كان يلجأ لها الإسكندر الأكبر قبل حروبه.. ماذا تعرف عن «معابد الوحي» في العالم؟

Temple of Apollo, Delphi (UNESCO World Heritage List, 1987), Phocis, Greece. Greek civilisation, 4th century BC.

يرتدي الإمبراطور درعه، ويلتقط سيفه، ويُدرك أنه مستعد للخروج للحرب، ولكن هُناك شيء واحد مُهم لم ينهه قبل قيادة جيوشه تجاه طريق طويل من الحروب والفتوحات؛ وهو الإجابة عن سؤال: «هل اليوم مناسب لبداية حرب طويلة شاقة؟»، ولا يقصد هُنا الطقس أو الظروف السياسية، بل الجانب الذي يهتم به هو بما وراء العالم الطبيعي الذي نراه بأعيننا، ولذلك سيترك جيوشه وراءه، ويذهب إلى معبد التنبؤات أو كما كانوا يطلقون عليه في ذاك الوقت «معبد الوحي»؛ ليجلس أمام عرافة هذا المعبد، والتي تعد بمثابة الوسيط الروحاني بين زائرها والإله المعبود في هذا الزمن؛ يسأل صاحب الحاجة، وتجيب العرافة بلسان الإله؛ فهل اليوم مناسب أيتها العرافة للخروج للحرب؟ «نعم أيها الإمبراطور العظيم؛ اذهب إلى الحرب؛ الآلهة تخبرك أنها في صفك، وأن الطريق ممهد لك».

تلك القصة ليست قصة خيالية، أو جزءًا من مسلسل «صراع العروش»، بل هي قصص واقعية من تاريخ البشر الحافل بالغرائب. وتلك النوعية من المعابد لا زالت موجودة حتى الآن، وكانت تستخدم منذ قرون لهذا الغرض. فما هي «معابد التنبؤات» أو «معابد الوحي»؟ وما هي قصتها؟

«تاريخ الخراب».. القصة شبه الكاملة لعلاقة الدولة والآثار في مصر

معبد دلفي.. أبخرة نبوءة الوحي

تقول الأسطورة اليونانية: إن إله الرعد زيوس أرسل اثنين من النسور ليحلقا في اتجاهين متعاكسين عبر السماء؛ وحيث يتقابل طريقهما في السماء تكون تلك النقطة وما يوازيها بالأسفل هي مركز الأرض، وتلك النقطة التي اجتمع فيها النسران كانت فوق سماء مدينة ديلفي باليونان؛ فقام زيوس بوضع علامة على هذا الموقع والذي أطلق عليه «سُرة الكون» للدلالة على مركزية الموقع.

ووفقًا لأسطورة أخرى كانت هذه البقعة «ديلفي» مقدسة لدى إلهة الأرض اليونانية جايا، حيث وضعت ابنها بايثون والذي كان على هيئة ثعبان؛ ونصبته حارسًا لدلفي، ولكن الإله أبولو ـ إله النور والموسيقى ـ قتل الثعبان واستولى على الموقع لنفسه، ولذلك فالكهنة الذين خدموا في المعبد الموجود في ديلفي أطلق عليهم بيثيا تكريمًا لابن جايا المهزوم. وفي الأسطورتين نُشر اعتقاد أن هذا المعبد به عرافات قادرات على نقل النبوءات من أبولو نفسه.

وفي أوائل القرن الثامن قبل الميلاد؛ كانت عبادة الإله أبولو منتشرة في ذاك الوقت بتلك المنطقة الجغرافية، وكان الزعماء من جميع أنحاء اليونان لا يقدمون على أي خطوة سياسية، أو حربية مهمة، قبل التشاور في جوانبها الرئيسة مع عرافة معبد دلفي والتي تتلقى «الوحي» والنبوءات من الإله أبولو مباشرة، ولذلك لم يكن معبد دلفي في ذاك الوقت مجرد كيان ديني مقدس؛ بل كان عبارة عن مجلس للمدينة؛ حيث يجتمع الزعماء لمناقشة الأمور المصيرية مع أبولو عبر العرافة؛ حتى أصبحت مكانة معبد دلفي أوسع وشهرته أكثر انتشارًا في اليونان.

وفي ذاك الوقت إذا أرادت مدينة معينة التباهي بنجاحها الحربي أو التجاري، فيمكنها بناء نصب تذكاري في دلفي؛ وأدت تلك الممارسة إلى تراكم معماري وصفه علماء الآثار بكونه «مذهلًا»؛ حيث بُنيت الكثير من الآثار والتماثيل في المنطقة المحيطة لمعبد دلفي، وكل قطعة كانت بمثابة دليل مرئي للتحولات السياسية في المنطقة، وكان معبد التنبؤات في دلفي يستضيف أيضًا المسابقات الرياضية وحفلات الشعر والموسيقى؛ وكل هذا برعاية الكلمات الخارجة من فم العرافة، والناطقة بحكمة أبوللو ونصائحه للزعماء.

لم تكن أبواب دلفي مفتوحة للزعماء والرجال المُهمين فقط، ولكن في تلك العصور القديمة سافر من أنحاء أوروبا إلى اليونان العديد من الأشخاص الباحثين عن أجوبة لأسئلته المُهمة، والتي تمنحهم إياها العرافة التي تتقلد هذا المنصب في المعبد؛ تلك الأجوبة التي تحصل عليها من الدخان الكثيف الخارج من «حفرة التنبؤات» داخل المعبد، فكانت تسمع العرافة وترى في تلك الأدخنة صوت أبوللو الذي يلقنها معرفته وفقًا لما كان يعتقده اليونان في ذاك الوقت.

رسم تخيلي لعرافة دلفي وهي تتلقى المعرفة من الأبخرة – «circeinstitute.org»

ومنصب العرافة في معبد دلفي؛ شغلته نساء مختلفات منذ حوالي العام 1400 قبل الميلاد إلى العام 381 ميلاديًا، والأبخرة التي تتصاعد من أرض المعبد هي وسيلتها للتواصل مع الإله أبوللو، وحاولت الكثير من اللوحات القديمة توثيق هذا الحدث وتجسيده، حتى أصبحت تلك الأبخرة حقيقة بالنسبة لتاريخ اليونان مثلما يعد المعبد ذاته حقيقة، وسواء كانت العرافة قادرة على قراءة المستقبل في تلك الأبخرة أم لا، فهذا لا ينفي – من وجهة نظر التاريخ اليوناني – تواجد الأبخرة بالفعل، ولكن هذا الأمر لم يرض العلماء، فمن أين – علميًا – تأتي تلك الأبخرة التي قيل إنها تنبعث من أرض المعبد.

في العام 1927 مسح مجموعة من الجيولوجيين الفرنسيون معبد دلفي في المكان الذي كانت تجلس فيه العرافة، ولم يجدوا أي دليل على وجود فجوة أرضية تسمح بانبعاث غازات أو أبخرة، وفسروا تلك الحكايات على أنها مجرد خرافة مثل باقي الأساطير اليونانية، وبُنيت حجتهم على أساس فكرة ثُبت خطأها حديثًا؛ وهي أن إنتاج الأبخرة والغازات لا يمكن أن يتم إلا عن طريق نشاط بركاني، ولهذا في العام 2001 ، وبعد دراسة علمية لتلك الأرض دامت أربع سنوات كان للعلم رأي آخر.

كشفت تلك الدراسة أن هناك خللًا أرضيًا أسفل معبد دلفي مباشرة، وأكد القائمون على الدراسة أن هذا الخلل يسمح بتسرب بعض الغازات والأبخرة والتي قد تصيب الإنسان بالهلوسة إذا استنشقها، وتلك الأبخرة قد تتصاعد بكميات كبيرة إذا حُفرت حفرة كبيرة في أرض المعبد؛ في نفس المكان الذي كانت تجلس فيه العرافة والتي كنت تغرقها تلك الأبخرة بالهلاوس، والتي كانت تستقبلها على كونها كلمات الإله أبوللو، وسواء كانت إجابات العرافات التي جلسن فوق تلك الأبخرة؛ صحيحة أم لا؛ فغالبًا كانت كل واحدة منهن تصدق كونها تتلقى الوحي؛ في حين أنها تتلقى هلاوس من عقلها. 

معبد آمون.. «كعبة» الإسكندر الأكبر في مصر

الإسكندر الأكبر كان ارتباطه النفسي والديني بمصر قويًا جدًا، وكان يعتبر نفسه مصريًا وحاول إثبات هذا الأمر لنفسه ولمن حوله من خلال اعتناق الدين المصري القديم، بل الإيمان بكونه ابنًا للآله المصري القديم آمون. وفي ديانة اليونان القديمة كان الإله زيوس حاكم الآلهة الأوليمبية القديمة، بينما كان الإله آمون المماثل له في الديانة المصرية القديمة، ولأن العقيدة اليونانية القديمة لم تجد حرجًا من مزج عقائدها بعقائد آخرى؛ فلم يحتج الإسكندر الأكبر إلى التخلي عن زيوس حتى يقدس آمون، ومن هُنا جاء اسم «زيوس آمون»؛ والذي عادة ما يرتبط بمعبد آمون في مدينة سيوة بمصر؛ حيث نُصب الإسكندر ابنًا للإله آمون.

وهذا الإله الهجين بين اليونانية والمصرية، كان معبد آمون هو مركز تلقي الوحي أو النبوءات الخاصة به، وتقول الأسطورة اليونانية إنه حتى قبل ولادة الإسكندر بثلاثة قرون جاء البطل الأسطوري اليوناني هركليز وأقام شعائر الحج في هذا المكان المقدس بسيوة لتشاور مع الإله زيوس آمون؛ وقد تربى الإسكندر على تلك القصص؛ ولذلك ظل لهذا المعبد مكانة مقدسة في وعي الإسكندر.

في العام 331 قبل الميلاد، وبعد وصول الإسكندر وجيوشه إلى مصر وتحريرها من الحكم الفارسي، شرع الإسكندر ومجموعة صغيرة من أتباعه في رحلة صحراوية خاصة للتحدث مع عرافة معبد آمون، وتلك الرحلة مثلما وصفها روبن لين فوكس المؤرخ بجامعة أوكسفورد بأنها «أغرب حدث في حياة الإسكندر الأسطورية»، وهذا لأن الإسكندر عادة لا يزحف إلى بلد ليس له أهمية استراتيجية واضحة لحملته مثل سيوة في ذاك الوقت، بجانب أن هذا الطريق كان خطيرًا عليه هو ورجاله؛ بسبب ندرة المياه في تلك المنطقة الصحراوية الأمر الذي قد يعرضهم للموت عطشًا، وإذا صادفتهم رياح جنوبية قوية قد تدفنهم أحياء في الرمال الناعمة العميقة في الصحراء، ولكن كل هذا لم يمنع الإسكندر من القيام بهذه الرحلة؛ فعليه التشاور مع الإله من خلال العرافة قبل أن يبدأ مسيرته الحربية، ولن يتم هذا الأمر إلا تحت سقف معبد آمون بسيوة.

وحينما وصل الإسكندر إلى معبد الوحي آمون، وجد الكهنة يستقبلونه بترحاب شديد، ونصبوه رئيسًا لمصر، وصاحبه الكاهن الأكبر إلى «غرفة الوحي»، حيث سأل الإسكندر الكثير من الأسئلة التي تخص مصيره الحربي، فأخبرته النبوءة بأنه سيسقط الإمبراطورة الفارسية نهائيًا وأنه سوف يحكم العالم، ولكن لوقت قصير، فصدق الإسكندر النبوءة ونصبه الكهنة ابنًا للإله آمون منحوه التاج الخاص به وهو عبارة عن رأس كبش ذي قرنين، وتنبأ عراف المعبد أن الإسكندر سيموت في سن صغيرة ويدفن في مصر، ونال معبد آمون شهرة واسعة لسبب آخر؛ فقد علم ملك الفرس قمبيز الثاني بتلك النبوءة وأرسل غاضبًا جيشًا كاملًا ليعاقب هذا العراف، ولكن هذا الجيش اختفى في صحراء سيوة وتحول إلى أسطورة غامضة تحمل اسم «جيش قمبيز».

حقيقة المقبرة الغامضة في الإسكندرية.. لعنة الفراعنة أم مجرّد مياه صرف صحيّ؟