«وداعًا أيها الغريب.. لقد كانت إقامتك قصيرة، ولكن ممتعة»؛ بتلك الكلمات وصف الكاتب المصري أحمد خالد توفيق المنجم ميشيل دي نوستراداموس في كتابه «أسطورة العراف»، والتي كانت تحاول كشف النقاب عن سر هذا الرجل، والذي صدر له كتاب للتنبؤات في العام 1555، ولا يزال هذا الكتاب يثير الجدل حوله حتى عامنا هذا.

فسر أحمد خالد توفيق في كتابه قدرة هذا الرجل على رؤية المستقبل بأنه مسافر عبر الزمن، استطاع أن يرى الأزمنة بالفعل ويكتب عنها، فما هي الحقيقة وراء نوستراداموس الذي تنبأ بأن العام 2019 هو بداية نهاية العالم؛ حينما تبدأ فيها حرب تستمر لثلاثة عقود كاملة، حتى ينتهي العالم تمامًا في العام 3797.

الحرب التي تحدث عنها نوستراداموس في نبؤاته لهذا العام ووفقًا للمفسرين؛ هي الحرب العالمية الثالثة، والتي ستندلع بين القوى العالمية الكبرى، ومن المفترض أن يظهر وقتها شخص يدعي أنه المسيح الدجال، ولكن يعترض مسار تلك الحرب جسم سماوي كبير يرتطم بالأرض، ويتسبب في مقتل الكثير من الضحايا، وتسيل الكثير من الدماء؛ فيضطر أطراف النزاع إلى وقف الحرب وإنهائها لصالح الشرق على الغرب، ولكن بعد هذه المرحلة السيئة، تأتي مرحلة أفضل يهتم فيها القادة والسياسيون بالتوافق والاجتماع لتغيير ومعالجة مناخ كوكب الأرض حتى يُمنح البشر فرصة جديدة للعيش عليه، ولكن – وفق توقعاته – هذا يستمر حتى العام 3797 فقط.

مترجم: الكشف عن صور التقطت سرًّا من الحرب العالمية الأولى لم تُعرض من قبل 

 

لماذا حظى نوستراداموس بتلك المكانة؟

منذ زمن بعيد وحتى اليوم يحاول الكثيرون إقناع العالم بقدرتهم على التنبؤ وسبر أغوار الغيب، ونوستراداموس لم يكن الوحيد الذي قرر أن يعلن عن نفسه بهذا الوضوح، وعن قدراته علة التنبؤ بالمستقبل، وعلى الرغم من إيمان العديد من الملوك قديمًا والقادة حديثًا بأهمية وجود منجمين بجوارهم يخبرونهم عن الأيام الأفضل للسفر، وإلقاء الخطابات وخلافه؛ إلا أن نوستراداموس ظل متربعًا على عرش التنجيم لوقت طويل، ووصل صيته إلى جميع أنحاء العالم، حتى أن بعض دور النشر اهتمت بتقديم تفسيرات وتوضيح لكتابه النبوءات، وأصدروا كتابًا بعنوان: «Nostradamus For Dummies»؛ أو «تنبؤات نوستراداموس للمبتدئين أو الأغبياء».

كانت نبوءات نوستراداموس ملغزة في أبيات من الشعر، يتضمن الكثير من التشبيهات الغامضة؛ الأمر الذي جعل الكثير يفسرون تحقق نبؤاته بأن هذا الكلام قد يسري على أي شيء يحدث في المستقبل، كونه شخصًا ذكيًا قادرًا على تشفير تلك الكلمات لتتوافق مع أمور شائعة الحدوث في تاريخ البشر وتاريخ السياسة.

ولكن بعض النبؤات شغلت أذهان المهتمين بالأمر لكونها تنطبق على أحداث حقيقية على سبيل المثال يقول نوستراداموس: «من أعماق غرب أوروبا، سوف يولد طفل صغير من الفقراء، هو الذي بلسانه سوف يغري مجموعة كبيرة، سوف تزيد شهرته نحو عالم الشرق، والوحوش الشريرة مع الجوع ستعبر الأنهار، الجزء الأكبر من ساحة المعركة سيكون ضد هيستر، في قفص الحديد سوف يرسم الشخص العظيم، عندما لا يلاحظ طفل ألمانيا شيئًا».

Embed from Getty Images

نوستراداموس

وبتأمل تلك النبؤة ندرك أنها تقصد أدولف هتلر الذي ولد في العام 1889 بين أسرة فقيرة بأوروبا الغربية، وتحول إلى قائد شعبي من خلال أحاديثه المؤثرة وقدرته على جمع الحشود، أو كما ذكر المنجم: «لسانه سوف يغري مجموعة كبيرة»، وفي حين ظن البعض أن كلمة «هيستر» في النبوءة كانت غلطة مطبعية؛ إلا أنه قد اتضح أنها الاسم القديم لنهر الدانوب في النمسا، والذي ولد هتلر في منطقة مجاورة له.

من النبوءات الأخرى التي ذكرت أرقام واسم المدينة صاحبة النبوءة، هي التي قال فيها: «سوف تُذرف الدماء في لندن، وستحترق في النار عند 66، وتسقط السيدة الكبيرة من مكانها العالي، وكثير من نفس الطائفة سيقتلون»؛ وعن تفسير تلك النبوءة؛ نجد أنه في العام 1666 بدأ حريق من متجر خبز صغير في لندن، ولم يتوقف حتى طال معظم لندن، واستمر الحريق ما يزيد عن ثلاثة أيام.

وما منح هذا الرجل المزيد من المكانة، أن تاريخه الشخصي كان حافلًا بالتنبؤات أيضًا، ولم تتوقف تنبؤاته عند كتابه الشهير «كتاب النبوءات»، وحينما كان نوستراداموس في إيطاليا؛ قابله راهب شاب اسمه فيليس بريتي؛ فركع أمامه في نفس اللحظة التي وقعت عيناه عليه، ووجه له الكلام ملقبًا إياه «قداستك»، وقد تحققت تلك النبوءة حين تقلد هذا الراهب منصب البابا سيكستوس الخامس في العام 1585.

ولكن معظم ما يعرفه الناس عن نوستراداموس هو نبوءاته، فمن هذا الرجل وأين عاش؟

من هو نوستراداموس الذي ساعد في علاج الطاعون؟

طفولته في فرنسا كانت غامضة لكُتاب التاريخ مثل تنبؤاته بالضبط، ولكن ما عُرف عن تلك الفترة من حياته هو قدرته المميزة على التعلم حينما استطاع إجادة أساسيات اللاتينية، واليونانية، والعبرية، والرياضات، في سن صغيرة بمساعدة جده ذي الأصول اليهودية، والذي كان النافذة له على تقاليد اليهودية القديمة والعلوم السماوية؛ والتي منحته شغفه بعلم التنجيم، وقدرة الفلك على صياغة وكتابة مصير الإنسان.

ولذلك اختار علم التنجيم تخصصًا له بجانب دراسته الطب البشري، ولكنه كان يثير المشاكل في كل جامعة يلتحق بها حينما يعرب عن آرائه الدينية، وقدراته على علاج البشر بالأعشاب التي وجدها أثناء ترحاله في المناطق الريفية مساعدًا في علاج مرض الطاعون الذي تفشى في ذاك الوقت.

Embed from Getty Images

على مدار السنوات التي تلت فصله من الجامعة، جاب نوستراداموس أنحاء فرنسا وإيطاليا؛ ليعالج ضحايا الطاعون، وكان يستخدم عقاقير غير معروفة في ذاك الوقت، واعتمد في علاجه على جرعات مصنوعة من الزئبق، وإلباس المرضى ملابس مُبللة بالثوم، وساعد أيضًا المرضى الذين كان مرضهم طفيفًا عن طريق ابتكار عقار باسم «حبة الورد» والذي كان غنيًا بفيتامين C، والذي وفر بعض الراحة لهؤلاء المرضى، وكان معدل شفائه مثيرًا للإعجاب.

حتى وجد نوستراداموس نفسه واحدًا من المشاهير المحليين للعلاجات الطبيعية، وتلقى الدعم المالي من المواطنين حتى يتابع أعماله الطبية، ودُعي للعمل مع كبار العلماء ويعتبر أشهرهم جول سيزار ساليجر في جنوب غرب فرنسا، والذي كان عالمًا وطبيبًا إيطاليًا، قضى جزءًا كبيرًا من حياته المهنية في فرنسا. وما أنتجه نوستراداموس من علاجات أصبح قيمًا حتى جمعه أحد الكتاب المهتمين بمسيرته في كتاب بعنوان: «The Elixirs of Nostradamus».

استمر اهتمام نوستراداموس بالطب والعثور على علاجات لمرض الطاعون، حتى بعد زواجه وتكوينه أسرة من زوجة وستة أطفال، وكتب كتابين عن الطب والطاعون، حتى بدأ اهتمامه بالعوالم الخفية؛ فابتعد عن الطب، وكان يجلس لساعات طويلة أمام وعاء مليء بالماء والأعشاب؛ مفسرًا ذلك بأن تأمل هذا الوعاء يمنحه الرؤى والتنبؤات الفلكية.

وفي العام 1550 كانت تجربته الأولى مع توثيق تلك التنبؤات حينما كتب أول تقويم يحتوي على التنبؤات الفلكية للعام المقبل؛ ولأن تلك التقاويم كانت شائعة في ذاك الوقت لما تقدمه من معلومات للمزارعين والتجار في إدارة أعمالهم؛ فقد انتشرت تلك النبوءات بسرعة، وطافت أنحاء فرنسا، ولاقت إعجاب الكثير؛ مما شجع نوستراداموس على كتابة المزيد؛ حتى أصبح المنجم الذي نعرفه الآن.

في أيامه الأخيرة لم يجد نوستراداموس من يساعده على الشفاء مثلما ساعد الكثير من المرضى؛ فقد كان يعاني من النقرس والتهاب المفاصل لفترة طويلة من حياته، ولكن في النهاية تدهورت حالته وتراكمت كميات كبيرة من السوائل الضارة تحت جلده وفي تجاويف جسده؛ حتى أسفرت حالته عن قصور القلب الاحتقاني، وفي ليلة موته يُقال إنه أخبر مساعده بأن «لن تجدني على قيد الحياة عند شروق الشمس»، وفي صباح اليوم التالي؛ وجدوه متوفيًا على الأرض بجوار فراشه.

استخدمه المغول «سلاحًا بيولوجيًّا».. تعرَّف إلى مرض الطاعون الذي قتل نصف سكان أوروبا 

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد