يعرف عن الرهبان في جميع الأديان التقشف والزهد أسلوبًا للحياة، ورهبان البوذية يسيرون على نفس النهج، ويظهر هذا في عاداتهم الغذائية وملابسهم وتمارين التأمل واليوجا الطويلة التي يمارسونها يوميًا. بعضهم وجد هذا القدر من التقشف كافيًا ويحقق المرجو من كبح جماح النفس، ولكن البعض الآخر قديمًا، اتبع نهجًا أكثر صعوبة وقسوة على نفسه، هذا الطريق يُدعى «سوكوشنبوتسو» ويشير إلى تحنيط الراهب لنفسه وهو على قيد الحياة.

طقس الـ«سوكوشنبوتسو» من أقسى طقوس الزهد في تاريخ البوذية وتعود ممارسته إلى قرون بعيدة، و في العام 1975 عُثر على مومياء سنجا تينزين أحد الرهبان الذي مارس هذا الطقس على نفسه منذ 550 عامًا بالهند، مع العلم أن أصول تلك الممارسة يعود إلى اليابان، والتي منعت ممارسته تمامًا في الوقت الحالي. ما هي طريقة تنفيذ هذا الطقس؟ وما سبب ممارسته؟، هذا ما يخبركم به هذا التقرير.

دينهم مشهور بالمحبة والسلام.. تاريخ البوذيين مع الدماء!

هل كانوا يخرجون أحشاءهم وهم أحياء؟

«لا أشعر أنني أراقب جثة رجل ميت، بل شعوري أنه يراقبني» هكذا وصف الحارس المرافق لمومياء سنجا شعوره تجاه تواجده بجوار تلك المومياء، معبرًا عن احترامه وتقديره لما فعله هذا الراهب الزاهد، والذي يعد قدوة لجميع رهبان البوذية، بتلك الخطوة التي اتخذها في طريق نكران الذات، والاستغناء عن متع الحياة بجميع أنواعها، بحسب الحارس.

سنجا ليس الراهب الوحيد الذي عُثر على جسده المحنط، لكن مع الوقت ظهر ما يزيد عن 20 مومياء محنطين بنفس الطريقة الذاتية وتعود أعمارهم أيضًا إلى مئات الأعوام، تلك المومياوات موجودة في معابد بوذية متفرقة بين الهند واليابان، ووجودهم يعتبر نوعًا من أنواع «البركة» والقداسة داخل المعابد، والبوذيون يعتبرونهم تجسيدًا ماديًا لبوذا لما قدموه من تضحية ليكونوا على هذا الشكل.

شاهد مجموعة من مومياوات بوذا.

«عندما نموت؛ نفقد أجسادنا وتذهب أرواحنا إلى العالم الآخر، ولكن الراهب الذي يحنط نفسه يحافظ على روحه وجسده سويًا في نسيج واحد، وبطاقته الموجودة في المعبد يساعد بشرًا كثيرين؛ يأتون إليه من الحين للآخر ويشكرونه» هكذا وضح كبير الرهبان في معبد داينتشيبو البوذي في اليابان عن الراهب المحنط الموجود في المعبد.

عندما بدأ العلماء في دراسة أول مومياء بوذية، كان هدفهم هو اكتشاف الطريقة التي اتبعها البوذيون في التحنيط مقارنة بباقي الحضارات، ولكن ما وجوده كان محيرًا، فأساليب التحنيط المتعارف عليها تعتمد على إزالة الأعضاء الداخلية للمومياء قبل تحنيطها، ولكن المومياء البوذية كانت تحتوي على جميع الأعضاء الحيوية، والأغرب هو اكتشافهم أن المومياء لم تُحنط بعد وفاتها، بل كانت عميلة تحنيط بطيئة ودقيقة أثناء تواجد الراهب على قيد الحياة، فكيف فعلوا ذلك؟  

تحنيط الأحياء.. تعذيب الجسد لتهذيب العقل

يعتقد أتباع الديانة البوذية، أن روح الإنسان لا تنتهي بالموت، بل تعود للتجسد في كائن حي آخر، ويستمر الأمر لآلاف السنين حتى تتمكن روح الإنسان من الوصول إلى المعرفة الكبرى والمكانة التي تسمح لهم أن يكونوا تجسيدًا لبوذا على الأرض.

 ولكن واحدة من طوائف البوذية تدعى شين جان يؤمنون أن هناك طريقًا مختصرًا لتلك المكانة والمعرفة الروحية، وهي عن طريق وضع الجسد والروح تحت أقسى ظروف ممكنة، وتعذيب الجسد لتهذيب العقل.

عملية التحنيط الذاتي لدى رهبان البوذية القدماء، كانت تستغرق  ثلاثة آلاف يوم، في بداية الأيام ولمدة قد تصل إلى ألف يوم يمنعون الطعام عن أنفسهم ولا يتناولون سوى التوت والمكسرات، ويتبعون نظامًا غذائيًا قاسيًا يدعى «موكيوجيكيو» أو «أكل الأشجار» لأنه يعتمد في وجباته الأساسية على أوراق الأشجار فقط.

وبعد ذلك يمتنعون عن تناول الطعام تمامًا بغرض التخلص من أي دهون أو ماء في الجسد قد تساعد بعد الوفاة على تحلل الجسد، وقد وصل التقشف ببعض الرهبان الذي حنطوا أنفسهم لتناول الحجارة، وهذا ما وجده العلماء في أمعاء بعض مومياوات بوذا.

ترك مكان للبكتيريا في الجسم؛ أمر لم يكن يسمح به الراهب الذي يمارس طقس الـ«سوكوشنبوتسو» ولذلك أثناء النظام الغذائي القاسي كان يتناول الراهب بعض الأعشاب السامة بجرعات قليلة مثل شاي شجرة الـ«أوروشي» لضمان قتل البكتيريا في الجسم، وتستمر عملية التجويع حتى يصبح جسد الراهب لديه مناعة كاملة من البكتيريا والحشرات التي تعمل على تحلل الجسد بعد الموت. 

بعد فترة طويلة من الجوع والتأمل، تأتي الخطوة التالية وهي الدفن حيًا، حيث يعيش الراهب في قبر صغير تحت سطح الأرض بـ10 أقدام، ويغلق القبر بالفحم، ولا يخترقه سوى أنبوب طويل يساعد الراهب على التنفس، وجرس يدقه ليخبر الآخرين أنه ما يزال على قيد الحياة، وعندما يتوقف عن الدق، يتركون جثته لمدة ألف يوم مدفونة.

مترجم: ماذا تعلمنا مبادئ البوذية عن الحب والعلاقات العاطفية؟

بعد مدة الدفن المتعارف عليها، يكشف الرهبان عن الجثة والتي عادة ما تكون تعفنت، فالكثير من الرهبان حاولوا تحنيط الذات لكن لم ينجح منهم سوى قلائل لا يصل عددهم إلى 30 راهبًا، وإذا وجد الرهبان الجثة متعفنة عليهم إقامة طقوس طرد الأرواح الشريرة قبل دفن الجثة مرة أخرى، وإذا وجدوا الراهب قد تحول إلى مومياء ينقلونه إلى المعبد ويصبح مصدر للقداسة ورمزًا للبوذية مثل تيتسو مونكاي، والذي نحكي قصته الآن.

تيتسو مونكاي.. من قاتل إلى مومياء مقدسة

مزارع بسيط في القرن الثامن عشر باليابان، يمارس طقوس الفلاحة اليومية التي اعتاد عليها؛ هجم عليه محارب من الساموراي وحاول مضايقته، وتحولت المشاجرة إلى قتال دام، استطاع خلاله المزارع قتل اثنين من محاربي الساموراي.

وبعد تلك الجريمة لم يعد له مكان في مزرعته، فهو مدرك أن باقي محاربي الساموراي سيسعون خلفه للانتقام، فركض كثيرًا حتى وجد نفسه أمام واحد من معابد البوذيين فلجأ إليه مستنجدًا، واستقبله الرهبان في هذا المكان بالترحاب رغم اعترافه بذنبه، وأصبح واحدًا منهم.

ومنذ أن احتواه هذا المعبد، كان سعيه الأول هو الخلاص من ذنب الدماء التي تلطخ يديه، وكانت الطريقة المثلى التي دله عليها الرهبان، هي تعذيب الجسد بغرض تكفير الذنوب، فتسلق الجبال ثلاث مرات يوميًا، وفي الشتاء كان يستحم في المياه المثلجة.

 وبعد الكثير من التمرينات القاسية على الجسد والروح، والتي ضمن له الرهبان أنها قد كفرت عن ذنبه، لم يكتف مونكاي بهذا القدر من التقشف والزهد في الحياة، ولذلك قرر أن يقوم بما يطلق عليه في الفلكلور الشعبي الياباني الـ«تضحية الكبرى».

تحكي القصة المرسومة على جدران المعبد الذي يحوي مومياء موناكي، أنه استدعى عاهرة للمعبد، وبعد أن استقبلها وصاحبها لمكانه الخاص، أحضر سكينًا وقطع خصيتيه بنفسه ومنحها إياهم في منديل، أمسكت العاهرة المذهولة المنديل الساخن المبلل بالدماء، وسمعته يخبرها ألا تعود أبدًا مرة أخرى لهذا المعبد.

بعد تلك الواقعة عرف عن مونكاي إنكاره لذاته وزهده للحياة، وعندما بلغ 49 عامًا قرر أن ينفذ ما هو أضخم من التضحية الكبرى، وهو تحنيط نفسه وهو على قيد الحياة، فجلس في حفرة عميقة تشبه القبر، لا يجمعه بالعالم الخارجي سوى أنبوب صغير للتنفس وجرس يدقه مرة واحدة في اليوم ليخبر من بالأعلى أنه لا يزال على قيد الحياة، وظل على هذا الوضع متدربًا على الموت عن طريق تمارين التأمل.

كيف حول «داعش» والبوذيون حياة المسلمين في سريلانكا إلى جحيم؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد