مع نشوب الأزمة الخليجية في منتصف عام 2017 بين دول الخليج وقطر، ظهرت حاجة الدوحة إلى تعديل بعض هياكلها الاقتصادية؛ فقطر دولة صغيرة، يبلغ عدد سكانها الأصليين 300 ألف نسمة، بينما يبلغ عدد السكان المغتربين حوالي 2.5 مليون نسمة، لديها حدود برية مع دولة واحدة فقط، هي المملكة العربية السعودية، والتي كانت شريكها الأبرز، خاصةً بعد تواجدهما في مجلس التعاون الخليجي؛ وكانت قطر تتحصل على ما يزيد نسبته عن 80% من احتياجاتها من المواد الغذائية، ومواد البناء، عبر جيرانها من دول مجلس التعاون الخليجي، من ضمنهم 40% كاملة من المملكة العربية السعودية وحدها.

وفي حين تستحوذ أعمال المشروعات الصغيرة والمتوسطة في أستراليا وألمانيا نحو 96% من حجم الأنشطة الصناعية هناك، فإن ذلك في دول الخليج لا يمثل إلا ما بين 13-30 % فقط في أحسن الأحوال، وبالرغم من إنشاء «جهاز قطر لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة» عام 2010 ضمن أهداف قطر ورؤيتها لخطة التنمية 2030، وبالرغم من وجود عدد من صناديق دعم وتمويل تلك المشروعات الصغيرة والمتوسطة والتي تقدم قروضًا تتراوح بين 50 ألف و150 ألف دولار للمشروع الواحد، تقول التقديرات: إن الطلب يزداد عليها بمعدل 5% سنويًا. فكيف استخدمت قطر دعمها للمشروعات الصغيرة والمتوسطة من أجل انتشالها من تأثير الأزمة الخليجية على اقتصادها؟

ماذا سيحدث لاقتصادات الخليج لو تفكك مجلس التعاون؟

يمكنها اجتياز الحصار بأقل نسبة بطالة في العالم العربي

أعطت قطر درسًا في التعامل مع الأزمات بطريقة إيجابية للغاية في الأزمة الخليجية والحصار عليها

هكذا علَّق دايفيد ستيوارت، رئيس مركز «إدارة الأزمات الدولية المحدودة»، حول التجربة القطرية للتعامل مع الأزمة الخليجية اقتصاديًا، فمن ناحية ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، لوحظ زيادة في أعداد الشباب الذين يتجهون للعمل الخاص بعد فرض الحصار على قطر؛ وذلك لما لمسوه من فرص تجارية كبيرة باتت سانحة بعد مغادرة شركات وموردين دوليين لبلادهم؛ إذ قال ناصر الزيارة، شريك في سلسلة مطاعم: إن «الحصار المفروض على البلاد رفع درجة التحدى أمام الشباب للخوض فى مجال العمل الخاص»، مشيرًا إلى أن مصادر التوريد الخاصة بالمواد الغذائية تغيرت بعد الحصار، وتم التوصل إلى بدائل أكثر جودة، وبأسعار مناسبة.

Embed from Getty Images

من جانبه، أعلن وزير المالية القطري، في أوائل ديسمبر (كانون الأول) 2017 أن بلاده ستركز على تطوير الصناعات المحلية والقطاع الخاص؛ وذلك من أجل تحقيق الاكتفاء الذاتي ومواجهة الحصار، مشيرًا إلى أن الحكومة تستخدم الدعم لتطوير بعض القطاعات الاقتصادية وتعزيز النمو، وذلك في إطار رؤية الدولة لاستراتيجية 2030 للتنمية.

الجدير بالذكر أن الدعم المادي الذي قدمته قطر لتعزيز معدلات النمو في القطاع الخاص، وصل قيمته إلى 29 مليار ريال قطري، أي ما يعادل 7.97 مليار دولار أمريكي، وذلك خلال عام 2018 فقط، بالإضافة إلى قيام الجهات الحكومية بتسريع الإجراءات لأصحاب المشاريع لإنجاز مشاريعهم بأسرع وقت ممكن.

كل هذا قاد قطر إلى التفوق على الحصار، والتقليل من تأثيره، وتأثير الأزمة الخليجية، فضلًا عن دوره في أن تصبح الدولة صاحبة معدلات البطالة الأقل في العالم العربي، وذلك بنسبة 0.1 % فقط من إجمالي السكان، وهي أحد النسب الأقل في العالم ككل، وذلك بحسب إحصاءات «البنك الدولي» و«منظمة العمل الدولية».

زلزال سياسي يضرب الخليج العربي.. ملف «ساسة بوست» عن أزمة الخليج

تسهيلات في الجمع بين العمل الحكومي والخاص

ولطالما كان الجمع بين وظيفتين أو أكثر، إحداهما حكومية، والأخرى غير حكومية، يُشكل خرقًا في سوق العمل بعدد من الدول، بل يتضمن عواقب وعقوبات في حالة الحدوث؛ ففي الحالة المصرية على سبيل المثال، وفقًا لنص المادة «151» من قانون الخدمة المدنية الجديد، فإنه «يحظر على الموظف الجمع بين وظيفته وبين أي عمل آخر يؤديه إذا كان من شأنه الإضرار بأداء واجبات وظيفته، أو كان غير متفق مع مقتضياته»، كما «يحظر عليه أن يؤدي عملًا للغير بأجر، أو مكافأة، ولو في غير أوقات العمل الرسمية، إلا بإذن من السلطة المختصة»، كما نصت المادة «77» من قانون العاملين المدنيين بالدولة رقم 47 لسنة 1978 أنه «يحظر على العامل الجمع بين وظيفته وأي عمل آخر».

Embed from Getty Images

أمَّا قانون العقوبات المصري، فإن المادة «115» منه تشير إلى أن «جريمة التربح لا تتحقق إلا إذا استغل الموظف وظيفته ليحصل لنفسه أو للغير بدون وجه حق على ربح من أعمال وظيفته، مؤكدة أن عقوبة الموظف الذي يجمع بين وظيفتين وتقاضى أجرًا عن كل وظيفة على حدة هي خفض الوظيفة إلى الدرجة الأدنى، والخصم من راتبه، وتوجيه اللوم إليه، وإذا وصل الموظف إلى التربح أو الاستيلاء على المال العام يعاقب بالسجن المشدد والإقصاء من الوظيفة ومصادرة الأموال.

في المقابل، تعمل دولة قطر على وضع تسهيلات للجمع بين العمل الحكومي والخاص؛ وذلك «حتى تسمح لمختلف مواطنيها، بمن فيهم أولئك الذين يعملون في القطاع العام، بالإيمان بأفكارهم، والعمل على تحقيقها، وتحويلها إلى مشروعات صغيرة ومتوسطة وشركات ناشئة».

من جانبه،يؤكد الشاب القطري، عبد الله السعيد، أحد مؤسسي المشروعات الصغيرة في قطر، أن «الجمع بين الوظيفة العامة والعمل الخاص مهم للشباب في بداية طريقهم؛ لأن الوظيفة العامة تمنح صاحبها كثيرًا من الخبرات والتجارب قد لا يجدها في الحياة العامة بسهولة، بينما يفيد العمل الخاص الشباب في تعلم الاعتماد على النفس وعلى الصبر؛ لأن ساعات العمل في المشروع الخاص مفتوحة، ولا تتقيد بزمن محدد، بالنسبة لمن يدير هذا العمل، ولكن إحساس الإنسان بأنه يعمل من أجل تنمية موارده، وزيادة أرباحه يهون عليه أي شعور بالتعب والإرهاق».

ويضيف: «كما أن العمل الخاص يكسب صاحبه مهارات عديدة، فيجد الإنسان نفسه يلم بشيء من علم المحاسبة، وحساب التكاليف، وقدر معقول من إدارة الموارد البشرية والمشتريات والتسويق، وبالجملة فإن العمل الخاص يصقل مواهب ومعارف الإنسان».

الاقتصاد القطري أمام الاختبار الأصعب.. هل يصمد أمام المقاطعة؟

التعليم بداية طريق النجاح

جهود البحث العلمي التي تقوم بها «جامعة قطر» في مجال ريادة الأعمال هو انعكاس لدور الجامعة في خدمة المجتمع، وبحث المشكلات التي تواجهه وتقديم الحلول لصناع القرار؛ مما يساهم في تذليل الصعاب أمام رواد الأعمال.

هكذا أكد حسن الدرهم، رئيس جامعة قطر، وذلك في كلمته في انطلاق مؤتمر تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال في جامعة قطر في عام 2015.

التعليم هو أحد أهم بذور التنمية المستقبلية؛ سواء كانت تنمية الإنسان، أو تنمية ونهضة البلاد. ومن هنا يمكننا دراسة الحالة القطرية في الاعتماد على التعليم كركيزة أساسية في دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والشركات الناشئة؛ إذ عملت قطر على إنشاء «كلية الاقتصاد وإدارة الأعمال» في جامعة قطر؛ وهي الجامعة الرئيسة في البلاد؛ فضلًا عن إتاحة الجامعة الحصول على درجة الماجستير في كلّ من إدارة الأعمال، والمحاسبة، وعلوم التسويق، ودرجة الدكتوراة في إدارة الأعمال أيضًا.

Embed from Getty Images

صبت دولة قطر تركيزها على ريادة الأعمال، وتحديدًا على الشركات الناشئة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة؛ إذ أُنشئ «مركز ريادة الأعمال» بجامعة قطر في سبتمبر (أيلول) عام 2013، وذلك كمبادرة لتعليم ودعم ريادة الأعمال في الجامعة والمجتمع القطري، بحسب موقعهم الإلكتروني.

ويعمل «مركز ريادة الأعمال» بجامعة قطر على منح الطلاب درجة علمية في ريادة الأعمال، وذلك عن طريق ربط الحياة الأكاديمية بالواقع العملي؛ إذ يتم ذلك من خلال التدريب، وحضانة الشركات الناشئة، والأبحاث، والاستشارات.

وبالإضافة إلى هذا وذاك، يهدف المركز إلى تقديم الخدمات لجميع المواطنين القطريين حول ريادة الأعمال،  بما في ذلك شركات القطاع الخاص القطرية؛ إذ تُجرى التدريبات المختلفة من أجل خلق الوعي حول أهمية ريادة الأعمال، وتطوير مهارات الأفراد، ودعم المتدربين من أجل تطوير أفكارهم إلى مشروعات ناشئة قابلة للتطبيق؛ مما أدى في الأخير إلى حصول 427 طالب على درجة ريادة الأعمال من جامعة قطر، منذ أن تم إنشاء المركز في أواخر 2013.

حرب الموانئ.. كيف رجح ميناء حمد كفة قطر للفوز بالجولة الأولى في المعركة؟

تمكين المرأة والشباب يبدأ من هنا

توفر الحكومة القطرية تسهيلات أمام الشباب القطري لفتح مشروعات صغيرة ومتوسطة، وهي المشروعات التي تؤدي في النهاية إلى تمكين صاحبها أو صاحبتها؛ إذ يُوضع في منصب المؤسس والمدير، عليه يقع عبء كل ما يخص هذا المشروع، والحفاظ عليه وتنميته.

وعن هذا الأمر، تذكر مصممة الأزياء القطرية، حنان سيف في تصريحات إعلامية أنها «اختارت العمل بشكل مستقل، ولأن العمل الخاص يتيح للفرد الاعتماد على ذاته، وتوفير كافة المنتجات التي يحتاج إليها، بالإضافة إلى الإبداع في الأزياء المتواجدة بالسوق المحلي وتقديمها بروح جديدة».

من جانبها قالت السيدة عائشة مبارك العبد الله، وهي صاحبة مشروع خاص، أن «الاتجاه إلى المشاريع الصغيرة والمتوسطة يتيح للسيدات إبراز دورهن في المجتمع، وعدم الاعتماد على الوظيفة الحكومية؛ حيث إن فرص الابداع بالعمل الخاص تمكن المجتمع من الاعتماد على المنتجات الداخلية والتوسع في التصدير إلى الخارج».

الدعم الحكومي والخاص مستمر في كافة المجالات

في الحالة القطرية -وخاصةً بعد الحصار الذي فُرض على قطر في عام 2017 – كان للدولة دور كبير في دعم هذه المشروعات؛ حيث يأتي دور الدولة والمؤسسات الداعمة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة في تأمين دعم مادي للانطلاق وبداية المشروع، وفق خطة محكمة للانطلاق والبداية، وضمن إطار خطة أكبر تغطي الخريطة الاقتصادية لمنتجات المشروع ودراسة حجم ونوعية تلك المنتجات وحاجة السوق إليها، فضلًا عن توفير بيئة مناسبة لنمو تلك المشاريع، وسن القوانين والإجراءات الإدارية اللازمة لتشجيع هذه المشروعات، وتسهيل الانطلاق بالمشروع بأقل تعقيدات وتكاليف ممكنة، مع رفع حالة التنافسية بين الشباب وأصحاب المشروعات لمزيد من الجودة والكفاءة، عن طريق المسابقات والمؤتمرات السنوية على سبيل المثال.

كل ذلك قاد قطر إلى أن تحتل المرتبة 22 عالميًا من أصل 137 دولة في «مؤشر ريادة الأعمال الدولي» لعام 2018، لتكون بذلك متفوقة على جميع الدول العربية، ومتفوقة على دول اقتصادية ضخمة مثل اليابان والصين على سبيل المثال، اللتين جاءتا في المركزين 28 و43 على الترتيب.

المؤسسات القطرية الداعمة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، سواء كانت حكومية أو خاصة، تسعى إلى تمويل أفكار الشباب، وخاصةً تلك الأفكار التي تحل الأزمات. ومن أبرز هذه المؤسسات يأتي في الصادرة «بنك قطر للتنمية»، والذي يعتبر أحد أهم أسباب إنشائه هو دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة والمبادرات الفردية للشباب القطريين؛ وذلك للمساهمة بشكل فعال في النمو الاقتصادي والرفاه الاجتماعي للمجتمع القطري الفتي.

قطر تواجه حربًا مصرفية شرسة.. هل سيصمد جهازها المصرفي؟

الجدير بالذكر أنه منذ أن رفعت قطر اهتمامها بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة في عام 2014، فإن «بنك قطر للتنمية» وحده ساهم في تأسيس 140 شركة جديدة، والتي ساهمت في الإنتاج القطري بما قيمته 54 مليون ريال قطري، أي ما يعادل 14.8 مليون دولار أمريكي.

«بنك قطر للتنمية» أيضًا، و«حاضنة قطر للأعمال»، يسعيان إلى اعتماد منتجات المصانع الوطنية، وإتاحة المزيد من الفرص أمام المصنعين القطريين للمشاركة في تنفيذ برامج ومشاريع الهيئة الهندسية والإنشائية؛ سواء المشاريع الجاري تنفيذها حاليًا أو المشاريع المستقبلية، كما تهدف إلى تشجيع المزيد من المستثمرين الوطنيين على إقامة مشاريع التصنيع الجديدة للمساهمة في مشاريع الدولة اعتمادًا على القدرات والموارد والصناعات والطاقات البشرية القطرية.

وتشمل المبادرة كافة المشاريع، سواء كانت جسورًا، أو طرقًا، أو مباني مدرسية، أو مرافق صحية، أو شبكة الصرف الصحي؛ وذلك بهدف استغلال المنتجات المحلية في المشاريع التي تنفذها هيئة الأشغال العامة في قطر بنسبة تتراوح بين 70 إلى 80 %.

المصادر

عرض التعليقات
s