«لطالما أردت أن أعرف سبب وجودي؟ وما الهدف منه؟ كيف لي أن أعيش حياة ذات معنى؟ ألم يسأل الجميع تلك الأسئلة؟»، تلك هي التساؤلات التي كانت تدور في ذهن ويل آلان في فترة مراهقته، والتي قضاها في منزل أسرة أمريكية لم تكن متعاونة معه على فهم تلك الأسئلة بمرونة، وسعوا إلى فرض إجاباتهم عليه وحرمانه من البحث الذاتي عن إجابات أسئلته، وفي هذا الوقت بالتحديد قابل ويل؛ ملك طائفة الجحيم المقدس (Holy Hell)؛ ميشيل.

اعتاد ويل على صناعة الأفلام بكاميرا قديمة بعمر العاشرة، في فترة الثمانينيات والتي لم تمنحه الكثير من التكنولوجيا لتطعيم أفلامه باللمحة الفنية، ولكنه على رغم ذلك أخرج أفلامًا قصيرة مضحكة وفنية؛ حتى قابل ميشيل وبدأ في فيلمه الوثائقي الأول والذي استغرق 22 عامًا.

هذا الفيلم الذي وثق فيه حياة كاملة داخل طائفة دينية عاش فيها ويل بعدما ترك منزل أسرته، تلك الطائفة التي سُميت فيما بعد بطائفة «الجحيم المقدس – Holy Hell» وهو الاسم الذي أطلقه ويل على فيلمه الوثائقي، والذي يُعرض الآن على «نيتفلكس».

«عرب يقتلون عربًا».. قصة «تدجين» إسرائيل للطائفة الدرزية

الخطوة الأولى.. امنح الطائفة الملجأ والحياة

كانوا يبحثون عن الإلهام، يبحثون عن شيء جديد مُفعم بالحياة، والأهم؛ كانوا يبحثون عن الانتماء الذي لم يجدوه خارج طائفة ميشيل الدينية والتي كان يُطلقون عليها «Buddhafield».

بدأت الطائفة في عام 1985 بناءً على الحب بين أفراد مجتمعها، وربما كان الأمر في البداية بحثًا محمومًا عن الله ومداعبة الروحانية داخل كل فرد من الطائفة، ولكنها مع الوقت تحولت من طائفة دينية صغيرة إلى أسرة كبيرة يشعر أفرادها أنهم يعيشون في «يوتوبيا» خاصة بهم كما صرح أحدهم في الفيلم الوثائقي «Holy Hell».

ويل، صانع الفيلم وأحد أعضاء تلك الطائفة، لم يجد القبول من أسرته حينما أخبرهم أنه مثلي الجنس؛ فطردته أمه من المنزل وهو ما يزال في سن أصغر من 20 عامًا، وفي هذا الوقت كانت شقيقته عضوة في طائفة ميشيل الدينية؛ فدعته للانضمام إليهم، فوجد الملجأ بين الأذرع المفتوحة إليه بعد أن نبذته أسرته، وفُتن بتقبلهم له كما هو دون الرغبة في تغييره.

«كان رقيقًا وكانت طاقته ثابتة، وقلت لنفسي يا له من رجل جميل»؛ هكذا وصفت واحدة من أعضاء تلك الطائفة الدينية؛ قائدها ميشيل حينما رأتهم للمرة الأولى، وآخرون وصفوه وكأنه قادم من أبعاد آخرى في الكون، تعرف فيها على حقيقة الحياة وفك شفرة غموضها وجاء دوره ليلقنها لهم؛ هم التائهون في بحر الحياة وعواصف الأسئلة الوجودية، وكان عليه -من وجهة نظره- أن ينقل تلك الحكمة التي تلقاها على يد معلمه الذي طالما أخبر أعضاء الطائفة عنه ولكنهم لم يروه أبدًا.

ميشيل في ملابس السباحة الصفراء بين أعضاء طائفته الدينية.

لم يكن رجلًا عجوزًا بلحية طويلة بيضاء، ولم يكن رجل دين منعزل عن الحياة، بل كان راقصًا، وموسيقيًا، ويتحدث أربع لغات. يقف بينهم بنظارته الشمسية ماركة «راي بان»، مرتديًا  «سبيدو»؛ جاهزًا في كل لحظة للاحتفال والاحتفاء بالحياة، ومع ذلك فقد منعهم من ممارسة الجنس، معللًا أن هزة الجماع هي موت صغير للروح، إنما نشوة التأمل هي المتعة الأعظم.

بعض أعضاء تلك الطائفة قضوا ما يزيد عن ثلاثة سنوات من أعمارهم دون ممارسة الجنس مع أفراد الطائفة أو خارجها، أو هكذا كان يتخيل ميشيل، فلم يكن كل أعضاء طائفته ملتزمين بتعاليمه فيما يخص الجنس، وكان بعضهم يفعلها في الخفاء كما صرحوا في الفيلم التسجيلي.

ولكن هذا لم يمنعهم من حضور طقس «شاكتي» أو التطهير، وهي جلسات علاج بالطاقة يجريها عليهم ميشيل بيديه؛ ليرتجف بعضهم ويقع على الأرض مقبلًا أقدامه، بينما يدخل آخر في حالة من الهذيان غير مصدق ما يشعر به من نشوة؛ الأمر الذي وصفه أعضاء الطائفة بأنه أمر كادوا أن يدمنوه، وكأنه يمنحهم حياة جديدة بيديه وخيالًا جامحًا دون الحاجة للمخدرات، ولكن حينما تُدرك أن ميشيل كان متخصصًا في التنويم المغناطيسي؛ فهذا قد يفسر لك الكثير.

سر القبيلة المسلمة التي يعيش أفرادها 100 عام ويلدن في السبعين ولا يصابون بالسرطان!

الخطوة الثانية.. علمهم التخلي وأخبرهم أنهم أحرار

«إذا فكرتم في الغد فأنتم غير سعداء، وإذا فكرتم بالماضي فأنتم تعساء»؛ هكذا كان يخبرهم ميشيل في جلساته معهم، وعلى الرغم من ترسيخه لفكرة الحرية، وأن كل فرد من أعضاء تلك الطائفة له حرية الاختيار، إلا أن ما اكتشفوه بعد ذلك هو أنه الوحيد المسيطر في هذا المجتمع شبه المنعزل، فهو الوحيد الذي من حقه أن يختار الفائز بجلسة المعرفة، وجلسة المعرفة هي الطقس الذي -وفقًا لقناعته- يستطيع الإنسان من خلاله وبمساعدة ميشيل أن يلتقى شخصيًا بالله ويرى نوره.

في تلك اللحظة شعر ويلي -صانع فيلم Holy Hell- أنه قد تورط كثيرًا في تلك الطائفة ولكن هذا أيضًا لم يمنعه من الجلوس معهم وهو يردد أغنيتهم المفضلة والتي تبدأ كلماتها بـ «من السهل أن تقع في الحب، ولقد وجدت الإجابة في طريقي، والإجابة هي: أنا إله».

ميشيل في طقس التطهير بينما يجثو أعضاء الطائفة أمامه.

من كان المقصود بالإله؟ أعضاء الطائفة، أم ميشيل الذي يعمل تحت طاعته 150 فردًا هم الأعضاء، كل منهم مسؤول عن أمر يخص خدمته، واحد يصنع له الطعام الصحي، وآخر متخصص لتدليك جسده، وآخرون يحضرون دروس الباليه التي يوبخهم فيها بقسوة، والتي وصفها أحدهم بالجحيم، أو بكونهم عادوا إلى المدرسة الداخلية مرة أخرى، حيث كان يقف ميشيل في صالة التدريب يخبرهم أنه: «ليس مسموح لأحد بالخطأ هُنا؛ غيري أنا»، فهل كانوا أحرارًا بالفعل، أو وهمهم ميشيل بذلك؟

من بينها طائفة إسرائيلية قديمة.. 5 حضارات ضحت بالأطفال لإرضاء الرب

الخطوة الثالثة.. علمهم الكذب والقتل

بعد مرور 10 سنوات على هذا المجتمع المنغلق بقيادة ميشيل، والذي كان يسعى للارتقاء الروحي في بدايته؛ بدأ الأمر يتمحور حول نرجسية ميشيل نفسه، وحول أحلامه وطموحاته الخاصة؛ فأمر ببناء مسرح ليقدم عليه عروضه المسرحية؛ مسرح بناه أعضاء الطائفة بأيديهم وعرقهم، ولم يترك امرأة حبلى في هذا المجتمع بل كان يجبرهن على الإجهاض، حتى تربية الحيوانات الأليفة كانت ممنوعة؛ فقام بطرد كلب صغير تبنته واحدة من الطائفة؛ ففي النهاية لم يود ميشيل لأتباعه أن يجدوا شيئًا واحدًا في حياتهم يشتتهم عن تبجيله.

ميشيل في لقطة من فيلم Holy Hell

وحينما بدأت الحكومة الأمريكية في مطاردة الطوائف المنغلقة؛ أجبرهم ميشيل على الهرب، ودفعهم للكذب على عائلاتهم وتغيير أسمائهم حتى تحولوا لفترة طويلة إلى حفنة من الهاربين، ودربهم نفسيًا على القتل؛ وكانت الفئران، المئات منها؛ هي الضحية في تلك التدريبات، ولكن شعوره بالخوف من المطاردة؛ ربما جعله راغبًا في القفز على المرحلة التي كان يسعى إليها منذ البداية؛ وهي استغلال هؤلاء الشباب لصالحه.

تعيش بلا تصوير ولا كهرباء.. «الآمش» طائفة مسيحية ما تزال تعيش حياة القرن 18

الخطوة الرابعة ..أظهر لهم وجهك الحقيقي

بدأت التساؤلات تولد في قلوب أفراد المجتمع، فقد كان يحذرهم من الجنس مخبرًا إياهم ألا يقربوه لأنه وحش يأكل طاقة الإنسان الإيجابية، ولكنه في المقابل كان مهووسًا بمظهره وجسده؛ فكان يضع مساحيق التجميل يوميًا، ويجري عمليات التجميل، وكان يجبر أحد أفراد الطائفة بتجربة الجديد منها أولًا حتى يضمن سلامته، وحينما رحل قلة من الطائفة؛ جاء دور التهديد؛ فكان يخبر من يرى في نفسه ضعفًا؛ أنه إذا رحل؛ سيموت في خلال عام طالما فارقه، وأجبر واحدة من الطائفة أن تدعي إصابتها بالسرطان؛ حتى يدعي هو بدوره شفاءها.

Holy Hell

ميشيل بعيون ويل آلان

ولكن تلك الأسئلة والشكوك كانت متوارية في نفس كل فرد من الجماعة، حتى بدأ ميشيل في استغلال الرجال في الجماعة جسديًا، واحدًا تلو الآخر ومن ضمنهم صانع الفيلم نفسه، والذي أخبره أن ممارسة الجنس معه ليست سوى وسيلة للارتقاء في طريق دروسه الروحية، بينما كان يجبر آخرين غير مثليي الجنس على ممارسة الجنس معه ودفع 50 دولارًا سعر الجلسة العلاجية، أو هكذا كان يُطلق عليها ميشيل.

وفي يوم تلقى أفراد الجماعة بريدًا إلكترونيًا مجهول المصدر يخبرهم عن كل ما يفعله ميشيل سرًا في الجماعة، وتحت وطأة غسيل المخ الذي تعرضوا له؛ رفضوا في البداية ما جاء في تلك الرسالة؛ حتى من تعرضوا للاغتصاب أنفسهم كانوا يرفضون تصديق ما ورد في البريد الإلكتروني، ولكن مع الوقت صارحوا بعضهم البعض ليكتشف مجموعة من أفراد الطائفة الرجال أنه كان يستغلهم جنسيًا وماديًا، ثم جاءت «الصدمة الكبرى» كما وصفها صانع الفيلم؛ حينما أدركوا أن معلمهم الروحي، رسولهم الذي يعرفهم على الله؛ لم يكن سوى ممثل أفلام إباحية في ماضيه.

وعلى الرغم من التهم التي قد توجه له، والتي يمكن أن تدمر حياته، فهو يعيش الآن في هاواي مع مجموعة جديدة من التابعين بعد أن خسر تابعيه الأوائل والذين عاشوا معه 22 عامًا وكانوا يعتبرونه نبيًا، وحتى عُرض الفيلم في عام 2016، كان ميشيل يعيش في هاواي تحت اسم جديد، مع تابعين جدد رفضوا تحذيرات أعضاء الطائفة القديمة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد