«اليابان كوكب وحده» هكذا يظن البعض. ويظنون أيضًا أنه كوكب السعادة حيث المجتمع الدقيق الذي يتبع بأكمله النظام في أدق الأشياء، ويحصل كل الناس فيه على حقوقهم بعدل وإنصاف. كل تلك الأساطير التي تحوم حول اليابان ليست دقيقة بالشكل الكافي، وهناك الكثير من المتاعب التي يعيش فيها المواطن الياباني والتي قد تصل به حد الانتحار أو الموت، فاليابان مجتمع ودولة أعقد كثيرًا من الصورة التي يقدم عليها.

أحد ملامح هذا الوجه المعقد، يشكله الـ«ياكوزا»، وهي المافيا اليابانية ذائعة الصيت. في هذا التقرير نحكي لكم قصة عصابة الياكوزا والتي تعود أصولها إلى القرن السابع عشر، والتي لازلت تسيطر على نشاطات ومساحات ليست ضئيلة باليابان.

عام

منذ سنتين
الانتحار والموت من العمل.. حقائق لا تعرفها عن شعب اليابان
18249
أميرة حسن

ياكوزا.. حين تكون العصابة أكثر رحمة بالفقراء من الدولة!

خلال العام 2011 تعرضت اليابان لمجموعة من الزلازل القوية، والتي كانت من أشد الزلازل وطأة في تاريخ اليابان، وفي منطقة توهوكو فقد الكثير من المواطنين اليابانيين منازلهم وكل ما يملكون، وبعضهم فقد أحباءه أيضًا تحت حطام تلك المنازل المهدمة. وقف المواطنون اليابانيون يشعرون بالخوف والحسرة والحزن، يتمنون يد العون تُمد إليهم، وها هي تأتي من بعيد متمثلة في 70 شاحنة مُحملة بالطعام والمياه والأغطية الوثيرة والكثير من المؤن الأخرى القادرة على تعويضهم في هذا الوقت الحرج.

كلا لم تكن تلك المعونات من الحكومة اليابانية، بل كانت من عصابات الياكوزا وتلك لم تكن المرة الأولى التي تتدخل فيها العصابة لنجدة المواطنين اليابانيين أثناء وقوع كوارث طبيعية، ويعود سبب مساعدة الياكوزا لمواطنين اليابان هو مبدأ لديهم يسيرون عليه ولا يستطيعون تجاهله وهو الـ«Ninkyo Code» بما يعني: «لا تترك الآخرين يعانون بمفردهم».

إلى جانب أعمالها الخيرية في تلك الظروف؛ فهي الجماعة التي تسيطر على معظم النشاطات الإجرامية في اليابان، ويُطلق عليها المافيا اليابانية، وقدرتهم على التحرك بتلك الثقة، وبهذه الكمية من السيارات والبشر، هي أنهم جمعية شرعية لها تراخيص قانونية، ولها أعمال شرعية كغطاء لها، ولكن في واقع الحال كل فرد في اليابان، من مواطنين وحكومة، يدركون حقيقة تلك الجمعية، ولكن عليك إثبات ذلك لتلقي القبض عليهم؛ وهو أمر يصعب تنفيذه مع الياكوزا. وعلى الرغم من تلقيب تلك العصابة – أو المجموعة – بالمافيا، إلا أنها تختلف كثيرًا عن باقي العصابات في العالم، ويميزها العديد من القوانين الداخلية الصارمة والغريبة أحيانًا.

«لن يحترمك العالم إذا كنت شريفًا فقيرًا».. كيف بدأت الياكوزا؟

بدأت الياكوزا بمجموعة من أعضاء طبقة اجتماعية في اليابان يطلق عليها «البوراكومين»، تلك الطبقة كانت تُعامل وكأنها قاع للمجتمع، وأنهم أقل من الآخرين، ولا يُسمح لهم حتى بلمس باقي أفراد المجتمع، وكأنهم مجموعة من المرضى. وكان البوراكوميون يعملون في مهن: الجلاد، والجزار، وصناعة الجلود، وسبب نبذ المجتمع لهم هو اشتغالهم في مهن مرتبطة بالموت، وهو الأمر الذي اعتبره المجتمع أنه يسبب لهم النجاسة فلا يحق لهم لمس البشر بسبب نجاستهم.

انعزلت تلك الطبقة عن باقي المجتمع منذ القرن الحادي عشر، وظلت تلك الطبقة في التزايد، وبناء الحواجز بينها وبين باقي المجتمع الياباني حتى القرن السابع عشر، حين كُتبت قوانين رسمية بعزل تلك الطبقة عن المجتمع، وأُرسل الكثير منهم خارج المدن العامرة، وفُرض عليهم العيش في بلدات منعزلة.

خلال القرن السابع عشر في اليابان وقع الجيل الجديد من تلك الطبقة في الحيرة: هل يمارسون مهنة آبائهم والتي كانت سبب في نبذهم من المجتمع؟ أم يلجأون إلى عالم الإجرام لأنهم لم يتعلموا أي مهن آخرى تسمح لهم بارتقاء مكانة مرموقة في المجتمع الياباني؟

كان نشاطهم الأول هو منافذ البيع التي تروج للبضاعات المسروقة، وانتشرت تلك المنافذ في جميع أنحاء اليابان وأنشأ بعضهم دور مقامرة غير قانونية في المعابد والمزارات المهجورة؛ وبدأت الياكوزا منذ 400 عام واستمرت حتى الآن. الغريب في الأمر أن تلك الطبقة المنبوذة من المجتمع الياباني، حين تحولوا من كونهم بوراكومين في مهن يراها المجتمع مُحتقرة، على الرغم من كونها مهنًا شريفة أخلاقيًا؛ إلى الياكوزا التي تمارس العمليات الإجرامية وحمل سيوف الساموراي والقتال بها؛ حصدوا احترام المجتمع الياباني وانبهارهم بقوتهم وقدرتهم على السيطرة على الأمور والصراع بالسيوف والقتل إذا لزم الأمر، فبعد أن كانوا طبقة منبوذة، أصبحوا طبقة منعزلة بإرادتهم ولهم قوانينهم الخاصة بهم، وانتشروا؛ ليس في اليابان فقط، بل في العالم كله.

أسرة دافئة.. أكثر من مجرد عصابة

الياكوزا أسرة أكثر من كونها مجرد تنظيم عصابي، وحين ينضم عضو جديد للياكوزا عليه أن يتعامل مع رئيسه على كونه والده الجديد، ومع العصابة على أنها أسرته الجديدة، وينسى ماضيه تمامًا منذ أن انضم للياكوزا، فهو ولد من جديد داخل عصابة الأسرة السعيدة الكبيرة، ويقطع علاقته تمامًا بأسرته.

ولاء العضو الجديد في الياكوزا لا يُثبت بتركه للعالم الخارجي فقط، بل عليه أيضًا أن يغير شكله واختارت العصابة تغطية الجسد كله بالوشوم المعقدة، والتي تحكي بعضها قصصًا من التاريخ الياباني والأساطير اليابانية، وعادة ما يدقون تلك الوشوم بالطرق التقليدية وليس بالأجهزة الحديثة، إذ يستخدم داقق الوشم الخيزران المدبب كأبرة لدق الوشم على جسد العضو الجديد في الياكوزا، وعلى الرغم من ذلك فأعضاء الياكوزا غير مصرح لهم بإظهار تلك الوشوم في الأماكن العامة، وعادة ما يرتدون ملابس رسمية تغطي كل الوشوم في أجسادهم.

ولكن في اجتماعاتهم الخاصة عادة ما يجتمعون عرايا؛ حتى يرى كل منهم وشوم الآخر، وحتى يتأكد كل منهم أيضًا أن كل الحاضرين من الياكوزا في جميع أنحاء العالم؛ لا يحملون سلاح أو يخططون لأي انقلاب، ولذلك كل اجتماعاتهم الهامة تُعقد وهم عرايا.

من الأشياء التي تميز عضو اليازوكا أيضًا – غير الوشوم- هو أحيانًا الأصبع المفقود في اليد اليسرى للعضو، وهذا لأن العقوبة المعتادة حين يرتكب أي عضو خطأ أو تصرفًا يدل على عدم ولائه، عليه أن يقطع جزءًا من أصبعه الخنصر، وتسليمه إلى رئيسه؛ وعلى مدار حياة كل عضو في الياكوزا عادة ما يقع في خطأ ما، ولذلك تجد معظم الياكوزا دون أصبع الخنصر.

الغرض من قطع الأصبع هو إضعاف قدرة العضو كرجل محارب؛ لأنه سيكون من الاصعب عليه الإمساك بسيف الساموراي، والذي كانت تستخدمه العصابة في القتال، وإذا فقد الكثير من أصابعه فسيكون عليه اللجوء لحماية الجماعة لأنه غير قادر على حماية نفسه، وبذلك تضمن وتتأكد العصابة من ولائه.

تلك العصابة لم تختر عزلتها في البداية، بل عزلهم المجتمع، ونعتهم بالنجاسة، ولكن الآن تلك العصابة لما عانته من فقر وضيق حال، وبالرغم من اشتغالهم في المخدرات، والسرقة، والدعارة، والتهريب؛ إلا أنهم لا يترددون في الإقبال على الأعمال الخيرية، والتي من خلالها – بوعي أو دون وعي- يطببون تاريخ جماعتهم المكلوم، والذي بدأ من 400 سنة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد