منذ شهور، مرت الذكرى الـ28 للغزو العراقي للكويت؛ وذلك عندما أطلق الرئيس العراقي الراحل صدام حسين إشارة الغزو العسكري لقواته، بالتحرك من حدود العراق الجنوبية تجاه الكويت، من أجل ضمها إلى أراضي بلاد الرافدين.

وبعد يومين من إشارة الغزو العسكري، تحقق لصدام ما أراد، عبر استيلاء قواته على الكويت كاملة؛ قبل أن تتحرك دول الخارج التي كان على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، ويتشكل تحالف نجح لاحقًا في تحرير الكويت، من قبضة القوات العراقية بعد سبعة أشهر من الاحتلال، الذي أدى إلى أخذ آلاف الرهائن الكوييتين، وإشعال النار في 700 بئر نفط كويتي.

مرت سنوات على الغزو العراقي للكويت وتحرير الأخيرة؛ وتغيرت الخريطة السياسية في منطقة الخليج وخارجها. يحاول التقرير التالي رسم خمسة افتراضات لواقع المنطقة العربية لو لم يقع الغزو العراقي، بانيًا هذه الافتراضات على تحليل للمعلومات المُتاحة، وقراءات متعددة لما حدث.  

1-  «مصر مُبارك» تتجه إلى الإفلاس

بدأ الرئيس المخلوع محمد حسني مُبارك منتصف ثمانينيات القرن الماضي، الدخول في أزمة مالية كُبرى؛ بعدما تحول الدين الداخلي إلى الوسيلة المفضلة لدى نظامه السياسي للتمويل، واستمر ذلك حتى وصلت نسبة الدين الداخلي إلى 84% من إجمالي الناتج المحلي، فضلًا عن عجز الحكومة المصرية عن إقرار ضريبة على المبيعات، لمواجهة أزمة نقص الموارد المالية؛ وذلك في أعقاب تظاهرات احتجاجية واسعة قام بها التجار عرفت باسم «انتفاضة الموسكي».

Embed from Getty Images

صورة للرئيس المخلوع محمد حسني مبارك

ولم يكن أمام الحكومة المصرية خيارات مُتاحة للخروج من الأزمة المالية وسط التناقص المستمر للموارد المالية، وارتفاع الديون الخارجية، ومُقاطعة الدول العربية لها، على خلفية توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، سوى وقوع حرب الخليج، واشتراك مصر فيها بأعداد كبيرة من قوات الجيش المصري، برغبة خليجية وتشجيع أمريكي؛ ليجني نظام مُبارك جراء هذه المُشاركة دعماً مالياً من هذه الدول العربية بلغت قيمتها أربعة مليار و726 مليون دولار مقابل المشاركة في حرب الخليج، فضلاً عن انخفاض ديون مصر من 47.6 مليار دولار عام 1990، إلى 34 مليار دولار عام 1991، ثم إلى 24 مليار دولار عام 1994، وذلك بعدما أعفت أمريكا مصر من 13.7 مليار دولار ديون خارجية وكذلك إعفاء نادي باريس مصر من 50% من بعض ديونها.

وكانت مصر قد شاركت في الحرب الخليجية، بعدد من القوات المصرية بلغ نحو 35 ألف مقاتل بقيادة اللواء محمد بلال، تقسمت بين أسلحة المدرعات والمشاة الميكانيكية والصاعقة والأسلحة المتخصصة.

يشرح ذلك الباحث الاقتصادي الراحل سامر سليمان في كتابه «النظام القوي والدولة الضعيفة»، الصادر عن دار ميريت في عام 2004، قائلاً: « نظام مبارك كان مشرفًا على الإفلاس في نهاية الثمانينيات، لكن جاءت معجزة وأنقذته»، قاصدًا بذلك حرب الخليج التي أسقطت بسببها الولايات المتحدة جزءًا ضخمًا من ديون مصر الخارجية.

ماذا لو استمر مبارك في الحكم ليومنا هذا؟ أرقام اقتصادية مذهلة

2- الكويت ضلعًا في الحلف الإماراتي السعودي ضد قطر

لم يكن الموقف الكويتي الداعم للوساطة بين السعودية والإمارات والبحرين مع قطر بعد الأزمة الخليجية التي وقعت العام الماضي؛ والمناهض أيضًا لغزو الدول الثلاثة بريًّا لقطر، منفصلاً عما عاشته الكويت من وقائع الغزو العراقي لها، والذي شكل بدوره عنصراً أساسياً في سياساتها الخارجية من بعده، وسعيها لحماية نسائج التعاون الخليجي، والوقوف أمام أي محاولات عسكرية، خوفاً من مجيء الدور عليها.  

ويمكن القول أيضًا أن وقائع هذا الغزو، الذى لا يزال آثاره حاضرة على الكويت سلطةً وشعبًا، رسمت طريقة تفكير الأسرة الحاكمة في الكويت، وماهية دورها في المنطقة العربية، المبني على الوساطة وعدم الانجرار نحو التصعيد تجاه أى دولة، وكذلك غيرت كثيراً من مواقفها في الكثير من القضايا الإقليمية.

Embed from Getty Images

ولي العهد الإماراتي مع ولي العهد السعودي

تتفق مع ذلك مريم الكاظمي، الأستاذة بجامعة الخليج للعلوم والتكنولوجيا في الكويت، والتي تعتقد أن ذكرى الغزو العراقي شكل حافزاً قوياً للوساطة الكويتية في الأزمة الخليجية، فضلاً عن أن تأسيس مجلس التعاون الخليجي، الذي شكل درعاً واقيًا للكويت من بعد الغزو العراقي؛ كان بمبادرة من قبل أمير الكويت السابق، الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح. كُل هذه الدوافع جعلت الكويت تستميت في أثناء الدول الثلاثة عن الخروج أو التصعيد العسكرى حيال قطر.

وكان أمير الكويت قد ذكر في مؤتمر مُشترك مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن عن نجاح الوساطة في وقف التدخل العسكري عقب اندلاع الأزمة الخليجية، وقال إن الخيار العسكري مستبعد حاليًّا؛ وترى لوري بلوتكين بوجارت، زميلة أبحاث في برنامج سياسة الخليج في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إن: « وجهة نظر الكويت تجاه ما يحدث مع قطر يحمل تداعيات على الكويت أيضاً».

وتنقل لوري بلوتكين بوجارت في مقالها ما ذكره لها أحد الناشطين الكويتيين، الذي قال: «لو تعمل الدول المقاطِعة على إجبار قطر على تغيير قيادتها، أو تفرض بالقوة على القيادة الحالية في الدوحة إعادة توجيه سياستها الخارجية بالكامل، فإن ذلك سيشكل تهديداً للاستقلال السياسي الكويتي أيضاً».

لم يربح أحد.. كيف غيرت الأزمة الخليجية الخريطة السياسية العربية خلال عام؟

3- أمريكا ليست صاحبة النفوذ الأوحد في الخليج

استثمرت الولايات المتحدة الأمريكية اشتراك قواتها العسكرية لتحرير الكويت، ورغبة صدام حسين التوسعية التي تأكدت مع غزوه الكويت؛ وقدمت نفسها كضامن وحيد لاستقرار دول منطقة الخليج العربي تجاه أي عدوان خارجي، وذلك مقابل توسع نفوذها العسكري والاقتصادي داخل هذه المنطقة، وتأمين احتياجاتها النفطية.

Embed from Getty Images

الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما يلتقي حكام الخليج

إذ استثمرت أمريكا خوف هذه الدول، من تعرضها لهجوم مشابه لما تعرضت له الكويت، وقد عزز ذلك  ضعف جهوزية أغلب هذه الدول الخليجية عسكريًا، وعدم قدرتها للدفاع عن نفسها بمفردها، وقد كرست هذه الحرب النفوذ الأمريكي داخل منطقة الخليج؛ إذ تمكنت من تأمين احتياجاتها النفطية من دول الخليج، فضلاً عن الشروع في تعظيم التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة بعد تحرير الكويت.

وتأكد ذلك حتى بعد تحرير الكويت؛ عندما تحدثت واشنطن بلسان رؤساء الدول الخليجية، حين شرعت في الإطاحة بنظام الرئيس العراقي صدام حسين واستبداله بنظام آخر، مؤكدة على أن: «هذا النظام أساء إلى شعبه وإلى جيرانه، وهو ما يشكل خطرًا على السلام العالمي».

ظهر ذلك في توقيع الولايات المتحدة اتفاقًا للتعاون مع قطر في مجال الدفاع، عام 1991، مما سمح بإنشاء قاعدة عمليات أمريكية عسكرية في قطر .

وبحسب ورقة بحثية نشرها مركز أبحاث الكونجرس للباحث كريستوفر بلانشار، فقد قدر حجم استثمار قطر العسكري في التسعينيات، لبناء قاعدةٍ جوية أمريكية فضلاً عن أماكن عسكرية أخرى تتبع القوات الأمريكية على أراضيها، حوالي مليار دولار من نفقتها الخاصة. بالإضافة إلى تأسيس قاعدة أمريكية ثانية أخرى في قطر، هي قاعدة السيلية؛ التي أُنشأت في عام 1995، لتكون حاضنة لقيادة الجيش الثالث الأمريكي والقيادة المركزية الأمريكية.

وهرعت السعودية أيضًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد تحرير الكويت؛ إذ بدأت المملكة عام 1990 في استضافة عددٍ من القواعد العسكريّة شبه الدائمة، بالإضافة إلى وجود مرافق أمريكية خاصة بالقواعد والمطارات العسكرية السعودية.

يسري الحال كذلك على الإمارات التي وقعت اتفاقية التعاون العسكري والدفاع المُشترك مع الولايات المُتحدة عام 1994، والتي منحت أمريكا تسهيلات بخصوص إنشاء قواعد عسكريّة -بحرية بالأخص- في ميناء زايد وجبل علي ودبي، والفجيرة.

وسارت البحرين هي الأخرى في مسار أخذ الحماية الأمريكية، خوفًا من أي هجوم خارجي، وذلك بالشروع في إنشاء قاعدة أمريكية على أراضيها وهي قاعدة الجفير؛ التي تم إنشاؤها عام 1997 وتضم مركز القيادة البحرية للأسطول الخامس الأمريكي.  

«ذي أتلانتك»: أمريكا هي الرابح الأكبر من الأزمة الخليجية!

4- العراق سيبقى قبلة سياحة للدول الخليجية والعربية

لم تنته آثار الغزو العراقي للكويت بعد تحرير الأخيرة، وانسحاب قوات الرئيس العراقي الراحل صدام حسين؛ بل بقت آثار الغضب باقية عند المواطن الكويتي تجاه كُل ما يرتبط بالعراق، وظلت الأخيرة دولة ممنوع زيارتها على الكويتيين.

في أوائل الثمانينيات، كان للعراق مكانة خاصة عند الكويت؛ الرئيس العراقي  لقبُه «حامي البوابة الشرقية»، وصوره تلف الشوارع والمنازل الكويتية، ومُعلقة في الميادين الرئيسية، وأسطورته حاضرة عند جيل النشء في المدارس الكويتية، زعيم عربي يُهدد الاحتلال الإسرائيلي، ويُخاصم الغرب، وذلك بعد الحرب التى شنها على إيران.

لكن هذه المكانة الخاصة تبددت بعد الغزو العراقي للكويت؛ وتحولت لكراهية شديدة تجاه كُل ما يتعلق بالعراق؛ حتى بلغ بالمواطنين الكويتيين ذوي الأصول العراقية، تغيير لكنتهم وإنكار أصولهم العراقية تحسباً للهجوم عليهم أو تعرضهم لأذى.

تجلت آثار هذه الكراهية في استصدار توصيات لكافة المدارس الكويتية بالتنبيه على الطلاب بتغطية صورة العلم العراقي في الكُتب، وإنتاج عشرات المسرحيات الكويتية التي تسخر فيها من العراقيين، ومن «همجية العراقيين»، وتعليمهم «المتدني»، فضلاً عن مشاهد تزدري الثقافة والتاريخ العراقي، رسخت الثقافة الكويتية حقبة جديدة غاضبة بشدة من العراق.

بات المواطن العراقي من منظور الأعمال الفنية الكويتية الرجل الهمجي القادم من الكهف، بينما انحصرت المرأة العراقية في أدوار «الراقصة»، دلالة على تحول هذه الكراهية إلى ازدراء وتحقير؛ لتصير بعد ذلك كلمة عراقي، مرادفاً للسباب في العراق.

امتدت هذه الوقائع أيضًا لتشمل حذف أي مشاهد فنية من الأعمال الفنية المُنتجة قبل الغزو العراقي،  والتي تصور العراق دولة عربية شقيقة، كما هو الحال في أوبريت «بساط الفقر» الذي يزور فيه الفنانان سعاد عبد الله وعبد الحسين عبد الرضا، عدة دول في العالم، إذ اقتطع المشهد الذي يؤديان فيه دور مغنيين عراقيين.

ويتجلى ذلك فيما كتبته الروائية الكويتية بثينة العيسى، في مقال لها، إذ تقول: «مضت 23 عامًا. وأشعر بالقهرِ من كل الأشياء الجميلة التي لم تحدث، أشعر بالقهر لأننا لا نزور بغداد كما نزور بيروت ودبي والقاهرة، أشعر بالقهرِ من كل الاحتمالات الباهية التي سرقها الأوغاد من الساسة، وأشعر بأنه قد تمت خديعتي تقريبًا. مسخت ذاكرتي، صودر حقي في أن أعرف العراق، لا عراق صدام حسين ولا عراق أمريكا. بل  عراق السيّاب التي قال عنها».

مترجم: سمك المسكوف العراقي.. كيف سافر الطبق الوطني من بلاد الرافدين وحتى الأردن؟

 

5- ربما «رفيق الحريري» لا يزال حيًّا!

في عام 1984، صدر حكماً من محكمة كويتية بالإعدام على رجل يُسمى إلياس فؤاد صعب، كان يبلغ من العمر حينها 23 عامًا، على خلفية إدانته بتنفيذ هجمات استهدفت السفارتين الأمريكية والفرنسية في بيروت باستخدام شاحنتين مفخختين عام 1983.

Embed from Getty Images

الرئيس اللبناني الراحل رفيق الحريري

بعد هذا الحكم؛ قبع إلياس في السجون الكويتية، وسط تشديد أمني عليه، بعدما فشلت محاولات إخراجه من جانب عناصر منظمة «حزب الله» بقيادة عماد مغنية، قائد العمليات الدولية في المنظمة. مرت سنوات على صعب داخل السجون الكويتية قبل أن تنكشف هويته ويتضح أنه مصطفى بدر الدين، ابن عم وصهر عماد مغنية، وأحد أبرز قادة الجناح العسكري في «حزب الله»، ثم تسببت الظروف السياسية حين غزت العراق الكويت عام 1990، في حالة من الفوضى الأمنية داخل الدولة الخليجية؛ ليتسنى لكل من بدر الدين ورفاقه الهرب من أسوار السجن، والتسلل عبر الحدود إلى لبنان.

ويُعد بدر الدين، 55 عاماً، عضواً في مجلس الشورى التابع لمنظمة «حزب الله»، وكان مستشارًا للأمين العام للحزب حسن نصر الله، قبل أن يترقى ويصبح أرفع مسؤول عسكري في المنظمة ويصير مسؤولاً عن العمليات العسكرية في سوريا منذ عام 2011؛ وحتى تعرضه لعملية اغتيال بواسطة غارة جوية إسرائيلية، وفقاً لقناة الميادين.

اسم بدر الدين جاء أيضًا ضمن القائمة التي اتهمتها المحكمة الخاصة –التي شكلت للتحقيق في عملية اغتيال الحريري– مع ثلاثة قيادات آخرين في الحزب في 28 يونيو (حزيران) 2011، بالاشتراك في عملية قتل رفيق الحريري، رئيس الوزراء اللبناني الراحل، والتي وقعت في 14 فبراير (شباط) 2005.

وقد عزز بالنسبة للبعض من احتمالية مُشاركة بدر الدين في هذه العملية الحُكم الصادر من  المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بلبنان في عام 2011، والتي يقع مقرها في هولندا، بضبط أربع قيادات من بينهم بدر الدين، الذي وصفته المحكمة في لائحة الاتهام بأنه «مُدبر عملية الاغتيال».

5 أدلة تجعل تصديق رواية اغتيال الحريري «مستحيلًا»

 

المصادر

تحميل المزيد