ربما يفاجأ البعض باسم هذه الدولة المسلمة، وبقصة شعبها الذي لا يحظى بأي تغطية إعلامية تناسب حضارته العريقة ومعاناته المعاصرة، إلا أن المعلومات والحقائق الخاصة بقضيته ستثير الكثير من التساؤلات حول سبب تغييب قضايا وملفات مهمة في التاريخ الإنساني ترتبط بحياة شعوب وطوائف كاملة ومستقبلهم، بينما توجه اهتمامات الجماهير إلى قضايا سطحية. 

هل تعلم أن الروس قتلوا حوالي 1.5 مليون إنسان من الشراكسة؟ وهل تعلم أن الشراكسة من أكثر شعوب العالم التي تعرضت للشتات، إذ يعيش 93% من الشعب الشركسي خارج وطنه؟ تعالوا أولًا نتعرف إلى هذا الشعب وأصوله. 

الوطن الأم للشراكسة

«الأديغة» هم أحد الشعوب الأصلية في منطقة شمال القوقاز، وأديغيا هي إحدى جمهوريات الفيدرالية الروسية ذات الحكم الذاتي في القوقاز وعاصمتها مايكوب، وتبلغ مساحتها (حاليًا) 7800 كم2، ويحيط بها إقليم كراسنودار من جميع الجهات، إلا أنها قريبة من البحر الأسود. 

وتتكون منطقة شمال القوقاز حاليًا من جمهوريات تتمتع بحكم ذاتي ضمن الاتحاد الفيدرالي الروسي، ومن ضمنها الأديغة، وقبردينو (بلقاريا)، وقراتشاي (تشيركيسيا)، ويعدُّ الشركس من شعوب بلاد القوقاز الأصلية، وهم أحد أقدم الشعوب التي دخلت الإسلام في أوروبا. 

ويطلق اسم الشراكسة على كل الشعوب التي تسكن شمال القوقاز، لكن شعب الأديغة يعد بمثابة الوطن الأم للشراكسة، وهم من المسلمين السنة الذين اعتنقوا الدين الإسلامي منذ بدء انتشاره في أراضي القوقاز خلال القرن الخامس عشر الميلادي.

 

وبمقارنة تاريخية سريعة، سنجد أن جمهورية الأديغية الحالية تشكل مساحة ضئيلة مقارنة بمساحة أراضي الأديغة التاريخية؛ بسبب سياسة التهجير وجرائم الإبادة العرقية التي تعرض لها أهل الأديغة على أيدى الروس عبر التاريخ، إذ أصبح ما نسبته 90% من أبناء الشعب الشركسي يعيش خارج وطنه الأم.

وتراجعت نسبة الشركس المسلمين إلى 25% من بين سكان جمهورية الأديغة، بينما ارتفعت نسبة الروس الأرثوذكس إلى نحو 68% من تعداد السكان، بعدما تم تغيير ديموغرافيتها بسكان الدولة المحتلة لها، وباتت تواجه خطر الحلّ والضم إلى مقاطعة كراسندار المجاورة. 

حضارة عريقة وحاضر مرير

يحيا الشركس حاضرهم الصعب على أطلال تاريخ حافل بحضارة عريقة امتدت عبر قرون طويلة، منذ بناء حضارة النيوليت في العصور المعدنية في فجر التاريخ، والتي تمتد جذورها بعيدًا إلى عصور تاريخ ظهور الإنسان الحجري في القوقاز الشمالي، وحضارة مايكوب، وحضارة الكتاكومب، والحضارة الدولمينيه، وحضارة القوقاز الشمالي، والحضارة الكابانية. هذه الحضارات تم تشييدها ضمن الفترة من (4000 ق.م إلى 1000 ق.م). 

وبعد ذلك شارك الشراكسة في تأسيس أقوى الإمبراطوريات مثل: الإمبراطورية الكيمرية، وكانت تمتد حدودها لتشمل كل الأراضي الواقعة في القوقاز شمالها وجنوبها وكل إيران وكل تركيا، كذلك الإمبراطورية الحثية التي كانت تمتد حدودها لتشمل كل الأراضي الواقعة في القوقاز شمالها وجنوبها، وكل إيران وكل تركيا وكل العراق وكل سوريا. 

وبعد انهيار هذه الحضارات والإمبراطوريات، شيد الشراكسة من جديد العديد من الدول والممالك في منطقة القوقاز الشمالي: مثل دولة السيند والكاسوغ والزيك، وفي القرن الأول الميلادي اتحدت معظم القبائل الشركسية مع دولة البوسفور. 

وصل الإسلام إلى القوقاز في فترة مبكرة عبر الدعاة الأتراك العثمانيين، ونشطت حركة الدعوة إلى الإسلام هناك في أواخر القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين، وانتشر الإسلام في معظم أنحاء المنطقة عبر الأنشطة الدعوية قبل استيلاء قياصرة الروس عليها في سنة  1864م. 

«الإسلام على طريقة بوتين».. هكذا تروض روسيا 25 مليون مسلم يعيشون على أراضيها

وفي عهد القياصرة الروس، تعرض المسلمون للاضطهاد الديني بشكل قاس، وعندما سيطر السوفييت على الحكم في روسيا تحولت منطقة الأديغة إلى إقليم ذاتي الحكم في سنة 1341هـ- 1922م، وقدم الشركس عبر تاريخهم كثيرًا من التضحيات، ودافعوا عن ثغور الدولة الإسلامية، وكان لهم دور بارز في حماية حدود دولة الخلافة العثمانية، مع روسيا القيصرية العدو الأول للإمبراطورية العثمانية، وكان للشركس بصمتهم خاصة في وسط آسيا.

وبسبب موقع الشركس الفريد بين بحر قزوين والبحر الأسود، فقد كان لهم حضور قوي في الأحداث والصراعات التي لم تمنح المنطقة فسحة من الهدوء النسبي، إلا خلال فترات محدودة أهمها الحقبة العثمانية التي أخضعت البحر الأسود لسيادتها في عهد قوتها. 

وحين ضعفت الدولة العثمانية، اشتد تآمر الدول الكبرى الطامعة في ممالكها الواسعة، وتحركت روسيا تنهش في جسد الدولة العثمانية، ووجد الشركس المسلمون أنفسهم في مواجهة كبرى، مع قوة إمبراطورية غاشمة، وشكل الشركس في البداية جيشًا قوامه 18 ألف جندي لمواجهة روسيا، تمكن من تحقيق انتصارات كبيرة، لكن هذا الجيش الوليد لم يكن في مقدوره مواجهة فيالق الروس وتسليحها الحديث.  

التغريبة الشركسية

وفي الماضي القريب، شنت روسيا سلسلة من الحروب ضد الشركس استمرت نحو 120 عامًا، بدأت في صورة حملات توسعية شنتها روسيا في نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر ، وقامت بعدها بضم الأراضي الشركسية إلى روسيا القيصرية، ورغم أن مشكلتهم كانت معروفة لأوروبا الغربية في تلك الفترة، إلا أنه لم تقدم إليهم أي مساعدات من قبل المجتمع الدولي الذي اكتفى بمقعد المتفرج على معاناتهم.

وبعد حرب القرم انصب اهتمام روسيا على إقليم القوقاز بداية بالشيشان ومرورًا بداغستان، وبعد أن قضت في عام 1859 على الإمام شامل في شرق القوقاز وتم نفيه إلى المدينة المنورة، نقلت تركيزها إلى غربه، واحتلت أرض الأديغة في 1864 بعد معركة حاسمة يوم 21 مايو (أيار) الذي يعد يوم حداد عند شعوب القوقاز، وقامت روسيا بابتلاع كل الأراضي القوقازية المسلمة.

كان الجنرال الروسي نيكولاي ييفدوكيموف أول من ظهر بفكرة إعادة توطين الجبليين من القوقاز الغربي في الإمبراطورية العثمانية؛ فكتب أن «إعادة توطين الجبليين المستعصيين عن الحل» في تركيا هو الطريقة الأسهل لإنهاء حرب القوقاز.  

واضطرت الشعوب القوقازية المسلمة إلى ترك أراضيها؛ لأن الحكومة الروسية خيّرتهم بين البقاء في أراضيهم شرط ترك الإسلام والدخول في الأرثوذكسية، والحصول على الجنسية الروسية، أو إسكانهم في أراضٍ بعيدة جدًّا عن أراضيهم الأصلية داخل الإمبراطورية، أو الطرد إالى الأراضي العثمانية.

قَبِلَ الشركس بالحل الأخير، فشملت الشعوب التي انتقلت إلى تركيا: الأديغة، والوبخ، والأبخاز المسلمين، بالإضافة إلى الأوسيتيين، والإنغوش، والشيشانيين، والليزجين القراشاي. ومنذ ذلك الوقت، أصبح الشركس يعانون من الشتات في أكثر من بلد، أو تحولوا إلى أقليات في بلادهم تحت الحكم الروسي، وخضع من تبقى منهم لسياسة إعادة التوطين، وعانوا من سياسة التذويب تحت الحكم الشيوعي في ما بعد.

بعد انتهاء حرب القوقاز (1814- 1864م)، أصبحت كل الشعوب القوقازية تحت السيطرة الروسية. وفي ما يتعلّق بالشركس، فقد خُيّروا بين الاستيطان في سهول كوبان، والهجرة إلى أراضي الإمبراطورية العثمانية، فاختار معظمهم الهجرة، بعدما قُتل حوالي 1.5 مليون شركسي في هذه الحرب التي سميت بحرب القوقاز، وتم على إثرها ترحيل مليون آخرين –نحو 90% من السكان– من أراضيهم في جبال القوقاز.

وحاليًا يوجد أغلب الأديغة في الشتات، وتوزعوا بين حوالي 55 دولة، وأكثر من نصفهم يعيشون حاليًا في تركيا، كما توجد مجتمعات كبيرة منهم في الأردن وسوريا ولبنان ومصر وفلسطين (وحاليًا في إسرائيل) وليبيا ومقدونيا.

كما استقرت جماعة من الشركس في بلغاريا في أعوام 1864 و1865 إلا أن معظمهم غادرها عندما استقلت بلغاريا عن الإمبراطورية العثمانية عام 1878؛ إذ يقدر عددهم فيها حاليًا بحوالي 1300 نسمة.

وتفيد بعض التقديرات أن 6 ملايين شركسي يعيشون في تركيا، و120 ألف آخرين في سوريا ونحو 100 ألف في الأردن. كما يعيش حوالي 4 آلاف من الشراكسة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48، حيث يشكلون الجالية المسلمة السنية الوحيدة التي ترسل أبناءها إلى الجيش الإسرائيلي. 

وفي عام 2009، نظّم الشركس والدروز احتجاجًا لمدة شهر ضد التمييز والعنصرية التي تمارسها الحكومة الإسرائيلية بحقهم، كونهم يتلقون تمويلًا أقل لدعم التعليم والتوظيف والإسكان الخاص بهم. 

وبالإضافة إلى تركيا وبلدان المشرق العربي يتواجد الأديغة أيضًا في السواحل الشمالية الغربية للقوقاز على البحر الأسود والأبخاز في جمهورية أبخازيا حاليًا.

وبالنسبة للواقع الديني هنا، وحسب الإحصاءات الروسية لعام 2012، فإن 35.4% من إجمالي عدد سكان جمهورية الأديغة يتبعون الكنيسة الروسية الأرثوذكسية، و13% مسلمون، ويتوزع الباقي بين أديان أخرى، بينما نسبة المسلمين بين عرقية الأديغة أو الشركس تزيد على 90%.

لماذا يصمت العالم أمام مآسي الشركس؟

هل تتخيل أنه رغم كل ما حدث من مآس للشركس في الأديغة وغيرها من مناطق القوقاز، فإنه لا يوجد أحد يعترف بأن ما حدث يعتبر إبادة جماعية، سوى جورجيا، ويفسر ذلك الأمين العام لـ«اتحاد الجمعيات الشركسية في تركيا» يلماز دونميز بأنه ربما يرجع إلى أن جورجيا تقترب سياسيًّا من الولايات المتحدة، مبتعدة عن النفوذ الروسي.

وعن إهمال المجتمع الدولي للمأساة الشركسية، يرى دونميز أنه ربما يرجع ذلك إلى أنهم يواجهون قوة إمبريالية وهي روسيا، قائلًا إن الإبادة الجماعية الشركسية لا توضع على جدول الأعمال الدولي بسبب توازن القوى في السياسة العالمية، ومصالح الدول الكبرى في الوقت الراهن.

إلا أن قوى المجتمع المدني في الأديغة وغيرها من مناطق الشراكسة بدأت مؤخرًا حراكًا لاستعادة الهوية القومية والدينية الخاصة بهم، وأصبح الكثيرون يتعمدون إظهار ثقافتهم وعاداتهم ومناسباتهم الخاصة بها، حتى وإن أحدث ذلك بعض التوتر من قبل الدوائر الروسية.

مترجم: كيف تحاول روسيا إعادة تشكيل أمن دول الخليج؟

المصادر

تحميل المزيد