العالم المٌفكر والباحث في علم اللاهوت، والذي يطرح دائمًا أسئلة قد تثير حفيظة رجال الدين المتشددين، هو شخصية غير مرحب بها بالمرة في تاريخ المسيحية بالعصور الوسطى في أوروبا، وهذا هو الخط الأحمر الذي عبره العالم الفيزيائي والطبيب الإسباني ميجيل سيرفيت؛ لدرجة وضعته ضمن القائمة السوداء لدى رجال الدين ومحاكم التفتيش الإسبانية.

ولأن الحرق كان وسيلة متعارف عليها لمعاقبة المهرطقين، ولأن أيضًا – ميجيل – تعدى خطوط حمراء فيما يخص الدين لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها؛ فكان يجب أن يكون عقابه مميزًا، ويقال – ببعض المصادر التاريخية – أنه حُرق ثلاثة مرات ليكون عبرة لمن تسول له نفسه التفكير في الأمور اللاهوتية التي تطرق لها.

فمن هو ميجيل سيرفيت؟ وماذا فعل ليتسحق هذا العقاب؟

«إعادة كتابة المسيحية»

كان ميجيل مميزًا منذ طفولته التي قضاها في إسبانيا بالقرن السادس عشر، واستطاع في سن صغيرة إتقان اللغات العبرية واليونانية، وحينما وصل لسن المراهقة سافر إلى فرنسا حيث درس القانون، واشتغل فيما بعد مساعدًا للراهب خوان دي كوينتانا؛ تلك المكانة التي سمحت له بالسفر عبر أوروبا والاختلاط بالثقافات الآخرى، ولكنها أيضًا كانت نافذة له على البابوية، والتي وجد فيها – من وجهة نظره – الكثير من نواحي الفساد.

هذه الملاحظات زرعت الشك في قلب ميجيل تجاه ديانته المسيحية؛ ما دفعه لدراسة الكتاب المقدس باللغة العبرية واليونانية؛ مما دفعه للاقتناع أن نقل الكتاب المقدس من لغته الأصلية للغة اليونانية قد شوه بعضًا من أساسيات العقيدة المسيحية؛ فاستمر في دراسة الاختلافات وتدوينها، موضحًا ما يراه غير صحيحًا في التعاليم المسيحية مما ترتكز عليه الكنائس في أوروبا، ونشر تلك الدراسة اللاهوتية الدقيقة في كتاب بعنوان «De Trinitatis Erroribus» أو «عن أخطاء الثالوث المسيحي»  في العام 1531 أثناء تواجده في إسبانيا.

وهو العنوان الذي لم يحتج قراءةً مفسرة للكتاب لفهم فحواه. وتلك كانت بداية العداء الصريح بين ميجيل والكنيسة؛ حيث اتُهم بالكفر والهرطقة؛ لكونه غير مقتنع بمبدأ الثالوث والذي بُني عليه الدين المسيحي، والذي وضع كلًا من الكاثوليك والبروتستانت ضده؛ فاضطر للسفر مرة آخرى إلى فرنسا، وعكف على دراسة الطب فترة طويلة.

وفي ذاك الوقت بدأ سلسلة من المراسلات الكتابية مع جون كالفين قائد الإصلاح البروتستانتي في جنيف، وسرعان ما اختلفا في الرأي حينما وجد جون أن أفكار ميجيل تتخطى الخطوط الحمراء؛ فتجاهل الرد على رسائله، وفي العام 1546 أثناء مكاتبته لصديق ورد في رسالته اسم ميجيل حينما قال عنه جون: «إذا جاء ميجيل سيرفيت إلى هُنا، وكان الأمر في يدي؛ فلن أسمح له بالخروج من البلد حيًا».

 هل كان الوجود الإسلامي سبب تأخر إسبانيا عن بقية الدول الأوروبية؟

«من يفهم كيف يتنفس الإنسان يستشعر الله في قلبه»

ولكن تلك التحديات لم تستطع أن تمنع عقل ميجيل عن التفكير، ودراسته للطب وجسم الإنسان الذي نظر إليها على كونه معجزةً من معجزات الخالص؛ ساهم في شغفه تجاه فهم الدين والله، ولهذا السبب كان كتابه «Restoration of Christianity» كتابًا مميزًا جمع بين الدين والفكر اللاهوتي؛ موضحًا أن على الطبيب أن يفهم قدرة الخالق في منح الروح للجسد؛ حتى يكون قادرًا على دراسة الطب، واهتم بشكل أساسي بعملية التنفس والتي كانت تسحر عقله لكونها دليلًا على وجود الله وقال في هذا الكتاب: «من يفهم بحق كيف يتنفس الإنسان؛ لاستشعر أنفاس الله في قلبه؛ ووقتها ينقذ الله روحه».

نُشر هذا الكتاب في العام 1552، وتضمن الكتاب آراء معارضة للأساسيات العقيدة المسيحية، ولكنه تضمن أيضًا مبادرة هي الأولى من نوعها في ذاك الوقت بأوربا؛ حينما كتب وجهات نظر رائدة عن الدورة الدموية الصغرى بناءًا على اكتشافات الطبيب المسلم ابن النفيس؛ ليكون أول طبيب على الإطلاق يتحدّى ويجادل علميًا ضد نظريات الطبيب الإغريقي جالينوسعن الدورة الدموية، والتي سادت لما يزيد عن 14 قرنًا في كليات الطب في أنحاء العالم، وعلى الرغم من أنه لم يُمنح الفرصة الكافية لإثبات نظرياته، إلا أنه فتح الباب لأطباء آخرين ليعيدوا النظر في تلك النظريات ومن ثم الطعن فيها وتقديم معلومات جديدة عن علم التشريح البشري ووظائف الأعضاء والتي يعتبر معظمها معتمد الآن عالميًا.

Embed from Getty Images

ميجيل سيفريت

بعد كتابته لهذا الكتاب، والذي يعتبره البعض أحد أهم كتبه على الإطلاق، كان وقتها في فيينا، وعلى الرغم من تجاهل اللاهوتي جون كالفين له؛ إلا أنه أرسل له نسخة من هذا الكتاب ولم يكن يعلم أنه بتوقيع اسمه في مكان المُرسل؛ بأنه يوقع شهادة وفاته؛ فعندما قرأ جون هذا الكتاب وما يحمله من أفكار ثورية دينيًا وطبيًا؛ أمر بالقبض عليه بغرض إعدامه، غير أنه استطاع الهروب.

ولكن سرعان ما عُثر عليه في العام 1553 في جينيف حيث اتهم بالهرطقة والكفر، واحرقوه على عصا من الخشب، كما حُرقت كل كتبه تقريبًا بعد فترة وجيزة من وفاته، لكن بعض النسخ النادرة نجت من المحرقة، وتلك النسخ محفوظة في مكتبة فرنسا الوطنية، ومكتبة جامعة أدنبرة، والمكتبة الوطنية النمساوية.

وجد ضالته في الإسلام

آراء ميجيل التي جاءت في كتابه «Restoration of Christianity»؛ لم تكن تهاجم تعاليم الديانة المسيحية فقط، بل شملت تعبيراته الكثير من التلميحات الساخرة والتي قد يراها أي متدين بالدين المسيحي «مهينة»، وأن كاتبها لابد وأن يكون خارجًا عن  هذا الدين.

وكان ميجيل منفتحًا في قراءاته على الديانات السماوية الآخرى، وقد وجد في الإسلام ما يستحق النظر إليه بعين الاعتبار والاقتناع، فقال في كتابه: «حينما قرأت عن الإسلام والقرآن أيقنت أن الله وحده يعلم أن المسلمين قد يضحكون في سرهم على مفهوم الثالوث المقدس في المسيحية.. لأن المفهوم الرائع للعبادة يكمن في الإيمان بأن الرب الذي خلق كل شيء واحد».

وتلك لم تكن المرة الوحيدة التي استشهدت فيها ميجيل بالدين الإسلامي في كتابه، بل أنه ذكر كل الآيات التي وردت في القرآن عن المسيح؛ موجهًا كلامه للمسيحيين؛ موضحًا لهم أن الرؤية المسلمة للمسيح هي أفضل من الرؤية المسيحية له، ووصف المسلمين بكونهم « يعبدون الإله الحقيقي»، موضحًا أنه وفقًا للقرآن فإن المسيحين الأوائل فهموا مبدأ التوحيد، ولكن الفلاسفة ومؤسسي الديانة هم من «شوهوا» العقيدة المسيحية الأصلية.

التعذيب الجنسي.. هكذا «تفننت» محاكم التفتيش الإسبانية في امتهان أجساد ضحاياها

 

 

المصادر

تحميل المزيد