انتحار أم تمهيد لانفجار.. ماذا يحدث عندما يقوم الشعب بـ«نصف ثورة»؟

قالوا قديمًا «من يصنع نصف ثورة يحفر قبره بيديه»، ورأينا حديثًا كيف تحقق ذلك رأي العين، في كل من مصر، وسوريا، وليبيا، واليمن، ضمن الموجة الأولى لثورات الربيع العربي التي لم تكد تبدأ حتى اصطدمت بموجة قاسية من الثورة المضادة.

ومن المعلوم من الثورة بالضرورة، أن معظم الثورات تمر بموجات عديدة تتقلب فيها بين مدٍ وجزر، وتمكين وتراجع، مثلما حدث مع الثورة الفرنسية التي توصف بأنها أكبر الثورات في العصر الحديث حيث امتدت أحداثها الساخنة قرابة 80 عامًا، منذ بدأت عام 1789 ولم تهدأ البلاد إلا بإعلان الجمهورية الثالثة عام 1871، شهدت فرنسا خلالها العديد موجات الثورة والانقلابات والحروب.    

ومن المعلوم أيضا أنه دائما ما تكون «القضية المركزية في أية ثورة هي قضية السلطة» كما يقول فلاديمير لينين، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ماذا يحدث إذا لم تستطع الثورة أن تصل إلى السلطة وفشلت في إزاحة النظام الذي ثارت عليه؟

هذا السؤال يدور في مخيلة معظم المصريين في هذه الأيام، وتعبث أفكار اليأس والتشاؤم بنسائم الأمل والتفاؤل لدى الكثيرين منهم، في وقت تغيب عنهم المعلومات الدقيقة عن حقيقة ما يجري ويدور في بلادهم، يتساءلون: ماذا لو فشلت هذه الموجة من الحراك؟ وماذا لو تمكن السيسي من اجتياز هذه العقبة؟ كيف سيتصرف حيال من تظاهروا ضده، وضد المعتقلين في السجون؟ وضد كل من يشك في عدم ولائهم من ضباط الجيش والشرطة؟ وكيف سيتعامل اقتصاديًا وأمنيًا مع عموم الشعب؟ وكيف سيكون شكل الحياة بمصر في مستقبل الأيام؟

ورغم دعوات الكثيرين لأهمية التفاؤل لدى التعامل مع صعوبات الحياة، من باب «تفاءلوا بالخير تجدوه»، إلا أنه على الجانب الآخر، يرى البعض أهمية تقدير «أسوأ الاحتمالات»؛ كي يستعدوا للتعامل معها بأقل الخسائر، أو للعمل على تفاديها إن كان ذلك ممكنًا.

ومن هذا الباب تعالوا نتخيل كيف سيكون واقع مصر في حال فشل الحراك المطالب برحيل السيسي، بالنظر إلى تجارب أخرى مشابهة فشلت فيها الثورات، ومع مراعاة خصوصية الحالة المصرية في وقتنا الحالي.

«بتحصل في أحسن الثورات»

بالنظر إلى تاريخ الثورات تجد أن هناك إجابات عديدة على هذا السؤال، تختلف باختلاف المكان والزمان وطبيعة شخصيات فريقي الثورة والثورة المضادة، ولكن في غالب الأحوال يسارع «الديكتاتور» الذي قامت عليه الثورة بالانتقام من كل من ثار عليه وإزاحة كل القوى التي وقفت ضده، وربما أعطاه ذلك دفعة للتمادي في طغيانه واستبداده.

وكما أنه في حال نجاح الثورة فإنها توصف بـ«الثورة المباركة»، أما إذا فشلت فإنها توصف بالانقلاب الفاشل، كما يصبح «قائد الثورة» بطلًا ويُقدمه التاريخ كمُنقذ ومُخلّص وواحد من العباقرة العظماء إن وصل إلى الحكم، فيما يوصف بأنه خائن وعميل ويصِمُه الناس بُكل نقيصة في حال فشلت الثورة، كما في الحالات التالية:

الثورة الفرنسية الأولى 1789.. حققت أهدافها بعد أكثر من قرن

يعتبر المؤرخون الثورة الفرنسية (1789) أشهر ثورة في التاريخ الحديث، وفي الحقيقة كانت تلك الثورة علامة فارقة في الانتقال من أشكال الحكم الملكي والإمبراطوري إلى الحكم الجمهوري، بعدما اندلعت ضد الملك لويس السادس عشر بسبب الفقر وسيطرة الكنيسة وفرض الضرائب الباهظة.

 

ورغم أن الثورة نجحت في أولى مراحلها، وتم إعدام لويس وزوجته ماري انطوانيت، إلا أنه في 9 نوفمبر (تشرين الأول) 1799، قام «نابليون بونابارت» بانقلاب عسكري، واعتبر هذا الحدث نهاية الثورة الفرنسية، وبداية عصر نابليون، الذي بدأ في تنفيذ أحلامه التوسعية حتى هزم في معركة ووترلو أمام بريطانيا عام 1815، نفي على إثرها إلى جزيرة سانت هيلينا بالمحيط الأطلسي، وعقد مؤتمر فيينا 1815 الذي قرر عودة أسرة «البوربون» إلى الحكم في فرنسا وأكد على «الحق الشرعي للملوك». 

وذلك عادت الملكية من جديد حتى عام 1848، وتداول على الحكم كل من لويس فيليب وشارل العاشر الذي كان ملكيًا متطرفًا وقام بإجراءات تعسفية واسعة وأصدر عدة قرارات من أجل إنهاء حرية الصحافة وإلغاء مجلس النواب وتخفيض عدد الفرنسيين الذين يحق لهم التصويت إلى 25% فقط.

هذه التقلبات دعت بعض المؤرخين للقول إن الثورة الفرنسية احتاجت إلى 116 عامًا لإكمال أهدافها بإقرار الحرية والمساواة والإخاء. بعد المرور بموجات ثورية فاشلة كان أبرزها في أعوام 1830 و1848 و1871.

لذلك، بالنظر إلى أحداث الثورة الفرنسية، لا يستغرب البعض مما تواجهه الثورة المصرية من عقبات وتحديات، التي تتشابه مع نظيرتها الفرنسية في أهدافها الداعية إلى إحداث تغييرات سياسية واجتماعية وثقافية، وبالفعل بدا واضحًا للعيان أن الثورة المصرية تسير عبر موجات متلاحقة قد تتداخل مع موجات أخرى مقابلة من الثورة المضادة.

1848.. حين باء «الربيع الأوروبي» بالفشل

لك أن تتخيل أن عام 1848 انطلقت فيه حوالي 50 ثورة في أرجاء أوروبا، كلها كانت ثورات شعبية ضد الأنظمة الملكية، انتقلت عدوى الثورة من دولة إلى أخرى، للمطالبة بالعدالة الاجتماعية والحقوق المدنية.

إلا أنه في نهاية العام، فشلت هذه الثورات، بسبب عدم تنسيق الثوار فيما بينهم، في حين تعاونت الملكيات الأوروبية فيما بينها للقضاء على هذه الثورات، وبالفعل نجحوا في ذلك، وقامت الجيوش الملكية بحملة حروب ضد الثوار في مختلف أنحاء أوروبا قتلوا خلالها مئات الآلاف.

وفي النهاية باءت كل ثورات الربيع الأوربي بالفشل، فجمهوريات إيطاليا ودويلاتها الدستورية الصغيرة لم تستطع الوقوف في وجه الجيش النمساوي الكبير الذي تجمع بقيادة الجنرال راديتزكي واستطاع إعادة شمال إيطاليا إلى السيطرة النمساوية.

كما واصل جنرالات الجيش النمساوي سحق بقية الثورات فقاد الجنرال راديتزكي قوات الجيش النظامي إلى هزيمة الثوار في حرب الشوارع الممتدة وعاد الإمبراطور إلى فيينا وأعلن عن تشكيل حكومة جديدة مكونة من وزراء كلهم من المحافظين الموالين له وألغى الإصلاحات التي اضطر لها سابقًا.

أيضًا وفي ظل موجة الثورة المضادة النمساوية تراجع معظم الأمراء الألمان عن وعودهم بالحكم الدستوري وحل ملك بروسيا – الدولة الألمانية الأكبر في ذلك الوقت – البرلمان وأعلن دستورًا جديدًا يرسخ الملكية المطلقة وأبقى قانون الانتخاب لصالح الطبقة الأرستقراطية وفي خلال سنوات قليلة ضاعت كل مكاسب الثورة.

هل الثورة التونسية على حافة الخطر بعد وفاة السبسي؟

 

ثورة روسيا 1905.. أشعلت شرارة الثورة الكبرى 1917

في عام 1905، ازداد غضب الروس ضد القيصر نيقولا الثاني بسبب الوضع الاقتصادي السيئ، وتجسد هذا الغضب في أعمال عنف وإضرابات عمالية ومظاهرات انتشرت عبر مناطق شاسعة في الإمبراطورية الروسية.  

وفي الصباح الباكر من يوم الأحد، 22 يناير (كانون الثاني) 1905 قدم العمال عريضة حددوا فيها مطالبهم، وأهمها: إنشاء مجلس تأسيسي، وتوزيع الأراضي على الفلاحين، وحرية التعبير والنشر والاجتماعات، وتحديد ساعات العمل اليومي بثمان ساعات بدلًا عن 16 ساعة. وتوجه عمال بتروجراد بقيادة القس جابون، مع زوجاتهم وأطفالهم بثياب العيد، نحو المقر الدائم للقيصر نيقولا الثاني، في قصره الشتوي في بتروجراد، يحملون صور القيصر.

وما إن اقترب المتظاهرون من البوابات، والجسور المؤدية إلى وسط المدينة، حتى نفذ الجنود أوامر القيصر فضربوا المتظاهرين بالمدافع والرشاشات، وأعملت فرق الخيالة سيوفها في رقابهم رجالًا ونساءًا وأطفالًا وأجهزت على الجرحى منهم، فقتل في يوم واحد أكثر من ألف مواطن، وجرح ما يقارب الخمسة آلاف، وعرف هذا اليوم يوم الأحد الدامي.

ورغم فشل ثورة 1905، وعدم وصول القوى الثورية المشتركة فيها إلى السلطة، وتعرض هذه القوى لعملية قمع رهيبة، إلا أنها كانت مقدمة لتفجير ثورة 1917، كما كان لها أثرها ونتائجها في الحركات العمالية خارج روسيا، فبتأثيرها اندلعت الثورات في كل من الصين وإيران وتركيا، كما اتسعت الحركات العمالية وتطورت في بلدان أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وأثارت شعور التحرر الوطني في الهند وإندونيسيا ومصر والدول العربية.

الثورة المجرية عام 1956

وقعت دولة المجر تحت سيطرة الاتحاد السوفيتي عام 1945 ولاقت سنوات عصيبة من الاستبداد والقمع، لكن آمال التغيير تجددت لدى المجريين عقب وفاة ستالين في عام 1956. وتحرك الطلاب والعمال لمهاجمة جهاز الشرطة السرية، بالإضافة إلى استهدافهم الجنود الروس، وقاموا بتحطيم تمثال ستالين.

وفي 24 أكتوبر 1956، تولى السياسي المعتدل إمري ناجي، رئاسة الوزراء، وطلب ناجي من رئيس الاتحاد السوفيتي آنذاك، خروتشوف، خروج الجيش الروسي من بودابست. لكن المجر لم تتمتع بالحرية سوى خمسة أيام فقط، أعلنت خلالها الحكومة الجديدة التزام الديمقراطية في سياساتها، واحترام حرية الرأي والتعبير والصحافة والاعتقاد، وتم الإفراج عن قيادات دينية.

وبمجرد أن أعلنت المجر خروجها من اتفاقية وارسو، أرسل خروتشوف في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 1956 نحو ألف دبابة إلى بودابست، ليتسبب في قتل 4 آلاف شخص مجري، وقام بتنصيب السياسي المناصر للاتحاد السوفييتي جانوس كادار.

وبحلول الثاني عشر من الشهر قضى السوفيت على الثورة تمامًا، وضاعت بذلك فرصة تحقيق تسوية في وسط أوروبا والتي كانت كفيلة بوضع نهاية للحرب الباردة، لتستمر تلك الحرب لمدة ربع قرن آخر.

ثورة بوليفيا عام 1952  

في عام 1951، حينما دعت الحكومة في بوليفيا للانتخابات في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، فازت «الحركة الوطنية الثورية» بالرئاسة. لكن الجيش لم يقبل ذلك، وسرعان ما قام بحظر الحركة كما أعلن عن تشكيل مجلس عسكري ليقود البلاد. فيما تحالفت قيادات الحركة سريًا مع قائد الشرطة العسكرية على أمل أن يؤدي ذلك إلى كسب قطاعات واسعة من الجيش في صف «الحركة الوطنية الثورية».

وفي 9 أبريل (نيسان) من نفس العام دعت «الحركة الوطنية الثورية» الشعب إلى الاستيلاء على الأسلحة والترسانات التابعة للجيش والشرطة وتوزيعها على عامة الشعب. اتجه عمال المناجم المسلحون في مسيرة إلى مدينة لاباز، واستطاعوا منع تقدم جنود الجيش، وبعد ثلاثة أيام من القتال ومقتل 600 إنسان، استسلم الجيش ووصل المعارض فيكتور استنسورو للرئاسة.

لكن في عام 1965، تحرك الجنرال رينيه بارينتوس، أحد أعضاء المجلس العسكري البوليفي، وأطاح بـاستنسورو، وتراجعت الكثير من المكتسبات التي حققتها الثورة، حيث عمدت الحكومة إلى تفتيت النقابات وإهمال مطالب الفلاحين، كما أعادت بناء الجيش النظامي.

 ثورة غواتيمالا عام 1944

قبل الثورة الشعبية التي أطاحت بالديكتاتور العسكري خورخي أوبيكو في عام 1944، كانت جواتيمالا خاضعة لحكم سلطوي منذ حققت استقلالها عن إسبانيا في عام 1821، وفتحت ثورة أكتوبر 1944 الباب للمرة الأولى أمام الديمقراطية في جواتيمالا التي ازدهرت في البلاد وحملت مستقبلًا واعدًا للفئات الأضعف في المجتمع.

غير أن الربيع الذي استمر 10 سنوات انتهى عندما أطاح انقلاب دبرته أمريكا بالرئيس المنتخب ديمقراطيًا جاكوبو أربينز في عام 1954، وقاد حلفاء «وكالة الاستخبارات الأمريكية» حملة منظمة لنشر سلسلة من الشائعات في إطار حرب نفسية لإرباك المواطنين وترويعهم من الاختراق الشيوعي للبلاد، واتُهم الرئيس المنتخب أربينز بأنه خائن ويسعى لتسليم البلاد للسوفيت.  

وبعد ذلك تم تنصيب الدكتاتور كاستيلو أرماس، لتبدأ سلسلة من الرؤساء الغواتيماليين المدعومين من أمريكا. وقام أرماس بسن تشريعات قضت على الإصلاحات الزراعية، التي أضرت بالفلاحين الفقراء، بجانب إلغاء حق تصويت الغواتيماليين الأميين في الانتخابات.

ثم دخلت جواتيمالا في عصر انقلابات عسكرية أربعة انقلابات وسلسلة من الحروب الأهلية استمرت لمدة 36 عامًا بفعل تمويل «السي آي إيه» للمتمردين المسلحين وما يعرف بفرق الموت.

خلال السنوات العشر الأولى، كان ضحايا العنف الذي رعته الحكومة من الطلاب والعمال والأخصائيين وشخصيات المعارضة، ولكن في السنوات الأخيرة توسعت دائرة العنف ليشمل الآلاف من الفلاحين القرويين والعزل، ودُمّرت أكثر من 450 قرية من قراهم كما شُرِّد نحو مليون شخص ضمن غواتيمالا أو لجأوا لدول أخرى.

تم إنهاء الحرب الأهلية عام 1996 باتفاق سلام بين الحكومة والمتمردين، وفي عام 1999 اعترف الرئيس الأمريكي بيل كيلنتون بخطأ الولايات المتحدة بدعم الجيش في جواتيمالا منذ الانقلاب وخلال المذابح التي ارتكبها على مدار أربعة عقود.

ويرى البعض أن الانقلاب العسكري في مصر عام 2013 قريب الشبه إلى حد  كبير بانقلاب جواتيمالا في عام 1954 رغم البعد الزمني والجغرافي بين الدولتين حيث تبعد الدولة الواقعة في أمريكا الوسطى أكثر من 7500 ميل عن مصر، كما يفصل بين الانقلابين 59 عامًا.

الانقلاب الإيراني في عام 1953

بدأ الصراع بين الشاه الإيراني والقيادي بالجبهة الوطنية محمد مصدق، عندما استطاع الأخير سن قانون لتأميم المصالح البترولية البريطانية في إيران في العام 1951، ومنذ هذه اللحظة زادت شعبية مصدق بدرجة كبيرة، حتى أصبح رئيسًا للوزراء في نفس العام بدعم شعبي كبير.

تعاظمت قوة مصدق، وأصدر مراسيم عدة لصالح الفقراء الإيرانيين إلا أنه كان من شأنها الإضرار بمصالح الطبقة الأرستقراطية، حيث ألغى نظام الزراعة الإقطاعية. وأدخلت إدارته إصلاحات اجتماعية وسياسية واسعة مثل الضمان الاجتماعي وتنظيم الإيجارات واستصلاح الأراضي.

لم تُرض سياسات مصدق بريطانيا والولايات المتحدة بالطبع، فتم تأسيس العملية «أجاكس» التي كُشِف عن تفاصيلها لاحقًا، والتي قادها كرميت روزفلت، ضابط الاستخبارات الأمريكي، الذي يُعد المهندس الحقيقي لعملية الانقلاب لإعادة الشاه الإيراني إلى الحكم.

وفي عام 1953، قام الشاه الإيراني بالإطاحة بمصدق بدعم من الولايات المتحدة، في حين رفض مصدق القرار الذي ينص على إقالته، وتعيين الجنرال فضل الله زاهدي بدلًا عنه.

وكانت الخطة تنص على إخراج مظاهرات معادية في الشوارع وتضخيمها من خلال وسائل الإعلام، بجانب سيطرة الرجال الموالين للشاه على الشارع الإيراني، واغتيال القيادات الوطنية، الأمر الذي تم بالفعل، كما تم قصف منزل مصدق في طهران إلى أن تم اعتقاله والحكم عليه بالإقامة الجبرية مدى الحياة، في حين عاد الشاه للحكم مرة أخرى.

الحالة المصرية.. فريدة من نوعها

بقدر ما فتحت ثورة 25 يناير من أبواب الأمل والحرية في مصر والعالم العربي، بقدر ما كانت صدمة الحالمين بالحرية كبيرة بانقلاب الثالث من يوليو (تموز) 2013، ثم عاد الأمل مجددا لدى خروج تظاهرات العشرين من سبتمبر (أيلول) 2019 غير أنه عاد مشوبا بحذر وقلق من تكرار تجربة إخفاق ثورة يناير.

Embed from Getty Images

يرى البعض أنه إذا فشل هذا الحراك الأخير ستكون الفرصة كبيرة أمام السيسي الذي يحكم بقبضة من حديد أن يتمادى في طغيانه وأن يتخلص من باقي خصومه من المعارضة وحتى من ضباط الجيش والشرطة الذين يتردد أن بعضهم يقف وراء الموجة الثورية الجديدة، وإذا فعل السيسي ذلك فسيقتل كل آمال التغيير لدى المصريين في المدى القريب وربما المتوسط.

وبذلك قد يكون الباب مفتوحًا أمام نظام السيسي ونظامه ليواصل إغلاق المجال السياسي بشكل أكثر قمعًا، وإفساد الحياة الاقتصادية بمزيد من تحكم الجيش في كل قطاعات الاستثمار، وفرض مزيد من الضرائب بحجج مختلفة، ورهن مصر لسياسات صندوق النقد الدولي، لتسقط ملايين أخرى من المصريين تحت خط الفقر.

وفي وقت تغيب فيه الأقلام الحرة، قد يمضي السيسي في خططه لتكميم ما تبقى من الصحافة والإعلام ومحاربة حرية التعبير عن الرأي، وسيمتد بطشه ليشمل حتى وسائل التواصل الاجتماعي، وربما لا يجد مانعًا من تطبيق مقترحات لواءات جيشه وأعضاء برلمانه بفرض استخدام «إيميلات وطنية» و«مواقع تواصل وطنية» بعد حجب مواقع التواصل العالمية، وهو ما سيكون سببًا كافيًا لجعل مصر أضحوكة العالم وأن تكون نسخة عربية من «كوريا الشمالية».

خارجيًا، ربما يشعر السيسي بأنه أصبح يمتلك قوة ونفوذا أكبر بعد فراغ الساحة الداخلية من خصومه، وربما عمّق تحالفه مع ولي العهد الإماراتي محمد بن زايد وولي العهد السعودي محمد بن سلمان للقضاء على ما تبقى من الثورات العربية في ليبيا واليمن وسوريا، ولن يخجل ساعتها في إعادة قرينه بشار الأسد إلى جامعة الدول العربية بصحبة حليفه الجنرال الليبي خليفة حفتر.

معادلات الثورة

رغم سوداوية هذا السيناريو إلا أنه يبقى الأمل دائما مهما حدث، فكل ثورة يكون لها في الغالب ثورة مضادّة، وهذا من طبائع الأمور، لأن من البديهي أن تقوم أطراف الأمر الواقع في أي نظام بالدفاع عن سلطتها ومصالحها بكل الوسائل الممكنة.

بَـيْد أن قصة الثورات والثورات المضادّة – برأي البعض – في الربيع العربي، لم تصل إلى خواتيمها بعد. لماذا؟ ربما بفعل عوامل عدة، أهمها أنه لا يزال يتعين على أنظمة الثورات المضادة أن تثبت قدرتها، ليس فقط على البقاء، بل على قدرتها على تحقيق المطالب الشعبية التي تسببت أصلا في اندلاع الثورات.

ربما تكون التجربة الديمقراطية في مصر قد تعطلت في عام 2013، بعد عودة القمع بصورة أشد، وربما يكون الاحتمال الأكبر أن ينضم العديد من المحتجين اليوم إلى أشقائهم داخل السجون، لكن أولئك الذين ما زالوا يؤمنون بالتغيير وغيرهم ممن قرروا مقاومة القمع، يبدو أن مصممين على الإبقاء على جذوة الثورة على قيد الحياة.

في الختام نستطيع أن نقول إن التاريخ لم ينته بعد بالنسبة إلى الربيع العربي كما يظن البعض، وهذا ما تؤكده ليس فقط يقظة الشارع السياسي العربي «القادرة على إسقاط أي أنظمة مستبدة أو فاشلة جديدة» كما أعلن السيسي نفسه في خطاب القسم عام 2014، بل أيضًا بفعل طفرة ديموغرافيًا الشباب المترافقة مع طفرة ثورة المعلومات، وفي ظل تراجع مواقف حلفائه في الداخل والخارج.

«الزعامات الروحية».. هؤلاء أربكوا الحسابات الأمريكية في الوطن العربي

الثورة الروسيةالثورة الفرنسيةالثورة المصريةالسيسيانقلاببوليفياثورةجواتيمالاحراك سبتمبر