2,974

منذ أن فاز دونالد ترامب بإنتخابات الرئاسة الأمريكية، وتولى حكم الولايات المتحدة، وجميع وسائل الإعلام العربية والأجنبية تتناول تصريحات ومواقف ترامب التي تظهر قدرًا من العنصرية، لا سيما عنصريته ضد المرأة، وذكوريته، وقد انتشر مؤخرًا تقرير على مواقع التواصل الاجتماعي، يطرح سؤالًا حول معاملة ترامب لزوجته، وقد شرح خبراء لغة الجسد في هذا التقرير أن لغة جسد زوجة الرئيس توحي بأن زوجها يعاملها بشكل سيئ قد يصل إلى التعنيف والضرب.

تلك النظرية المطروحة من قِبل الإعلام، ربما لا تكون مستحيلة حين الأخذ بالاعتبار تصريحات ترامب التي تقلل من شأن النساء، سواء قبل ترشحه للرئاسة أو خلال فترة الترشح، ففي إحدى المناظارات بينه وبين هيلارى كلينتون المرشحة السابقة للرئاسة، علق ـ ترامب ـ للإعلام الامريكي عن سبب تأخر هيلارى دقائق قليلة في الصعود على مسرح المناظرة، وقال «إنها كانت تقضي حاجتها في دورة المياه»، الأمر الذي يراه ترامب- حسب تصريحه – شيئًا مقززًا؛ لأنه يعلم ما كانت تفعله في دورة المياه.

وتلك لم تكن المرة الأولى التي يتحدث فيها ترامب عن تقززه من فكرة ذهاب المرأة إلى دورة المياة، مضيفًا أن ميلانيا ـ زوجته – لا تترك وراءها أي دليل يثبت أنها ذهبت للتغوط، وقالها ترامب بالعامية الأمريكية.

وأثناء مناظرة دونالد ترامب بقناة «فوكس نيوز» وجهت له ميجان كيلي سؤالًا، ذاكرة عبارات قالها سلفًا، مثل أن النساء حيوانات مقززة وخنازير وقاذورات، الأمر الذي أثار ترامب ليبدأ هجومه على «تويتر» ضدها، وفي مناظرته الثانية قال: «كان يمكنك رؤية الدماء تخرج من عينيها ومن أماكن أخرى»، في إشارة لعادتها الشهرية.

اقرأ أيضًا: الدور المجهول لصناعة «البورنو» في تغذية أفكار اليمين المتطرف

وبالعودة لحديث ترامب عن زوجته ودورة المياه، فالأمر قد يجعل البعض يتساءل؛ المرأة التي لا تشعر بالأريحية حتى في ذهابها لدورة المياة أمام زوجها، كيف سيكون شكل حياتها مع هذا الزوج بشكل عام؟


معاملة دونالد ترامب لزوجته وتصريحاته حول النساء، لم تكن صدمة أو حدثًا فريدًا من نوعه على المجتمع الامريكي، بقدر ما كان كشفًا للحجاب عما تتعرض له المرأة الأمريكية من سوء معاملة، وأخفي عن العالم في نظر البعض وراء الصورة الذهنية المتداولة إعلاميًا عن الحلم الأمريكي الذي يعطي للمرأة كل الحقوق التي تستحقها وأكثر، الأمر الذي يجعل هذا توقيتًا مناسبًا لإلقاء الضوء على وضع المرأة الأمريكية الآن.

العنف المنزلي ضد المرأة الامريكية.. النوم مع الأعداء!

أوضحت إحصائية نُشرت عام 2012؛ أنه في العشر سنوات السابقة لهذا التاريخ، هناك ما يزيد عن 11 ألف أمراة قُتلت على يد زوجها، أو الشخص الذي تجمعها معه علاقة عاطفية، وفي نهاية العام الماضي 2016، نشر الإعلام الأمريكي النسب المئوية التي تؤكد أن العنف ضد المرأة الامريكية من قبل المقربين لها، في تزايد وليس العكس، حيث أوضح التقرير أن من بين كل خمس سيدات، أربع منهن يتعرضن للعنف المنزلي، وفي كل عام، تتعرض ما يقرب من خمس مليون امرأة أمريكية للضرب والتعنيف من قِبل شريك حياتها، وما لا يقل عن ثلاث سيدات يتم قتلهن على يد الزوج أو الحبيب.


تلك النسب في ممارسة العنف ضد المرأة في امريكا، تم إثبات أن لها تأثيرها السلبي على الاقتصاد الامريكي، حيث كلفت الدولة ما يزيد عن 50 بليون دولار سنويًا، لتكاليف الرعاية الصحية للنساء المتضررات جسديًا من العنف، إلى جانب تعويض الفجوة الإنتاجية التي تحدث إثر مرض المرأة العاملة.

وعلى الرغم من أن مصر تعتبر من الدول النامية في العالم الثالث مقارنًة بالولايات المتحدة، إلا أن مركز التعبئة والإحصاء، قد أوضح في تقرير له، أن حالات العنف ضد المرأة تكلف الدولة سنويًا 2 مليار جنيه مصري فقط.

بينما أكد التقرير الخاص برصد العنف ضد المرأة في الولايات المتحدة الأمريكية أن تلك الظاهرة من المشاكل التي على المرأة مواجهتها في عام 2017 والأعوام القادمة أيضًا، إن لم يتم اتخاذ مواقف حاسمة للسيطرة على هذا العنف.


تلك الحرب التي تخوضها المرأة تجاه عنف الرجل بأمريكا كانت موضع اهتمام صناع السينما بهوليوود لفترة طويلة، وربما فيلم «كفى» للنجمة جينفر لوبيز و«النوم مع الاعداء» للنجمة جوليا روبرتس، من أكثر الأفلام ذات الشعبية في الوطن العربي، والتي تناقش تلك القضية، ومن الملحوظ، وفي أحداث كل فيلم منهما، أن اختيار ضحية العنف المنزلي هو الهروب، الأمر الذي يمنحنا نبذة عن رؤية صناع الافلام – الذين هم جزء لا يتجزأ من المجتمع الأمريكي- عن مدى تقصير الدولة والشرطة في السيطرة على الأزواج الذين يمارسون العنف ضد زوجاتهن، ولذلك يفضلن الهروب وتغيير أسمائهن كطوق نجاة أخير.


اقرأ أيضًا: عن المرأة وللمرأة.. قائمة أفلام وثائقية ننصحكِ بمشاهدتها

الفجوة في الأجور والضرائب البمبيّة

وفقًا لتقرير تم نشره من قبِل مركز القانون الوطني للنساء؛ فالمرأة أكثر عرضه للفقر من الرجل بنسبة 35 %، وهذا يرجع لأكثر من سبب، أهمها الفجوة في أجور العمل بين الرجال والنساء، الأمر الذي لا تتعرض له المرأة في الوطن العربي الذي تتهمه الإدارات الأمريكية المتعاقبة بالتخلف فيما يخص إعطاء حقوق المرأة، فأنت كمواطن عربي تحصل على أجر شهري مساو للأجر الذي تحصل عليه زميلتك في نفس المنصب، ولكن ما لا يعرفه الكثير أن الأجور في الولايات المتحدة الأمريكية تعامل المرأة بعنصرية بحسب المراقبين حين يصل الأمر للمال، وتمنحها أجرًا أقل من الرجل، حتى وإن كانت في نفس منصبه؛ مما يزيد الأمر صعوبة على المرأة وقد يصل بها إلى حد الفقر.

ما أثبتته بعض الدراسات الحديثة: أن أسعار المنتجات التي تخص المرأة أغلى ثمنًا، حتى وإن كانت تلك المنتجات ضرورية وليس ترفيهية، وتلك الزيادة في أسعار المنتجات النسائية يطلقون عليها في أمريكا الـ«الضرائب البمبية» (pink tax)، والتي تجعل أسعار ملابس المرأة أغلى بما يقرب 10% عن أسعار ملابس الرجال، والمنتجات الصحية بنسبة 13%.

تلك الفجوة في الأسعار والأجور التي تخص المرأة كان لها تأثيرها السلبي على التعليم أيضًا؛ فليست كل امرأة في الولايات المتحدة لديها رفاهية التعليم والحصول على شهادة جامعية؛ بسبب الأموال التي يحتاجها التعليم الجامعي، والتي لا تملكها المرأة، خاصًة وإن كانت أمًا عزباء؛ تتمركز حياتها حول العمل الشاق الذي لا يجني الكثير من المال، لتنفقه على رعاية نفسها وطفلها رعاية غير مكتملة.

وأثبتت الدراسات أن 7% فقط من الأمهات العازبات في الولايات المتحدة الأمريكية هن من حصلن على شهادة جماعية، وبالطبع المرأة التي تحصل على شهادة جامعية يكون أجرها أعلى من المرأة ذات التعليم المتوسط بحوالي 70%، وحتى تحصل المرأة على شهادة جامعية يجب أن يكون معها مال كافِ لهذا، لتجد المرأة نفسها تدور في دائرة مغلقة، دون أن تصل لشيء سوى الإرهاق والشقاء في أحيان كثيرة، خاصة وإن كانت تتعرض للعنف على يد طليقها من أجل استغلالها ماديًا.

العمل السياسي والمرأة.. عودي إلى المطبخ يا هيلاري!

منذ أن ترشحت هيلارى كلينتون لمنصب الرئاسة؛ والنكات العنصرية تنهال عليها من كل اتجاة، وربما الرسالة المزيفة التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، التي كانت تخبرها بعد خسارتها أمام ترامب أن تعود إلى المطبخ؛ حيث تنتمي، توضح لنا الكثير عن صورة المرأة في عين قطاع من المجتمع الأمريكي، فهل تظن أنها تختلف كثيرًا عن وضع المرأة في الدول الأخرى؟

اقرأ أيضًا: «صور عارية للمجندات».. أرقام صادمة عن العنف الجنسي في أمريكا وجيشها


حين تفوقت ليبيريا على أمريكا

نعم تختلف على الأرجح، فالمرأة في بعض البلاد التي قد ينظر إليها أي مواطن أمريكي على أنها بلدة متخلفة، حصلت على حقوقها كاملة، وكافحت لتصل إلى مقعد الرئاسة، مثل ما حدث في جهورية إفريقيا الوسطى على سبيل المثال، وليس الحصر، بينما في الولايات المتحدة الأمريكية حصل ترامب، صاحب أشهر تصريحات عنصرية عن المرأة، على الأولوية في التصويت من قِبل المجتمع الأمريكي، حتى وإن كانت إحدى تصريحاته ـ متحدثًا عن المرأة ـ يقول فيها: «لا يهم ما يكتبونه، المهم أن لديهن وجهًا جميلًا، ومؤخرة أجمل» و«عليك أن تعامل المرأة بحقارة».

ما تعانيه المرأة في الولايات المتحدة على جميع الأصعدة لا يجعل لها القدرة على التقاط أنفاسها في كثير من الأحيان، وقد صرحت الكاتبة الأمريكية هيلين كوبر، ذات الأصول الليبيرية بأن «المرأة في ليبيريا تم ترشيحها للرئاسة قبل أن تأخذ الولايات المتحدة تلك الخطوة؛ وهذا بسبب اتحاد النساء جنبًا إلى جنب أمام القادة الرجال الذي أرهقوا البلد بالحروب الأهلية»، بينما في الولايات المتحدة المرأة لازالت تكافح من أجل مقاعد أكثر في الكونجرس، فنسبة تمثيل المرأة في الكونجرس الأمريكي لم تصل حتى إلى 20%.

الإعلام والدراما.. ربات بيوت نحيفات

إذا حاولت المرأة الأمريكية الهروب من الضغوط المادية والواقعية التي تواجهها في أرض الواقع؛ بمشاهدة التلفاز أو المجلات؛ فهي تجد وسائل ضغط أخرى تسبب لها ضغوطًا نفسية هائلة ربما، سواء عن وعي منها أو دون وعي، فصورة المرأة التي تقدمها الأعمال الدرامية الأمريكية بعيدة كل البعد عن صورة المرأة في أمريكا على أرض الواقع، ويعتبر مسلسل «ربات بيوت يائسات» من أكثر الأمثلة التي توضح تلك النقطة، فهذا المسلسل تدور أحداثه حول أربع من ربات البيوت، من مختلف الثقافات والاهتمامات، ومناقشة المشاكل التي تواجههن، والأربع شخصيات في المسلسل تقوم بدورهن ممثلات نحيفات ممشوقات القوام، بينما السمنة بين نساء أمريكا تقترب من الـ50%.

المرأة الأمريكية

ولم يعرض المسلسل شخصيات النساء البدينة، إلا في الأدوار الشريرة أو المثيرة للضحك بسبب وزنهم، فبدلًا من أن يكون المسلسل صوت المرأة الأمريكية وما تعانيه من مشاكل اقتصادية ونفسية، تحول إلى عبء جديد على المرأة، وتصدير صورة غير حقيقية عن المرأة لجميع البلاد الأخرى، فنجد المرأة الأمريكية نفسها واقعة تحت ضغط نفسي، ومُطالبة بالعمل وقتًا أكثر، من أجل أموال أقل، وتحافظ على رشاقتها حتى تحاكي صورة المرأة الموجودة في لوحات الإعلانات والأفلام التي تراها يوميًا، وليس هناك حل سوى الركض بشكل أكبر لتحقيق تلك المتطلبات، أو الاستسلام للاكتئاب، الذي تعاني منه 12 مليون امرأة سنويًا بالولايات المتحدة الأمريكية.

وكانت الممثلة آني ويكس بطلة فيلم «بؤس» للكاتب ستيفن كينج، حالة فريدة من نوعها، لقيامها ببطولة فيلم سينمائي وهي ممتلئة الجسد، مع العلم أنها كانت تقوم بدور مختلة عقليًا تقوم بخطف كاتبها المفضل وتعذيبه.


نساء أمريكا: «كلا.. نحن لا نستطيع!»

المرأة الأمريكية

هذا الملصق الشهير، والذي يمثل امرأة عاملة رافعة ذراعيها بقوة، قائلة «نحن نستطيع»، قد تم تصميمه للمرة الأولى من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وقت الحرب العالمية الثانية، ضمن شعارات أخرى لحملة دعائية، تعزز الحماس الشعبي والعمالي، ولكنه لم يحظ بشهرة واسعة في هذا الوقت، حتى عاد تحت الأضواء مرة أخرى مع بداية عام 2008.

والمفارقة التي تخص هذا الملصق، والذي انتشر عالميًا كملصق دعائي يعزز الاحتفاء بالنسوية ودور المرأة السياسي والشعبي، أنه تم إعادة صياغته ونشره في أستراليا، في عام 2010 احتفالًا بأول امرأة تصل إلى مقعد رئاسة الوزراء، الأمر الذي يجعلك تسمع أصوات لنساء أمريكا بعد فوز ترامب على هيلاري وهن يصرخن: «كلا.. نحن – نساء أمريكا – لا نستطيع».

تعليقات الفيسبوك