نشرت جريدة نيويورك تايمز على موقعها الإلكتروني في 11 سبتمبر مقالًا للكاتب مايكل أوسترهولم مدير مركز بحوث وسياسات الأمراض المعدية في جامعة مينيسوتا، حيث تناول فيه بعض الاحتمالات المفزعة، والتي حتمًا سنتعامل مع أحدها قريبًا إن لم يكن قريبًا جدًا، فبالفعل وصل مسافر مصاب بالعدوى إلى مطار دالاس بالولايات المتحدة في أول أكتوبر، لكن يخشى المسؤولون في مجال الصحة مصارحة الناس بتلك المخاوف بشكل صريح وعلني.

ويقول إن “وباء الإيبولا الذي انتشر في غرب أفريقيا يستطيع أن يغير البشرية بطريقة لم يحدثها أي وباء أو طاعون في أي وقت مضى”.

خلال الستة أشهر الماضية كانت هناك أكثر من 4300 حالة إصابة بالفيروس و2300 حالة وفاة، وقد حذرت منظمة الصحة العالمية الأسبوع الماضي أنه بحلول أوائل أكتوبر قد يكون هناك الآلاف من الحالات الجديدة أسبوعيًا في ليبريا وسيراليون وغينيا ونيجيريا. وعلى الرغم من البحوث والنقاشات العديدة التي تتم في الدوائر الداخلية لوكالات الصحة العالمية في جميع أنحاء العالم، لا يتم الإفصاح علنًا عن بعض الحقائق المخيفة وأننا في مياه مجهولة تمامًا، فنحن في موقف عويص وخطير وأن الطبيعة الأم هي القوة الوحيدة المسؤولة عن تلك الأزمة في الوقت الحالي.

 

ما الاحتمالات؟

يقول الكاتب أننا بصدد سيناريوهين لنهاية القصة – يقصد قصة الإيبولا منذ انتشارها حتى اختفائها – وكلا الاحتمالين كفيل بتأريق مضاجعنا.

يتمثل السيناريو الأول في انتشار الفيروس على نطاق أوسع، فينتقل من غرب أفريقيا ليصل للمدن الكبرى في دول العالم النامي، وبالتأكيد يختلف ذلك الوضع كليةً عما حدث في القرن الماضي على مدار الأربعين سنه الماضية، حيث أنه من السهل جدًا السيطرة على انتشارعدوى فيروس الإيبولا في القرى الصغيرة المعزولة، لكن على مدى العقود الماضية ازدادت الكثافة السكانية في تلك المناطق 300%، وترتكز تلك الزيادة في الأحياء الفقيرة في المدن الكبرى، ويتساءل الكاتب ماذا سيحدث إذا ما سافر شخص مصاب بالعدوى ولم تظهر الأعراض بعد بالطائرة متجهًا إلى لاغوس أو نيروبي أو كينشاسا أو مقديشو أو حتى كراتشي أو جاكرتا أو مكسيكو سيتي أو دكا؟!

الطاقم الطبي لدى وصوله لمكان إقامة أحد المصابين بالإيبولا في مراحل المرض المتأخرة في دالاس بالولايات المتحدة الأمريكية

 

أما الاحتمال الثاني في رأي الكاتب وهو ما يكره علماء الفيروسات الإفصاح عنه علنًا، ولكنهم بالتأكيد يضعونه في الاعتبار فيما بينهم هو أن فيروس الإيبولا قد يتحور ويتطور فينتقل عن طريق الهواء، تحدث الإصابة بالعدوى الآن عن طريق الاتصال المباشر مع سوائل جسم مصاب بالفيروس. الفيروسات أمثال الإيبولا معروفة بغموضها من حيث التنبؤ بجينات الفيروس فهو باستمرار يتحور ويعيد تكوين نفسه، أي أن الفيروس الذي يدخل جسم شخص ما على الأرجح يختلف وراثيًا عن نفس الفيروس الذي ينتقل لشخص تالٍ، ففرط التطور الذي يتسم به فيروس الإيبولا حاليًا لم يسبق له مثيل، فقد حدثت إصابات كثيرة من انتقال الفيروس بين البشر في الأشهر الأربعة الماضية، وعدد تلك الإصابات هذه المرة يفوق عددها في الـ 500 إلى 1000 سنة الماضية، فكل عدوى جديدة تمثل تريليونات من الاحتمالات من حيث تطور الفيروس جينيًا.

إذا حدثت طفرات معينة في الفيروس، فإن ذلك يعني أن مجرد التنفس من شأنه أن يمثل خطر الإصابة بالفيروس، وبالتالي يمكن أن تنتشر العدوى بسرعة لكل أنحاء العالم، مثل ما حدث عام 2009 حيث انتشر فيروس إنفلونزا الطيور H1N1 في كل أنحاء العالم بعد بداية ظهوره في المكسيك.

لماذا إذًا يخاف العاملون في مجال الصحة طرح ذلك الاحتمال علنًا؟ ببساطة لا يريدون أن يوجه لهم اتهام بإثارة هيستيريا وبلبلة بين الناس تؤدي بالضرورة إلى ذعر، وهو اتهام يعتقد الكاتب أن الكثيرين سيتهمونه به بسبب ذلك المقال، لكن الثابت أن الخطر حقيقي، وإذا لم نضع تلك الاحتمالات الخطيرة في اعتبارنا، لن يكون العالم على استعداد للقيام بما هو ضروري لإنهاء هذا الوباء.

في عام 2012 أثبت فريق من الباحثين الكنديين أن إيبولا زائير هو نفس الفيروس الذي انتشر في غرب إفريقيا، ويمكنه الانتقال عن طريق الجهاز التنفسي بين الخنازير والقرود، وهي حيوانات يتشابه جهازها التنفسي مع الجهاز التنفسي للبشر. في كتاب (1994) The Hot Zone أرَّخَ ريتشارد بريستون انتشار مرض الإيبولا عام 1989، حيث انتقلت إيبولا ريستون حينها بين القرود عن طريق التنفس في منطقة الحجر الصحي قرب واشنطن، ولم يتوقف انتقال المرض إلا عندما تم قتل كل القرود المصابة، ولذا يجب أن نضع في اعتبارنا أن مثل ذلك الانتقال للمرض – أي عن طريق الجهاز التنفسي والهواء – يمكن أن يحدث بين البشر إذا ما تحور الفيروس.

فما هو دورنا؟!

ثم يطرح الكاتب السؤال المهم وهو “ما الذي يجب علينا فعله لكننا لا نفعله حتى الآن؟”.

يعرض الكاتب ثلاثة محاور من خلالها يمكن احتواء الكارثة:

 

تعيين مسؤول محدد

أولًا، نحتاج شخصًا يتولى منصب “القيادة والسيطرة”، فمنظمة الأمم المتحدة هي المنظمة الدولية الوحيدة القادرة على توجيه كم هائل من المساعدات الطبية والإنسانية ومساعدات الصحة العامة، التي تأتي من البلدان المختلفة والجمعيات غير الحكومية لتضييق الخناق على ذلك الوباء، لا أحد ينكر الدور الكبير والتنسيق الذي قامت به الأمم المتحدة، إلا أن الكل يعتبر نفسه في موقع المسؤولية بدون تنسيق يرقى لمستوى الكارثة، وحين يحاول الكل تنصيب نفسه كمسؤول، تأكد حينئذ أنه لا يوجد مسؤول حقيقي.

فقرار من مجلس الأمن يمكن أن يعطي الأمم المتحدة المسؤولية الكاملة عن السيطرة على الفيروس وانتشاره، مع احترام سيادة دول غرب أفريقيا قدر الإمكان، فعلى سبيل المثال تستطيع الأمم المتحدة توفير طائرات آمنة لديها حقوق الهبوط في تلك المناطق، حيث أن العديد من شركات الطيران الخاصة ترفض الطيران في البلدان المتضررة؛ مما يجعل من الصعب جدًا نشر الإمدادات الحيوية والموظفين. بالإضافة إلى ضرورة التنسيق مع مجموعة الدول السبع للدعم الجوي والبري والعسكري لتأمين قنوات توريد للمنتجات الطبية ومكافحة العدوى، فضلَا عن نقل المواد الغذائية والمياه للمناطق المعزولة.

 

توفير الاحتياجات الطبية

يجب على الأمم المتحدة توفير كل الاحتياجات اللازمة كالأسِرَّة، وقد أوصت منظمة الصحة العالمية بتوفير 1500 سرير، لكن يبدو أننا سنحتاج ألف سرير آخرين. ينبغي عليها أيضًا تولي مهمة تدريب وتوظيف أفراد الطاقم الطبي والتمريضي في جميع أنحاء العالم، ولا سيما التنسيق لإرجاع أفراد الطاقم الطبي الذين نجوا من الإيبولا ولم يعودوا في خطر العدوى إلى بلادهم. فالعديد من البلدان تتعهد بالتبرع بالموارد الطبية اللازمة، لكن التبرعات وحدها لا تؤمن نظام معالجة فعال إذا لم تكن هناك وحدة واحدة مسؤولة عن التنسيق بينها.

 

عزل المصابين ونقلهم لأماكن العلاج

أخيرًا، علينا أن نتذكر أن الإيبولا ليست المشكلة الوحيدة في غرب أفريقيا، فعشرات الآلاف يموتون هناك كل سنة بسبب أمراض الإيدز والملاريا والسل، وتعتبر سيراليون وليبريا وغينيا الثلاث دول صاحبة أعلى معدلات وفيات للأمهات في العالم. ففي تلك البلاد عدد قليل جدًا من الناس يحصل على الرعاية الطبية اللازمة لأنهم خائفون من الذهاب للمستشفيات، وما سيتبعه من إجراءات إذا تم تشخيصهم بأنهم مصابون بالإيبولا. بالإضافة إلى ذلك إصابة العديد من العاملين في مجال الرعاية الصحية الذين يتعاملون مع مرضى الإيبولا، حيث توفي أكثر من 120 في ليبريا، ولم يتبقى سوى 250 طبيبًا فقط يقومون برعاية أربعة ملايين نسمة.

واختتم الكاتب مقاله بالتأكيد على ضرورة البدء في اتخاذ القرارات والإجراءات الفعالة، بدلًا من مجرد انتظار اختراع أحد ما عقارًا جديدًا أو لقاحًا، فإننا بانتظارنا هذا نخاطر باحتمالية انتقال الوباء من غرب أفريقيا إلى باحتنا الأمامية في أمريكا، ويقول أن هدفه من هذا المقال إنقاذ الإنسانية عامة، ومصلحته خاصة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد