1,458

أثار احتجاز السلطات الإيطالية للسياسي المصري المعارض والوزير في حكومة الرئيس المصري المعزول محمد مرسي، محمد محسوب، – قبل أن يجري إطلاق سراحه بعد ساعات – ردود فعل متباينة، فبينما هلل أنصار السلطات المصرية للخطوة الإيطالية، التي جرت بعد إصدار مذكرة توقيف بحق محسوب من قبل «المنظمة الدولية للشرطة الجنائية» (الإنتربول)، اتهم آخرون المنظمة بالخضوع لإملاءات سياسية من الأنظمة والحكومات.

الإنتربول.. من لجنة أوروبية إلى «شرطة العالم»

في عام 1914، اجتمع مجموعة من الضباط والقضاة في مدينة موناكو الفرنسية من 24 بلدًا بهدف تنسيق الجهود لملاحقة المطلوبين الدوليين وتنسيق إجراءات تسليمهم بين البلدان المختلفة، وبعدها بسنوات -عام 1923- بادر رئيس شرطة فيينا إلى إنشاء لجنة عرفت بـ «اللجنة الدولية للشرطة الجنائية» واتخذت من فيينا مقرًا لها، بعد تصاعد سلسلة من الجرائم الدولية وبخاصة في النمسا، وتم حينها إصدار أول نشرة تتضمن مطلوبين دوليًَا.

توالت بعد ذلك الإجراءات التي عززت من نشاط اللجنة، والتنسيق بين الدول الأعضاء فشهد عام 1927 قرارًا بإنشاء مكاتب مركزية وطنية للشرطة الدولية داخل الدول الأعضاء، وفي عام 1930 تم إنشاء مكاتب متخصصة لمتابعة القضايا الكبرى مثل تزوير جوازات السفر أو العملات، وبعدها بخمس سنوات أنشئت شبكة خاصة للاتصالات الدولية اللاسلكية المأمونة.

Embed from Getty Images

ضمت ألمانيا النمسا 1938، ومن ثم فقد خبا دور الشرطة الدولية وامتنعت الكثير من الدول عن المشاركة في أنشطتها، وانتقل المقر الرئيس للجنة إلى برلين عام 1942، ثم نجحت في إعادة بناء المنظمة مجددًا، وافقت الدول الأعضاء على عرض فرنسي بتوفير مقرات وسكرتارية عامة تتضمن عناصر من الشرطة الفرنسية للمنظمة، واختيرت باريس مقرًا لها، وأصبح يشار إليها بالـ«الإنتربول» في البرقيات الرسمية.

وفي عام 1956 غُير اسمها إلى «المنظمة الدولية للشرطة الجنائية  International Criminal Police Organization» وصار لها ميزانية مستقلة من اشتراكات الدول الأعضاء، وقد اعترفت الأمم المتحدة بالإنتربول بوصفها منظمة دولية في عام 1971، وفي عام 1989 انتقل مقر الأمانة العامة للمنظمة إلى مدينة ليون في فرنسا.

كانت «الإنتربول» في البداية أقرب إلى  منظمة أوروبية، مع دعم محدود من دول غير أوروبية (لم تنضم الولايات المتحدة للمنظمة إلا في عام 1938)، لكنها شهدت ازدهارًا تحت قيادة السكرتير العام الفرنسي جيان نيبوت (1963-1978) حيث صارت أكثر فعالية وارتفع عدد أعضائها ليصل في الثمانينيات إلى 125 دولة.

كيف تعرف المنظمة نفسها؟

بحسب الموقع الرسمي للمنظمة، يبلغ عدد الدول الأعضاء اليوم في المنظمة التي يمكن وصفها بـ«شرطة العالم» 192 دولة، وتتمثل مهامها في مساعدة جميع أجهزة الشرطة حول العالم في أداء مهامها بفعالية، عبر توفير الأدوات والتدريبات التي تساعدها على إدراك التوجهات الإجرامية وتحليل المعلومات وتعقب المجرمين.

وتتمثل رؤية المنظمة -بحسب موقعها الرسمي- في «الوصل بين أجهزة الشرطة لجعل العالم مكانًَا أكثر أمانًا، حيث تهدف إلى «تسهيل التعاون الدولي بين أجهزة الشرطة حتى في غياب العلاقات الدبلوماسية بين بلدان محددة، ويجري التعاون في إطار القوانين القائمة في مختلف البلدان وبروح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان».

وتشمل مجالات الإجرام التي يفترض أن تحاربها الشرطة الدولية طيفًَا واسعًا من الجرائم والمخالفات، بدءًَا من جرائم الحرب والعمليات الإرهابية، والجرائم التي تستخدم الأسلحة الكيماوية والنووية والبيولوجية والإشعاعية، والاتجار بالبشر وجرائم الاعتداءات على الأطفال وتجارة الأسلحة والاتجار بالمخدرات.

Embed from Getty Images

جانب من المقتنيات التي ضبطتها الشرطة الدولية في الأرجنتين

كما يمتد نشاط  المنظمة إلى ظاهرة سرقة الأعمال الفنية والاتجار غير المشروع بالتراث الثقافي، والجرائم المتصلة بالاعتداء على البيئة والموارد المائية، والجرائم المتصلة بالمواد الصيدلانية، فضلاً عن الجرائم المالية كالاحتيال وغسيل الأموال وتزوير العملات وبطاقات الدفع، كما يبدي «الإنتربول» اهتمامًا خاصًا حيال الجرائم السيبرانية وجرائم القرصنة الإلكترونية.

وتعد الهيئة الإدارية الأعلى في المنظمة للجمعية العامة التي تضم مندوبًا تعينه حكومة كل دولة من الدول الأعضاء، وتجتمع الجمعية العامة سنويًا لرسم سياسات المنظمة وأساليب العمل، كما تقوم بانتخاب أعضاء اللجنة التنفيذية (13 عضوًا) التي تشرف على تنفيذ قرارات الجمعية العامة وتجتمع ثلاث مرات سنويًا.

وتقع الأمانة العامة للمنظمة -كما ذكرنا- حاليًا في مدينة ليون الفرنسية، وهي تعمل على مدار الساعة بدون توقف، وأمينها العام الحالي هو الألماني يورغن شتوك، كما توجد للمنظمة سبعة مكاتب إقليمية في الأرجنتين والكاميرون وكوت ديفوار والسلفادور وكينيا وتايلاند وزيمبابوي، كما يوجد في كل بلد من الدول الأعضاء مكتب مركزي وطني، يمثل حلقة الاتصال بين جهاز الشرطة في هذا البلد والإنتربول.

وتعد الدول العربية جميعها أعضاء في الإنتربول، كما استجابت المنظمة لجهود السلطة الفلسطينية للانضمام إليها، فقبلت فلسطين عضوًا بها عام 2017، -ما سجل انتصارًا للسلطة الفلسطينية في مقابل إسرائيل باعتبارها نجحت في الانضمام إلى أحد أكثر المنظمات الدولية أهمية. ولغات العمل الرسمية في الإنتربول هي الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والعربية.

تحقق العدالة أم تنتصر للأنظمة الحاكمة؟

لا تمل منظمة «الإنتربول» عن التأكيد أن هدفها الرئيس والوحيد هو تحقيق العدالة، ويحتوي شعارها على غصني زيتون رمزًا للسلام، وكفتي ميزان رمزًا للعدالة، كما أن القانون الأساسي للمنظمة يحظر أي نشاط أو تحرك «ذا طابع سياسي أو ديني أو عسكري أو ديني أو عنصري»، ومن ثم يفترض أن تكون المنظمة محايدة تمامًا، وأن لا تكون طرفًا سياسيًا في العلاقات بين الأنظمة ومعارضيها.

Embed from Getty Images

شعار الإنتربول

ورغم الكثير من النجاحات التي حققتها المنظمة في مجال مكافحة الجريمة المنظمة وإسقاط العديد من شبكات الإجرام الدولية، إلا أن أصابع الاتهام لا تزال توجه لها أحيانًا، باعتبارها تساعد «الحكومات غير الديمقراطية» في ملاحقة المعارضين السياسيين الذين لم يرتكبوا جرائم حقيقية، أو كما وصفها الكاتب البريطاني روبرت فيسك في مقال له بصحيفة الإندبندنت بأنها «تقوم بعمل الطغاة، لكن بلطف أكبر».

فعلى سبيل المثال ألقت السلطات الإيطالية في عام 2015 القبض على المحامي والحقوقي الجزائري المقيم بالخارج رشيد مسلي، المعروف بمناهضته لممارسات الحكومة وأجهزة الأمن الجزائرية، بناء على مذكرة جلب كانت قد أصدرتها الحكومة الجزائرية ضده منذ عام 2012، وبالرغم من أن مسلي قد أفرج عنه لاحقًا وألغيت نشرة التوقيف بحقه بعدما ثبتت براءته من «التهم الكيدية» إلا أنه وصف «الإنتربول» بأنه «أصبح آلية من آليات محاربة حقوق الإنسان» وليس مكافحة الجريمة وتعقب المجرمين.

وبالرغم من أن نظام «الإنتربول» لا يسمح نظريًا للسلطات باستخدامه في توقيف معارضين سياسيين، يسرد البعض أمثلة أخرى للتضييق على معارضين سياسيين بناء على مذكرات توقيف أصدرها «الإنتربول»، انتهاء بواقعة توقيف الوزير المصري السابق في حكومة مرسي محمد محسوب لساعات في إيطاليا.

إذ جرى في عام 2015 كذلك توقيف المذيع المصري بقناة الجزيرة، أحمد منصور، في حد مطارات ألمانيا واحتجازه بناء على مذكرة اعتقال أصدرتها السلطات المصرية ووزعها «الإنتربول»، الأمر نفسه الذي جرى مع الناشط المصري المعارض عبد الرحمن عز في مطار شونفيلد بألمانيا قبل أن يخلى سبيل، والقائمة تطول.

كما تعرض الإنتربول لانتقادات بعدما تبين وجود رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين المصري المقيم بقطر يوسف القرضاوي على قوائمه، بناء على اتهامات وجهتها له السلطات المصرية، قبل أن يجري شطب اسم القرضاوي مع آخرين، بعدما تبين عدم ثبوت هذه الاتهامات.

هذا النمط من الحوادث دفع الكثيرين إلى توجيه انتقادات لنظام عمل «الإنتربول» ،.ففي تقرير لمنظمة الحوار المفتوح، أشارت إلى وجود قصور في نظام العمل، إذ ترسل الدولة خطابًا من جهة قضائية بخصوص أحد المطلوبين إلى السكرتارية العامة للمنظمة، التي تصدر بدورها تنويهًا بخصوص هذا الشخص لكل الدول الأعضاء، حيث يكون لكل دولة الحق في توقيف الشخص من عدمه، وبحسب المنظمة وفي بعض الأحيان -تقول المنظمة- «تظهر النشرات الحمراء (طلبات الاعتقال) في قاعدة البيانات قبل التحقق منها وإقرارها».

كما ينتقد البعض انعدام الشفافية والسلطة شبه المطلقة التي يتمتع بها الإنتربول؛ إذ لا يخضع الإنتربول للمساءلة أمام أي محكمة أو هيئة خارجية، كما أنه ليس ملزمًا بمشاركة أي بيانات مع الآخرين، غير أفراد الشرطة الخاصة به وهيئة الاستئناف الخاصة به. ويتهم هؤلاء الشرطة الدولية بأنها تتعمد أن تفتقر عملياتها إلى الشفافية تحت ذريعة حماية معلومات إنفاذ القانون.

وباختصار، وبحسب وصف جاك واليس سيمونز لصحيفة «الإندبندنت» فإذا قام الإنتربول نفسه بكسر قواعده الخاصة، فلن يوجد أحد يحاسبه على أفعاله، ونشير هنا إلى مفارقة إدانة جاكي سيليبي، الجنوب أفريقي الذي كان رئيسًا للإنتربول بين عامي 2004 و2008، بتهمة الفساد بعدما ثبت تلقيه هدايا ورشاوى بقيمة نحو 100 ألف يورو من أحد تجار المخدرات الذي كان يريد معلومات حول مسار التحقيقات في أحد القضايا المتعلقة به.