري مصر.

هذا قبل أن يلغي صلاح الدين بعد سنواتٍ قليلة الخلافة الفاطمية نهائيًّا، ثم يوحد الشام ومصر بعد وفاة نور الدين محمود عام 1174م/ 569هـ وما أعقبها من اضطراباتٍ وانشقاقاتٍ، ليبدأ جني الثمرة الكبرى من الكفاح الإسلامي المرير لعقود بالانتصار العظيم في موقعة حطين الفاصلة عام 1187م/ 583هـ، وما أعقبها من تحرير بيت المقدس.

حجر بن عدي.. قصة أول معارض سياسي يُعدم في الإسلام

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد