في فاجعة مأساوية، فقدت خلالها الرياضيات والسينما معًا، قبل يوم أمس، روح “العقل الجميل” جون فوربن ناش عن عمر يناهز 86 في حادثة سير بولاية نيوجرسي الأمريكية، عالم الرياضيات الشهير، الحائز على جائزة “نوبل” في الاقتصاد سنة 1966، والذي تم تخليد قصته في فيلم “A beautiful mind”، ليترك لنا دروسًا قاسية في حياته.

«a beautiful mind» الفيلم الذي حاز على جائزة الأوسكار سنة 2001، يحكي عن قصة حياة جون ناش، من إخراج رون هوارد، وكتبه أكيفا جولدسمان. مستوحى من رواية سيلفيا نصار التي حملت نفس اسم الفيلم وحققت مبيعات هائلة، والمرشحة لجائزة بوليتزر في الأدب عام 1998، الفيلم من بطولة الثنائي المبهر، راسل كرو الذي شخص بقوة جون ناش، وجانبجينيفر كونيلي التي أدت دور زوجته ببراعة.

لا ندعي هنا أننا بصدد قراء نقدية سينمائية للفيلم، وإنما سنحاول التطرق لأهم فكرتين في اعتبارنا يمكننا استخلاصهما من حياة الفقيد جون ناش من خلال فيلمه المخلد لسيرته، الأولى ترتبط بأهمية القدرات الاجتماعية في حياة الفرد الإنسانية، والثانية تهم علاقة العبقرية بالجنون.

شاهد الفيلم أولًا إن فاتتك مشاهدته.

 

1- الحب والصداقة وعالم الرياضيات

يقدم الفيلم “عقل جميل” جون ناش، الطالب الشاب المنعزل الذي ليس لديه أصدقاء غير تشارلز الوهمي، يستأنس بالأرقام والرموز أكثر من الناس، يبدو سخيفًا مع الجنس الآخر، في الوقت الذي فيه أصدقاؤه يعرفون كيف يتصيدون الفتيات في الحانة وينالون إعجابهن، وحتى عندما أعجبت به طالبته إليشيا لسبب ما، كان يبدو كالطفل في مسائل الحب والتقارب، وحين تزوج إليشيا لم تكن حياتها سعيدة قبل نيله جائزة نوبل.

من جهة أخرى كان جون ناش بارعًا في الرياضيات، حاز على جائزة كارنيجي المرموقة قبل التحاقه بجامعة برنستون، حيث زكاه أساتذته بعبارة واحدة “هذا الرجل عبقري”، يستعمل جون ناش منطقه الرياضي حتى في حياته المعيشية، والأمور التي يتصرف فيها الناس عادة بتلقائية، حصل على كرسي التدريس بالجامعة، وبعدها بلغ به عقله الفذ إلى أن نال جائزة نوبل في الاقتصاد.

جون ناش إذن، ذلك الرجل العبقري في المعرفة الرياضية وربما لهذا السبب أعجبت به طالبته إليشيا، وفي نفس الآن الأمي في حياته الاجتماعية والعاطفية، كيف إذن يمكن فهم حياة تعيسة لرجل عبقري.

يقودنا هذا الأمر إلى نقاش حول مدى نجاعة العقل الرياضي في الحياة اليومية، وموقع الذكاء العاطفي في الحياة الشخصية.

 

لطالما كان الذكاء التقليدي المعروف بـIQ معيارًا للنجاح في الحياة بشكل عام، وهو يشير إلى القدرات العقلية المجردة، يمثله العقل الرياضي في أبرز صوره، وهو العقل الذي يتمتع به جون ناش، ورغم نجاعته في الأداء الوظيفي والمهني، إلا أنه قد لا يفيد كثيرًا في الحياة الاجتماعية والعاطفية، بل إن هذا النوع من الذكاءات قد يزيدها سوءًا وتعقيدًا، ما جعل العلماء السيكولوجيين منذ الثمانينات يتنبهون إلى أن هناك عقل أكثر أهمية وفعالية في الحياة، إنه الذكاء العاطفي.

ظهر الذكاء العاطفي كمصطلح علمي، ويسمونه الذكاء الانفعالي أو الاجتماعي، لأول مرة مع عالم النفس دانييل غولمان، صاحب الكتاب الشهير ‹‹الذكاء الانفعالي: لماذا قد يكون أكثر أهمية من نسبة الذكاء›› (1995)، أكد فرضيته تلك حول فوائد التحكم في الانفعالات الباحث ميشال والتر، الذي أجرى تجربة على مجموعة من الأطفال (4 سنوات)، قام فيها بتخيير الصغار بتناول قطعتين من الحلوى بعد انقضاء مدة معينة، أو تناول قطعة حلوى واحدة من لم يستطع منهم مقاومة رغبته في الأكل. كانت النتيجة أن أغلب الأطفال في المجموعة أكلوا قطعة حلوى في حينها قبل انقضاء المدة المحددة سلفًا، بعد سنوات تبين أن فئة الأطفال القليلة الذين عرفوا كيف ينتظرون ويتحكمون في سلوكهم قد أصبحوا فعالين في الحياة وذوي ثقة عالية في النفس، كما يجيدون التواصل مع الآخرين وعقد العلاقات العاطفية، بالإضافة إلى امتلاكهم قدرة تحدي صلبة للمنافسة ومواجهة إكراهات الحياة.

جون ناش، حسب ما يظهر الفيلم، يتمتع بقدرات جد متواضعة في الحياة الاجتماعية والعاطفية، ولم تنفعه كثيرا عبقريته في الرياضيات، على الأقل في بدايات حياته، في تحصيل حياة اجتماعية وعاطفية مليئة بالرضا والنجاح، إذ كان يفتقد نوعًا ما الذكاء العاطفي للحياة الذي يتطلب إدراك وفهم مشاعر الآخر، ومعرفة محفزاته وطبعه، والقدرة على إنتاج ردود أفعال وأحاسيس متناغمة، وأيضًا مرونة التعامل مع الأفكار والأحاسيس، وقبل ذلك امتلاك المهارات الاجتماعية اللازمة للتواصل والتعامل مع الآخر الإنسان في وضعيات مختلفة ومتعددة في نفس الوقت، وإمكانية تكييف الأفكار والمشاعر وعرضها بطريقة مقبولة اجتماعيًّا، وكذا القدرة على ربط علاقة مع الآخرين وتدبيرها والتحكم في مسارها، وكذا القدرة على التعارف والتفاهم مع الجنس الآخر.

وبالمقابل فيمكن أن يكون الأشخاص الذين لا يتمتعون بذكاء عاطفي عالٍ محل ثقة وصدق ورسوخ في المبادئ أكثر من غيرهم، وهو الأمر الذي قد يفسر إعجاب إليشيا بجون ناش، والتمسك به حتى في فترات مرضه النفسي.

ولعل جائزة نوبل والإرث العلمي والشهرة، التي خلفها جون ناش من ورائه، قد أدى ثمنها غاليًا على حساب حياته الاجتماعية والعاطفية.

2- الجنون والعبقرية

“إن العلاقة بين العبقرية والمرض العقلي أوضح من العلاقة بين العبقرية والذكاء المتقد، وأكثرها غموضًا في الوقت نفسه”. أندرو روبنسون، كتاب “العبقرية”.

أصيب جون ناش منذ بداية حياته بالفصام، ناش يعقد صداقة مع تشارلز وابنة شقيقه، كما يتعامل مع عميل وزارة الدفاع ويليام بارتشر والمهمة السرية المكلف بها من قبله لفك شفرات رسائل السوفييت، مستعينًا بقدراته العقلية في تحليل وإيجاد العلاقات بين الرموز في الجرائد والتلفاز والرسائل البريدية، لكن لم يكن كل ذلك سوى هلوسات وهمية من نسج فصامه، بعد اكتشاف زوجته لمرضه النفسي حيث أصبح متقلبًا ويحدث الأوهام، أعلمت المصحة النفسية بالأمر، والتي أرسلت أشخاصًا لاعتقاله بعد أن رفض تقبل العلاج، لتتأكد فرضيته بأنه ملاحق من طرف عملاء سوفييت، قبل أن يكتشف أخيرًا حقيقة هلاوسه، ويضطر للتعايش مع شخصيات وهمية تلاحقه طوال حياته، وقد سبب مرضه معاناة كثيرة في حياته وحياة عائلته.

يبدو من الصعب جدًّا تصديق كيف لشخص مصاب بمرض السكيتسوفرينيا الإرتيابية (فصام الاضطهاد وجنون العظمة) أن يحصل على جائزة نوبل في علم الاقتصاد، فكيف إذن تجتمع العبقرية مع الجنون؟

 

في الحقيقة ليس هناك بين العبقرية والجنون سوى شعرة رفيعة كما يبدو، فالرسام العبقري الشهير فنسنت فان جوخ، كان مريضًا عقليًّا بمعنى الكلمة، قطع إحدى أذنيه سنة 1977، ودخل المصحة العقلية، ثم أطلق النار على نفسه وهو في سن السابعة والثلاثين، وهي الفترة التي بلغ فيها أوج قدراته الإبداعية، ونفس الشأن مع إرنست همنجواي وجاكسون بلوك فيرجينيا وولف، جميعهم ماتوا منتحرين نتيجة إصابتهم بأمراض نفسية.

أجرى الطبيب النفسي فيليكس بوست في تسعينيات القرن العشرين تقريرًا، استند فيه إلى سير 291 مبدعًا ومفكرًا استثنائيًّا، خلص فيه إلى أن معظمهم يعانون من مرض عقلي بدرجات متفاوتة، اعتمادًا على المعايير الحديثة للصحة النفسية، منهم أينشتاين وفراداي وداروين وباستير، وبون وجالتون اللذان عانيا بدرجات أكثر حدة.

غير أن الصورة ليست مطلقة كما قد يروج لها الأشخاص العاديون استهتارًا بالإبداع والمبدعين، فهناك علماء استثنائيون بصحة نفسية مرتفعة للغاية، كما أن المرض العقلي يصيب أيضًا الأشخاص العاديين وحتى الجهلاء والمخبولين.

لكن المبدعين الاستثنائيين هم في الغالب أكثر الناس تعرضًا للإصابة بمضاعفات نفسية، نظرًا لما يتطلبه الإبداع الفذ من قدرات عقلية عالية وخاصة، يقول في هذا الصدد مارسيليو فيتشينو: “إن السوداوية هي الثمن العيني الذي لا بد من دفعه كي تتمكن مساعي الروح البطولية من عبور الفجوة، التي لا يمكن عبورها بعقلانية، والتي تفصل بين الطبيعة المتناهية والزائلة والطبيعة الخارقة اللامتناهية الخالدة”.

لم يكن حتمًا شخص آخر غير جون ناش أقل ذكاء، ليصاب بالفصام الذي أصيب به، فتحليل الأرقام المعقدة والرموز والربط بينها في شبكة متداخلة، يستدعي تملك قدرات عقلية معينة، إنه من الممكن القول إن المرض النفسي الذي قد يصاب به المبدعون، يتغذى أساسًا من ملكاتهم العقلية والفنية، ليزداد بعدها تغولًا، وهو الأمر الذي يقودنا مرة ثانية إلى موضوع أهمية الذكاء العاطفي، وضرورة تناغمه مع العقل الرياضي، بحيث بفضله يمكن التخفيف من التوتر والضغوطات النفسية قبل تفاقمها، كما يساعد كثيرًا الفرد للتعامل مع ذاته بشكل أكثر مرونة وبراغماتية.

استطاع جون ناش التعايش مع مرضه الفصامي، بفضل علاقة الحب القوية مع زوجته، واعتماده التجاهل كآلية نفسية لمواجهة هلاوسه، وهو الأمر الذي جعله يتحسن كثيرًا مع الأدوية.

وكما قال جون ناش فإن “التفكير غير المنطقي قد يكون له العديد من الفوائد أحيانًا”.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد