بحلول نهاية العام المقبل قد ينتهي الكابوس الأمريكي الطويل بخروج دونالد ترامب من البيت الأبيض، لكن حتى لو حدث ذلك فإن معظم المؤشرات تحذر من أن رعبًا جديدًا قد يجثم على الصدور فورًا: رئيس ديمقراطي عاجز.

وإذا كانت السنوات الماضية من التاريخ السياسي قد علمتنا أي شيء؛ فهو أن «التخطيط للأسوأ فضيلة، أما الأماني فهي بضاعة المفاليس».  

وحتى قبل الوصول إلى نهاية الكابوس الراهن، هناك عقبتان تستحقان النظر:

  •  مع عدم سيطرة الديمقراطيين على مجلس الشيوخ، فليس من المجدي التقدم بمشروع قرار لعزل ترامب؛ لأنه لا يمكن استكمال أي طلب لعزل الرئيس دون موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ؛ مما يجعل هذه الفرضية الآن أقرب للخيال. ومبلغ غاية الديمقراطيين الذين يسلكون هذا الطريق الآن هو إزعاج الرئيس وإهانته وشغله بإجراءات عزله حتى لا يتفرغ للاستعداد للانتخابات الرئاسية القادمة. هذا يعني أن البشرية مجبرة على تَحَمُّل الرئيس – الذي يعتقد أنه خفيف الظل – لمدة 18 شهرًا أخرى على الأقل. 
  • قد لا يتخلى ترامب عن السلطة طواعية ما لم يُمنَ بهزيمة ساحقة، لدرجة ألا يستطيع الطعن في الفوز الديمقراطي عام 2020، حسبما حذرت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي عبر صحيفة «نيويورك تايمز»، التي تنصح بعدم الانهماك في محاولة الإقالة التي ستستغرق وقتًا طويلًا، وسيسحقها مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون في نهاية المطاف، وعدم الانجراف بشدة نحو اليسار حتى لا يبتعد الناخبون المعتدلون الذين أيدوا الحزب في عام 2018.

ما الذي يحرك الجمهوريين في الشرق الأوسط؟

صحيحٌ أن غالبية الجمهوريين – برأي البعض – يريدون إلقاء المزيد من القنابل على مزيد من المناطق حول العالم، خاصة في الشرق الأوسط، لكنهم في الواقع لا يهتمون كثيرًا بالعالم خارج الولايات المتحدة، إلا عندما تُسَلَّط الأضواء الإعلامية على شيء أو شخص بغيض – فيضطرون إلى التحرك – أو تطفو على السطح مصلحة تجارية – فيسيل لعابهم لاقتناصها – أو تكون هناك علاقة شخصية ما. 

صحيحٌ أيضًا أن «معاداة الإسلام» أصبحت مرشح الجمهوريين البديل لمناهضة الشيوعية بعد الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، وكان المرشح ترامب معاديًا صريحًا للمسلمين وللعرب، لكن لنسأل أنفسنا: إذا فعل الرجل على أرض الواقع حين وصل إلى البيت الأبيض؟ 

Embed from Getty Images
ترامب محاطًا بحلفائه من الجمهوريين

بعيدًا عن التصريحات والتغريدات النارية، وبرغم المواقف العنصرية، أصبح مؤيدًا بشدة للسعودية والإمارات، حتى أنه قرر دخول الحرب الباردة الإسلامية والانضمام إلى المعسكر المعادي لإيران.

 وحين أجرى ترامب مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء الأسترالي مالكولم تورنبول، سرعان ما أنهى الاتصال فجأة وبشكل حاد حين احتدم النقاش حول اللاجئين، بينما استغرق اتصاله بملك السعودية آنذاك أكثر من ساعة لأن الحديث كان عن المال.

هل يعني هذا أن «الترامبية» تمتلك رؤية مدروسة بعمق لمستقبل الشرق الأوسط، أو أي جزء آخر من العالم؟ لا يبدو الأمر كذلك على الإطلاق، بل يتمثل نهج ترامب غالبًا في استخدام السياسة الخارجية كأداة للتوافق – أو الضغط إن أردنا الدقة – مع مختلف الفصائل في ميادين الحروب الثقافية الأمريكية، على حد قول فيليب زيليكو في «فورين بوليسي»

ما هي تداعيات فشل الديمقراطيين في استعادة مجلس الشيوخ؟

سيبقى الديمقراطيون في مقاعد الأقلية داخل مجلس الشيوخ حتى عام 2022 على الأقل. وسيكون لهذا التراجع عواقب وخيمة، ليس فقط على آفاق التشريعات التقدمية في المستقبل، مثل الرعاية الطبية للجميع أو العمل على تغير المناخ، ولكن أيضًا فيما يتعلق بالقضاء الفيدرالي خلال العقود القليلة القادمة، كما كتب ديلان ماثيوز في موقع «ڤوكس».

والنتيجة الرئيسة لفشل الديمقراطيين في استعادة السيطرة على مجلس الشيوخ، على المدى القريب، هي أنهم لن يكونوا قادرين على وقف التعيينات القضائية للرئيس ترامب، وهو ما قد يساعد الجمهوريين على ترسيخ وتوسيع هيمنتهم على المحكمة العليا. 

إذا عُرِفَت التفاصيل اتضحت الصورة أكثر: يُظهِر تحليل أجراه فريق «بالوتبيديا» أن شيخوخة القضاء الفيدرالي تعني أنه بحلول نهاية عام 2020، سيكون ما يزيد قليلًا عن نصف مقاعد قضاة محاكم المقاطعات والاستئناف شاغرة أو لقمة سائغة لمرشحي ترامب. وإذا كان هذا هو الوضع الآن، فإن الصورة سوف تزداد قتامة بالنسبة للديمقراطيين في عام 2020.

وحتى إذا هزم مرشح ديمقراطي ترامب في عام 2020، لكن فشل الديمقراطيون في استعادة مجلس الشيوخ، فإن الرئيس الديمقراطي لن يكون قادرًا على تمرير الكثير من التشريعات في أول عامين له في منصبه. وحقيقة أن خريطة مجلس الشيوخ تشبه الخريطة الرئاسية بشكل متزايد هي أخبار سيئة للديمقراطيين على المدى الطويل.

إعادة انتخاب ترامب سيكون كابوسًا للكثيرين، لكن بالنسبة للديمقراطيين، فإن هزيمته وفوزهم بالرئاسة في عام 2021 قد يطلق نوعًا مختلفًا من عروض الرعب، كما يحذر إريك ليفيتز في مجلة «نيويورك»

إذا فاز مرشح ديمقراطي بالرئاسة العام المقبل، فهناك فرصة جيدة ألا يتمكن من فعل أي شيء دون الحصول على إذن من ميتش ماكوني، زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ. 

كل شيء ممكن بطبيعة الحال، لكن الترجيحات تشير إلى أن الديمقراطيين إذا وصلوا إلى المكتب البيضاوي في عام 2021، فسوف يواجهون مجلس شيوخ جمهوري؛ مما يعني أن الرئيس الديمقراطي لن يتمتع بسلطة تعيين أي قاضٍ في المحكمة العليا أو في جميع الاحتمالات أي قاضٍ فيدرالي ذوي ميول يسارية. ناهيك عن أن يساعد الجمهوريون في مجلس الشيوخ الرئيس الديمقراطي في تعيين مرشحيه المفضلين على رأس وزارة الخزانة أو «المجلس الأعلى للتعليم».

تخيل رئيسًا ديمقراطيًا ضعيفًا لدرجة العجز عن تمرير أي تشريع طموح تعهد به أمام قاعدته الانتخابية، هل بإمكان مثله أن يعيد التوازن في المحاكم، أو ينفذ جدول أعماله التنظيمي بفعالية؟ هل يمكن أن يضعف هذا من حماس الناخبين الديمقراطيين للسياسة الانتخابية عندما تحل الانتخابات النصفية؟ هل بإمكان رئيس حاله كذلك أن ينقذ غرقى الشرق الأوسط الذين يصرون على عدم تعلم العوم في انتظار المنقذ الأمريكي؟

آندرو يانج.. رجل الأعمال الشاب الذي يسعى لهزيمة ترامب بـ«خطة الألف دولار»

إذا جاء الطوفان الاقتصادي.. ستوضع المبادئ تحت الأقدام

أظهر استطلاع أجرته «الرابطة الوطنية لاقتصاديات الأعمال» في فبراير (شباط)  أن 75% من الاقتصاديين يتوقعون انزلاق الاقتصاد الأمريكي إلى الركود بحلول نهاية عام 2021، ويتوقع 42% حدوث انكماش في العام المقبل، ويتوقع  25% تأخر الانكماش إلى العالم التالي.

منذ إجراء هذا الاستطلاع، تراجع الاحتياطي الفيدرالي عن رفع أسعار الفائدة، وارتفعت الأسواق. وإذا ظهرت الفقاعات بعد فترة وجيزة من تولي رئيس ديمقراطي زمام الأمور، سيكون من المحتم عليه أن يمرر بعض التحفيز المالي، ومع اقتراب أسعار الفائدة بالفعل من أدنى مستوياتها التاريخية، ستكون قدرة مجلس الاحتياطي الفيدرالي على التخفيف من الركود، من خلال السياسة النقدية، محدودة.

أما وقد فقد الديمقراطيون مجلس الشيوخ فإننا سنكون أمام رئيس غير فعال على نحوٍ تاريخي، فشل في الوفاء بأي من وعوده الانتخابية الرئيسة، وهو يقف فوق فوهة ركود شديد بلا داعٍ.

أي تغيير أفضل من استمرار الوضع الراهن

في هذا السيناريو، إلى أي مدى سيكون حماس القاعدة التقدمية للخروج من أجل الحزب الديمقراطي في عام 2022؟ بمجرد أن يتوارى اسم دونالد ترامب ويحل التعثر مكانه في العناوين الرئيسة، هل من السهل تخيل أن يحافظ الليبراليون على مستوياتهم الحالية من المشاركة المدنية؟ ناهيك عن الضغط لتبني المثل العليا في السياسة الخارجية الأمريكية.

على العكس من ذلك، من شأن الرضا عن النفس وخيبة الأمل أن يخففا من إقبال الليبراليين، في حين أن الغضب الانتقامي من شأنه أن يزيد مشاركة المحافظين، فيما ستؤدي المشاكل الاقتصادية إلى تحول الناخبين المؤيدين إلى موقف المعارض للحزب الذي يمسك بزمام السلطة. 

حتى الرؤساء الفعّالين نسبيًا، الذين يترأسون الأوقات الاقتصادية الجيدة، يرجح أن يفقدوا مقاعدهم في انتخابات التجديد النصفي. في السيناريو المرسوم آنفًا، من المحتمل أن تغمر الموجة الحمراء أغلبية مقاعد مجلس النواب، ويستطيع الجمهوريون تجديد ولايتهم على مقاعد مجلس الشيوخ في فلوريدا وبنسلفانيا وكارولينا الشمالية وأيوا وأوهايو، وقد ينتزع الحزب الجمهوري المقاعد الديمقراطية في نيو هامبشاير ونيفادا. وإذا أحرز الجمهوريون فوزًا كاسحًا في عام 2022، فقد يظل مجلس الشيوخ في قبضتهم حتى نهاية العقد. 

لكن بالطبع، حتى النسخة الأكثر رعبًا من الرئاسة الديمقراطية القادمة، هي – برأي الكثيرين – أفضل من أربع سنوات أخرى من رئاسة دونالد ترامب، ليس فقط لأمريكا أو الشرق الأوسط، بل للعالم أجمع. 

هل يستطيع الديمقراطيون تقديم مرشح أقوى من أوباما؟

منذ اللحظة الأولى التي دخل فيها باراك أوباما إلى المكتب البيضاوي، لم يملّ من تكرار تعهده للأمريكيين والعالم أنه سيلتزم بالقانون وسيتبنى سياسة خارجية قِيَمِيَّة، لكن عندما حان وقت الاختبار الفعلي، سواء فيما يتعلق بحرب الطائرات بدون طيار أو العلاقات الخاصة مع إسرائيل، بدت السياسات التي اتبعتها إدارته متجانسة تقريبًا مع واقعية كيسنجر أو تشبه سياسة المحافظين الجدد، أكثر مما هي ليبرالية تعكس رؤية أوباما الشخصية.

Embed from Getty Images

الرئيس الأمريكي باراك أوباما

حتى أوباما بكاريزميته وحيويته وآماله العريضة لم يستطع التخلص من القيود التي كبّلت آماله؛ ليس فقط بسبب العقبات المتنوعة التي وضعها الجمهوريون طيلة الوقت في طريقه، بل نتيجة قيود عالمية أكبر أثرت على رئاسته التي كانت في الواقع جزءًا من حقبة أربعينية يسميها مرشح الرئاسة الديمقراطي بيت بوتيجيج «إجماع ريجان»، عندما كانت النظرة الاقتصادية العالمية المحافظة أو النيوليبرالية هي التي تملي تصرفات الجمهوريين والديمقراطيين. 

يرجع ذلك جزئيًا إلى الفجوة بين أوباما «الناشط الوطني» وأوباما «الرئيس المنتخب». ذلك أن الحكومة، في الممارسة العملية، هي عبارة عن بيروقراطية تقودها مجموعات المصالح الخاصة، خاصة جماعات الضغط المرتبطة بـ«وول ستريت» و«البنتاجون» ومبيعات الأسلحة وإسرائيل. وبمجرد أن يتولى الساسة الحكم، يتعلمون كيف يتجاهلون جانبهم الطيب في مجموعة من القضايا، خاصة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، إما طوعًا أو كرهًا. 

«المجمع الصناعي العسكري» الفائز دومًا

ألم تكن هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية والمرشحة الرئاسية السابقة ديمقراطيةً حتى النخاع حين أيدت التدخل العسكري في الشرق الأوسط، بما في ذلك دعمها لحرب العراق وتوعدها بمزيد من الغارات الجوية في سوريا واتباع نهج أكثر عدوانية تجاه داعش؟ 

تفسير ذلك هو أن الديمقراطيين يشعرون بالحاجة أحيانًا إلى تعزيز أوراق اعتمادهم العسكرية، وطمأنة «الدولة العميقة» القوية في واشنطن أنهم مستعدون لاستخدام القوة لتحقيق المصالح الأمريكية في جميع أنحاء العالم.

حتى لو كان بمقدور هيلاري كلينتون تحطيم سقف النساء الزجاجي في الولايات المتحدة بفوزها في الانتخابات الرئاسية، إلا أنها كانت ستقف عاجزة أمام «المجمع الصناعي العسكري» الذين أبقى الولايات المتحدة في حالة حرب دائمة طيلة عقود.

والحال هكذا، ترى ميديا ​​بنجامين، العضو المؤسس في منظمة «كود بينك» المناهضة للحرب، أنه حينما يتعلق الأمر بالحرب والسلام، قد لا يهم كثيرًا ما إذا فاز الجمهوريون أو الديمقراطيون برئاسة الولايات المتحدة. ففي كلتا الحالتين، سيكون الفائز هو المجمع الصناعي العسكري الذي حذر منه الرئيس دوايت آيزنهاور. 

بارقة أمل.. اللوبي الإسرائيلي في مرمى النيران

حتى بعد فوز الحزب الديمقراطي بأغلبية مقاعد مجلس النواب الأمريكي في الانتخابات النصفية 2018، رجَّح محللون ألا تختلف سياسات الديمقراطيين تجاه الشرق الأوسط كثيرًا عن السياسات التي اتبعها ترامب.

على سبيل المثال، يواصل اللوبي الإسرائيلي ممارسة تأثير كبير على السياسة الأمريكية، ولا يخاطر الديمقراطيون عادة بمحاولة تحدي هذا النفوذ بجدية، مهما كان التعاطف الذي يحمله البعض للقضية الفلسطينية. 

هل يعني ذلك أن الصورة قاتمة تمامًا، وأن الجميع «وجهان لعملة واحدة»، ولا يوجد أمل في التغيير يلوح في الأفق؟

على الإطلاق فالاتجاه السائد بين الديمقراطيين عمومًا يُظهِر انخفاضًا في دعم إسرائيل، بالإضافة إلى الانتقاد الصريح الموجه لها من الثلاثي: إلهان عمر ورشيدة طليب وألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، اللواتي يمكن اعتبارهن نواة لقاعدة ديمقراطيةٍ قد تصبح أكثر تحديًا لضغوط اللوبي الإسرائيلي.

لا ينبغي لأحد أن يتوقع أن تتبخر قوة اللوبي الإسرائيلي بين عشية وضحاها، أو أن تنهار جماعات الضغط الصهيونية كما حدث لحائط برلين في عام 1989، لكنه قد يتآكل ببطء على غرار تدهور الاتحاد السوفيتي على مدار سنوات، تمهيدًا لأن تتلاشى قوة اللوبي تدريجيًا مع مرور الوقت.

هل نريد جرعة أكبر من الأمل؟ حسنًا: أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «بيو» في يناير (كانون الثاني) 2018 أن نسبة الديمقراطيين المتعاطفين مع إسرائيل أكثر من الفلسطينيين انخفضت من 38% إلى 27% منذ عام 2001.

وأظهر استطلاع آخر أجرته مجلة «إيكونوميست» وشركة «يوجوف» أواخر 2018 أن الدعم الأمريكي لإسرائيل أقوى بين كبار السن الموسرين والمحافظين والأضعف بين الشباب والليبراليين والأقليات والنساء. حيث يرى 25% فقط من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا إسرائيل كحليف، و% فقط من النساء، و19% فقط من الأمريكيين الأفارقة. ويبدو أن الانتخابات الرئاسية عام 2020 ستختبر هذه النظرية بشكل أكبر.

«الوثائقي المحجوب».. كيف تعمل ماكينة اللوبي الإسرائيلي في أمريكا؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد