في الوقت الذي كانت تتوجه فيه الأنظار إلى الانتخابات البرلمانية والرئاسية التونسية في النصف الأول من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، كانت الأروقة العسكرية تتهيّأ في هدوءٍ لعقد صفقة طائرات تدريب أمريكية. الصفقة التي تبلغ قيمتها 234 مليون دولار، خُصصت لشراء 12 طائرة تدريب من طراز «Beechcraft T-6C Texan II» ومستلزماتها من أمريكا لصالح القوات الجوية التونسية المعروفة باسم «جيش الطيران».

نشر موقع «ديفينس ويب» بعض التفاصيل عن الصفقة، وأشار إلى أنّ وزارة الخارجية الأمريكية وافقت عليها، وأخطرت بذلك وكالة التعاون الأمني الدفاعي (DSCA) التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية في 10 أكتوبر، مضيفًا أنّ الجهة التي ستنفِّذ الصفقة هي شركة Textron لصناعات الدفاع الجوي ومقرها مدينة ويتشيتا بولاية كنساس.

إلى جانب هذه الطائرات شمل العقد حصول الجيش التونسي على التجهيزات اللازمة لتوفير التدريب عليها، إضافة إلى محركات احتياطية، وقطع غيار، ودعم تقني ولوجيستي وغير ذلك من الخدمات المطلوبة لتشغيل الطائرات.

أمّا موقع  air-cosmos الفرنسي المختص في أخبار الطيران والفضاء فقد كشف أنّ «هذه الصفقة ينبغي أن تحظى بموافقة الكونجرس، كما هو الحال مع المبيعات العسكرية الأجنبية الأخرى»، مشيرًا إلى أنّها «ستمكِّن تونس من تحديث أسطول طائراتها، وتدعم قدرات جيش الطيران بما يُمَكّنه من تنفيذ مهمات في إطار مكافحة الإرهاب ومراقبة الحدود».

كيف ستفيد الصفقة أمريكا؟

هذه الصفقة ستخدم مصالح كل من تونس وأمريكا معًا، ففي الوقت الذي تهدف فيه تونس من ورائها إلى تجديد أسطولها المتقادم من طائرات التدريب، ترى واشنطن أنّ هذه الصفقات تمثل عاملًا كبيرًا في كسب حلفائها وتعزيز قدراتهم الدفاعية في إطارٍ يظلُّ محدودًا وتحت السيطرة، إذ يضمن ارتباط تسليح جيوش الحلفاء بالتكنولوجيا الأمريكية التي تتحكم غالبًا في هذه الأسلحة والمعدات العسكرية عن بعد، فضلًا عن أنّها تظلُّ في حاجةٍ دائمة إلى الحصول على المعدات وقطع الغيار من المجمع الصناعي العسكري الأمريكي.

في هذا السياق، قالت وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكية في بيان لها أنّ «هذه الصفقة ستدعم السياسة الخارجية والأمن القومي لأمريكا من خلال المساعدة في تحسين القدرات الدفاعية لحليفٍ رئيسيّ من خارج حلف شمال الأطلسي (تونس)، يعدُّ قوةً مهمة لتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي في شمال أفريقيا». مشيرة إلى أنّ «هذه الطائرات ستعزز فرص المشاركة والتدريب والعلاقة الثنائية بين أمريكا وتونس».

على الجانب الآخر، يسعى الجيش التونسي إلى أن تحلَّ طائرات T-6C محل أسطول طائرات التدريب القديمة في جيش الطيران التونسي، بهدف تعزيز قدراتها في حماية حدودها البرية والبحرية فى ضوء ما تشهده المنطقة من تحدياتٍ أمنية. وبهذه الصفقة تنضمّ تونس إلى المغرب، فهي ثاني مشغِّل لطائرة T-6C في أفريقيا، إذ حصلت المغرب على 24 طائرة من هذا النوع مقابل 185 مليون دولار، وعقدت صفقة شرائها في أكتوبر عام 2009، وتسلمتها في عام 2011.

التغطية الإعلامية المتواضعة لهذه الصفقة تشير إلى أنّ تحركات الجيش التونسي لشراء ما يلزمه من طائرات أو معدات تسير وفق جداول مُعدّة مسبقًا، ولا تتأثّر بمجريات الأحداث ونتائج الفعاليات السياسية في البلاد، وفي الغالب فإنّ هذا هو حال معظم الجيوش التي من المفترض ألا تربط خططها لتطوير أسلحتها وتنمية قدراتها بتغيير حكومة أو نظام أو رئيس.

ولذلك فإن الصفقات العسكرية غالبًا لا تحظى بالقدر ذاته من الاهتمام الذي تحظى به التطورات السياسية الصاخبة، وهو ما يشير إلى تحرك العسكريين في مسار مختلف تمامًا عن مسار السياسيين أو يكاد يكون مستقلًا عنه. 

مواصفات الطائرة الجديدة

طائرة Beechcraft T-6C Texan II التي تعاقد عليها جيش الطيران التونسي هي طائرة تدريب صنعتها شركة «بيتش كرافت» الأمريكية، التي تُعرِّف نفسها بأنها شركة تصنيع طائرات عسكرية ومدنية. منذ عام 2000، أنتجت الشركة أكثر من 900 طائرة تدريب من جميع الإصدارات، وقالت إن إجمالي زمن رحلات أسطول الطائرة سابقة الذكر قد تجاوز 3.2 مليون ساعة.

هذا يعني أنّ الطائرة تُستخدم بنشاط للتدريب الأوّلي على الطيران، للطيّارين في سلاح الجو والبحرية في أمريكا وفي دول أخرى؛ مما جعلها مطلوبة في سوق تكنولوجيا الطيران العالمي. وتعتبر الطائرة نسخة معدلة من طائرة التدريب السويسرية Pilatus PC-9 ذات المحرك التوربيني، وطُوِّرَت للقيام بدور نظام تدريب الطائرات الأساسي المشترك في سلاحي الجو والبحرية الأمريكية.

إلى جانب هذا، تشتمل إلكترونيات الطيران المُطَوَّرة على لوحة تحكُّم أمامية، وثلاث شاشات متعددة الوظائف، ونظام تحكُّم كامل من خلال عصا القيادة. وهي المعدّات التي تعكس أنظمة وقدرات الطائرات المقاتلة في خط المواجهة الأمامية، مع الحفاظ على جميع خصائص التدريب والطيران.

لذلك يمكن لتلك الطائرة دعم جميع مستويات التعليم للمتدربين العسكريين. وهي مزوّدة بنقاط حمل بالأجنحة لحمل خزانات الوقود الخارجية وأسلحة التدريب، ومزودة أيضًا بوسائل تدريب اصطناعية جو/أرض وجو/جو.

وتبلغ الحمولة القصوى للطائرة حوالي 1319 كجم، وأقصى سرعة طيران لها هي 585 كم / ساعة. فيما يصل أقصى مدى للرحلة إلى 1637 كم.

وبحسب الموقع الإلكتروني للشركة المنتجة للطائرة، تتميز هذه الطائرة بأنها من الجيل التالي لطائرات التدريب العسكرية المصممة لتلبية جميع المستويات التعليمية بداية من المراحل التعليمية الأولى إلى مستويات التدريب الميدانية المتقدمة. ويكمن الغرض من تصميمها في تلبية مجموعة واسعة من قدرات التدريب مع جدارتها بالاعتماد عليها للمدى الطويل وإجراء عمليات بتكلفة فعالة.

ماذا تعرف عن قدرات جيش الطيران التونسي؟

يستخدم جيش الطيران التونسي حاليًا عددًا من الطائرات من طراز  F-5 Tiger II و MB326 و L-59T  و SF260 التي تتوزع أدوارها بين مهام قتالية وأخرى تدريبية. الطائرة الأولى من طراز F-5 Tiger II هي طائرة هجوم أرضي نفاثة أمريكية، قامت بأوّل طيران لها سنة 1959، ثم دخلت الخدمة بعد ذلك سنة 1962، وتستطيع حمل حمولة تزن 6.8 طن من تشكيلة صواريخ متنوعة وحاويات الوقود الخارجية.

كما تمتلك القوات الجوية التونسية 8 طائرات تدريب أخرى من نوع  MB-326، وهي طائرة تدريب إيطالية تستطيع القيام بمهام قتال وقصف أرضي، بسبب تسليحها بمدفعين عيار 12.7 ملم من نوع Browning وقادرة على حمل صواريخ و قنابل.

هناك أيضًا طائرة التدريب Aero L-59 T التي تمتلك تونس منها 12 طائرة، وهي طائرة تدريب تشيكية متقدمة قادرة على القيام بمهام القصف والهجوم الأرضي، وقد قامت الطائرة بأول تحليق لها في 30 ديسمبر (كانون الأوّل) 1986، ودخلت الخدمة في بداية التسعينيات، والنسخة «T» هي النسخة المخصصة لتونس، وتخدم الطائرة في تونس ومصر والتشيك.

تمتلك تونس أيضًا 14 طائرة تدريب من نوع  Aermacchi SF.260، وهي طائرة تدريب عسكرية تستطيع القيام بمهام القتال الخفيف، كما يمكن لها حمل 600 كيلوجرام من الحمولة على جناحيها، يمكن أن تحمل فيها صواريخ وقنابل غير موجهة.

إطلالة تاريخية على جيش الطيران التونسي

في المجمل، تمتلك تونس أسطولًا متوسطًا من الطائرات، وقد أسس الجيش التونسي فرع القوات الجوية عام 1959، ويسمى رسميًا بجيش الطيران كما ذكرنا سابقًا، وهو أحد الفروع الثلاثة للجيش الوطني التونسي، الذي بدأ يبني نفسه شيئًا فشيئًا بعد ثلاث سنوات من الاستقلال عن الاحتلال الفرنسي، وبدأت العسكرية التونسية تبتعد شيئًا فشيئًا عن المجال الفرنسي، إلا أنّها وقعت في حبال دول أخرى أبرزها: أمريكا.

وبحلول عام 1960 تسلّمت القوات الجوية التونسية أولى طائراتها وبالتحديد 8 طائرات من طراز Saab 91 Safirs السويدية بعد أن تدرّب عليها الطيارون التونسيون في السويد. وفى 1961 تسلمت تونس مروحيتين من طراز Alouette 2، وفى عام 1963 باعت فرنسا إلى تونس 3 طائرات من طراز MD315’s و12 طائرة طراز  T-6 Harvards .

وبدأت تونس عهدها مع المقاتلات النفّاثة عام 1965 عندما تسلمت 8 طائرات طراز MB326 ، وهي طائرات تدريب إيطالية ذات مقعدين. وفي هذا العام تم تأسيس سرب التدريب المتقدم. وفى عام 1969 تسلمت من أمريكا 12 طائرة من طراز  F-86’s. وفي عام 1974 تم إحلال طائرات التدريب المتقدم من طراز Saab 91’s بعدد 12 طائرة من طراز SF-260WT’s.

كان لدى تونس عام 1975 نية لاقتناء طائرة A-4 لكي تدخل الخدمة بدلًا من F-86’s ، إلا أنها قامت بشراء عدد إضافي من MB326’s ، ومروحيتين من طراز UH-1N واثنتين من طراز UH-1H، وحصلت كذلك من إيطاليا على 18 طائرة AB205’s وبعد فترة استلمت أربع طائرات علي الأقل من AB412’s.

وتسلمت تونس 12 طائرة من طراز L-59T للتدريب وثلاث طائرات L-410UVP’s، وآخر الإضافات إلي سلاح الجو التونسي كانت طائرتين two G222’s عام 2001 وC-130 إضافية عام 2002. ويشكل العمود الفقري للقوات الجوية التونسية الطائرة F5E التي حصلت عليها من أمريكا بالإضافة إلى MB326 التي تشكل قوة السرب 11 المتواجد بقاعدة سيدي أحمد.

بينما يقوم بدور النقل في القوات الجوية التونسية عدد ثماني طائرات C-130B وثلاث طائرات C-130H، وفى 1999 تم مشاهدة طائرتين من نوع HH-3E’s ويعتقد أن لدى تونس سبع طائرات من هذا النوع.

وفي عام 2014، أبرمت القوات الجوية التونسية اتفاقية لشراء 12 مروحية من نوع بلاك هوك الأمريكية بقيمة نحو 700 مليون دولار، وتسلمت آخر دفعة منها في 2019. كما عقدت صفقة مع شركة سويدية لشراء طائرات من نوع «ساب جاس 39 غريبن».

وفي عام 2015، وقّعت السلطات التونسية اتفاقًا عسكريًا مع شركة «نورثروب غرومان سيستم كوربوريشن» الأمريكية لتحديث أسطول الطائرات التونسية من نوع «F-5E/F Tiger II»، بمبلغ  32 مليون دولار.

كما سبق للجيش التونسي أن تعاقد مع وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكي، لتحديث أسطوله من طائرات «F-5» التي صارت قديمة، لتطوير قدرتها على مواجهة التهديدات المحلية والإقليمية التي فرضتها التطورات السياسية المتلاحقة في المنطقة.

وقد قدمت الجزائر عام 2014 مساعدات عسكرية للجيش التونسي تمثلت في طائرات وصواريخ أرض/جو روسية، إلى جانب تجهيزات عسكرية. كما أهدت أمريكا مساعدات عسكرية للجيش التونسي بعد الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي هي الأكبر – التي تمنحها الإدارة الأمريكية – لبلدٍ عربي، تمثلت في 14 طائرة حربية من نوع «F-16»، وتسع طائرات مروحية إلى جانب تجهيزات وذخائر أخرى.

تاريخ الجيش التونسي

في 24 يونيو (حزيران) 1956 تأسس الجيش التونسي بعد ثلاثة أشهر فقط من نيل البلاد استقلالها عن الاحتلال الفرنسي في 20 مارس (آذار). وقد خاض الجيش التونسي عام 1963 – أي بعد الاستقلال – معركة ضد القوات الفرنسية انتهت بإجلائها عن مدينة «بنزرت» الساحلية شمالي البلاد التي كانت آخر نقطة تتمركز فيها.

منذ ذلك الحين، ظل دور الجيش التونسي منحصرًا في حماية الحدود، وإن زُجّ به بشكلٍ محدود في بعض الاضطرابات الاجتماعية التي وقعت نهاية سبعينيات ومطلع ثمانينيات القرن الماضي في عهد الحبيب بورقيبة.

وبمقتضى الدستور، تقتصر مهمة الجيش التونسي على الدفاع عن الوطن وحماية النظام الجمهوري، وكان له دورٌ حاسم لصالح نجاح الثورة الشعبية التي أطاحت الرئيس السابق زين العابدين بن علي في 14 يناير (كانون الثاني) 2011، حين رفض التورُّط في قمع الثائرين.

في أحدث تقريرٍ له لسنة 2019 كشف موقع «Global Fire Power» المختص في الشؤون العسكرية أن الجيش التونسي تراجع إلى المرتبة 80 في مؤشر أقوى جيوش العالم لسنة 2019، بعدما كان يحتل المرتبة 77 في ترتيب عام 2018؛ ليواصل تراجعه في التصنيف، بعد أن كان قد احتل في سنة 2017 المرتبة 76، والمرتبة 73 عالميًّا سنة 2016، والمرتبة 58 سنة 2015.

هذا التراجع في قوة وأداء الجيش التونسي يرجع لعوامل عديدة، فبسبب أن نظامي «بورقيبة» و«بن علي» كانا يضعان الشرطة في مرتبة أعلى من الجيش، تراجعت ميزانية وزارة الدفاع التونسية شيئًا فشيئًا حتى باتت واحدة من أضعف الميزانيات العربية؛ فقد بلغت ميزانية 803 مليون دولار للعام 2018، مقابل نحو 766 مليون دولار لعام 2017.

فيما تشير أرقام غير رسمية إلى أن عدد الجنود العاملين في الجيش التونسي في عام 2019 يصل إلى نحو 36 ألفًا، في حين يصل الاحتياطيون إلى 12 ألفًا من مجمل 11 مليون نسمة هو تعداد السكان التونسي. ويبلغ عدد الدبابات التي يمتلكها جيش تونس نحو 180، وعدد المدرعات إلى 679، ولديه 138 طائرة حربية، و75 طائرة مروحية، ونحو 50 قطعة بحرية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد