اعتمد ماريون سيمز في تجاربه على الإماء السود، كما أكدت فانيسا نورثينجتون الطبيبة والمؤرخة الطبية في «جامعة جورج واشنطن»، مضيفة أنه كان يسمح لزملائه من الأطباء بالمشاهدة أثناء إجرائه لتلك التجارب بغرض التعلم.

«أقسم بالله العظيم أن أحفظ للناس كرامتهم، وأستر عوراتهم، وأكتم سرهم، وأن أكون على الدوام من وسائل رحمة الله، باذلًا رعايتي الطبية للقريب والبعيد، والصالح والطالح، والصديق والعدو، وأن أثابر على طلب العلم، وأسخره لنفع الإنسان لا لأذلاله». هذا الجزء من القسم الذي يلقيه الأطباء قبل ممارستهم للمهنة يلقي ضوءًا طفيفًا على حجم المسؤولية الثقيلة التي تقع على عاتقهم منذ تسلمهم للمهنة ورعايتهم للمرضى.

بعض الأطباء يلتزمون بهذا القسم، ولكن البعض الآخر يُثار حول مصداقيتهم الكثير من الجدل، وفي هذا التقرير نحكي عن واحدٍ منهم لقبته أمريكا في يوم من الأيام بـ«أبي أمراض النساء»، لكنهم الآن انقلبوا على إنجازته في الطب لأسباب يرونها مقنعة.. إنه الطبيب الأمريكي جيمس ماريون سيمز.

«سنترال بارك» تفقد إحدى أيقوناتها

هل يجب الحفاظ على التماثيل والآثار الخاصة بأشخاص وثقافات فقد البشر الاحترام لهم؟ تلك كانت المعضلة التي أُثيرت العام الماضي بـ«لجنة التصميم العام» في ولاية نيويورك، والتي ترتب عليها هدم العديد من الآثار التي كانت رموزًا في وقتها، ولكنها لا تحظى بالثناء الآن.

من ضمن تلك التماثيل كان تمثال الطبيب الأمريكي ماريون سيمز، والذي استجابت اللجنة لطلبات إزالته، ونُفذ الطلب في شهر أبريل (نيسان) من العام الماضي 2018، ونُقل التمثال من «سنترال بارك» بولاية نيويورك الأمريكية، إلى مقبرة، بدلًا عن هدمه.

شاهد لحظة إزالة التمثال من «سنترال بارك» هُنا.

الجدل حول أحقية ماريون سيمز بتواجد تمثاله في منطقة حيوية مثل سنترال بارك يزورها الأمريكان وكل السائحين القادمين من خارج الولايات المتحدة لم «يكن حول التشكيك في الإنجازات التي قدمها لطب لنساء على مدار ممارسته للمهنة، بل النقد كان موجهًا إلى السُبل التي اتبعها هذا الطبيب لتحقيق تلك الإنجازات الطبية، والتي وجدها بعض الأطباء «غير أخلاقية ولا تليق بشرف المهنة».

في كتابها «Medical Apartheid: The Dark History of Medical Experimentation on Black Americans» تقول الكاتبة هارييت واشنطن: «إن هناك تاريخًا طويلًا من التجارب  الطبية على السود والسكان الأصليين لأمريكا بغرض أن تعود فائدتها على البيض فقط، وبغض النظر عن الألم والشقاء الذي تعرضت له النساء السود خلال مشاركتهن دون خيارهن في تجارب ماريون سيمز، إلا أنه ظل لفترة طويلة مُبجلًا بين الأطباء؛ لما أنجزه بتلك الطريقة (القاسية والمظلمة)».

«طبيب الأثرياء».. هل اختار ماريون سيمز إنجازاته؟

حينما درس ماريون الطب لم يكن – الطب – متطورًا كما نراه في وقتنا الحالي، ولم تكن هُناك دراسات دقيقة أو تدريبات كافية للطبيب قبل ممارسته للمهنة، ولذلك توفي أول مريضين تولى ماريون علاجهما في ولاية كارولينا الشمالية مسقط رأسه، فرحل الطبيب الأمريكي عنها وسافر إلى ولاية ألاباما حيث بنى سمعة طيبة بين الأثرياء في تلك المنطقة عن طريق توفير الرعاية الطبية للعبيد الذين يمتلكونهم. فأصبح ماريون معروفًا بـ«طبيب العبيد» في تلك الولاية، وأنشأ مستشفى صغيرًا في حي الرقيق بمدينة مونتجمري، لا لحمايتهم، بل لحماية مصالح أسيادهم؛ فإن مرض العبد لن يستفيد السيد من أعماله ومهامه اليومية.

لم ينتو ماريون ممارسة طب النساء، ولكن حالات الناسور المهبلي كانت تقابله بكثرة بين الإماء السود اللواتي كُلف بمعالجتهن بناءًا على رغبة أسيادهن. وخلال فترة الأربعينات من القرن 19 تمكن ماريون من علاج هذا المرض الذي كان يشكل خطرًا على النساء؛ لأنه يخلف وراءه ثقوبًا بين المثانة والمهبل. لكنه وحتى يصل لعلاج هذا المرض كان عليه إجراء تجارب على البشر.

ولذلك اعتمد ماريون سيمز في تجاربه على الإماء السود، كما أكدت فانيسا نورثينجتون الطبيبة والمؤرخة الطبية في «جامعة جورج واشنطن»، مضيفة أنه كان يسمح لزملائه من الأطباء بالمشاهدة أثناء إجرائه لتلك التجارب بغرض التعلم.

أناركا وبيتسي ولوسي.. «إماء» تعذبن من أجل جميع النساء!

«أنا لست امرأة سوداء، ولكنني تأثرت للغاية بما سمعته اليوم». كان هذا هو تصريح سيجن نيلسون رئيس «لجنة التصميم العام في ولاية نيويورك» بعد أن سمعت الحقائق المُلحقة بطلب إزالة تمثال طبيب النساء ماريون سيمز من «سنترال بارك» في جلسة الاستماع الخاصة.

النساء السود اللاتي شاركن دون موافقتهن في تلك التجارب أسماؤهن مجهولة حتى الآن، فيما عدا ثلاث سيدات هن: أناركا، وبيتسي، ولوسي، واللاتي لقبهن البعض بـ«أمهات طب النساء»؛ موضحين أن تضحياتهن هي التي صنعت هذا الفرع من الطب وأسست له، مشيرين إلى عدم أحقية الطبيب لأمريكي ماريون سيمز بلقب أبي الطب النسائي.

تلك الحقائق لم تكن إدعاءات أو تخمينات، بل كان بعضها مأخوذًا من المذكرات الشخصية للطبيب، والتي نُشرت تحت عنوان «The story of life»، وفيه يحكي ماريون سيمز عن إحدى التجارب التي أجريت على واحدة من النساء السود تُدعى لوسي، وكتب الطبيب بخط يده شارحًا أنه أجرى التجربة نفسها على تلك المرأة أكثر من 30 مرة، موضحًا أن التجربة مؤلمة للغاية للدرجة التي جعلته يظن أنها على وشك الموت، وهذا لم يمنعه من استكمال تجاربه عليها حينما تماثلت للشفاء.

لقطة من مسرحية «Behind the Sheet» التي تحكي قصة ماريون سيمز

في حديث إذاعي مع شبكة «إن بي أر»، أوضحت الطبيبة والمؤرخة في جامعة واشنطن، فانيسا نورثينجتون، أن ماريون – من خلال رؤيتها التاريخية – تعامل مع السيدة السوداء التي تشارك في تجاربه الطبية على كونها ملكية خاصة، ليس من حقها الاعتراض أو الموافقة.

ووضح في مذكراته أنه بذل مجهودًا مع مُلاك السيدات السود اللاتي أراد إجراء التجارب عليهن. فالمرأة السوداء في ذاك الوقت تعامل معاملة العبيد، وعليها أن تكون بصحة جيدة حتى تتحمل صعوبة الأعمال الموكلة إليها، بالإضافة إلى أهمية قدرتها على الإنجاب، حتى يزيد عدد العبيد للشخص الذي يملكها.

ولذلك فأثناء تفاوضه وعد ماريون أسياد الإماء السود بأنه لن يهدد حياتهن أو قدرتهن على الإنجاب؛ وهو الأمر الذي كان يشكو منه في مذكراته، بالإضافة إلى المبالغ المالية التي أنفقها على إطعامهن، خاصة وأن تلك النفقات كان يستمر بعضها لمدة تزيد عن أربع سنوات؛ حتى تمكن ماريون من الوصول إلى نتائج ناجحة لتجاربه.

كان على ماريون تحمل نفقات طعامهن، ولكن كان على كل امرأة منهن تحمل آلامًا قاسية، خاصة وأن الطبيب الأمريكي لم يستخدم التخدير على السيدات اللاتي أجرى لهن الجراحات التجريبية للناسور؛ هذا الألم الذي وصفه بنفسه قائلًا: «التجارب كانت مؤلمة للغاية، ولا يمكن لإنسان أن يتحملها»؛ وأكد صدقه في هذا الأمر حينما أجرى تلك العمليات على نساء بيض، ولكن باستخدام التخدير.

على الجانب الآخر هناك بعض الأصوات الخافتة المُدافعة عن ماريون؛ موضحين أنه صاحب المبادرة في علاج النساء في الوقت الذي لم يهتم فيه أحد آخر بذلك، بل نظر البعض للأمر على كونه فعلًا بغيضًا، ووفقًا للمعطيات التي أتيحت له كان ينجح في التوصل لأفضل النتائج، وأن غايته قد بررت الوسيلة التي اتبعها، موضحين أنه ربما كانت هناك سيدات سود وافقن على إجراء تلك التجارب للتخلص من أمراضهن، ولكن وضعهن في خانة العبيد منعهن من تسجيل أصواتهن.

السود لا يتألمون بقدر البيض.. هكذا تقول الأسطورة!

على الرغم من مرور قرن كامل على تجارب ماريون سيمز، إلا أن إزالة التمثال ومناقشة سُبله في أبحاثه الطبية ألقى الضوء على المعتقدات الخاطئة حول الاختلافات البيولوجية بين السود والبيض.

والتي تشير إلى أن السود يتحملون الألم أكثر من البيض، أو وصفهم بأن «جلدهم ثخين» في تحمل الألم مقارنة بباقي الأجناس. وهو الأمر الذي وصفه العديد من الأطباء بكونه «تحيزًا عنصريًا في تقييم الألم لدى البشر»، مؤكدين أن المرضى السود في أمريكا يحصلون على كميات وجرعات أقل من العقاقير الطبية المسكنة في حالات كسور العظام والسرطان والتهاب الزائدة الدودية؛ وهي المشكلة التي لم تُحل حتى الآن، وإزالة تمثال ماريون سيمز ليس كافيًا لمحو تلك الصورة الذهنية المتأصلة لدى الأطباء البيض.

مقابر وحافلات منفصلة للسّود.. الوجه القبيح للعنصريّة في المجتمع التونسي

المصادر

تحميل المزيد