في السنوات الأخيرة، أصبحت الأجيال الحديثة تتجه نحو أجهزتها الذكية لمعرفة أخبار العالم، بدلًا من الصحافة المطبوعة، وذلك بعد أن شهد العالم طفرة في النشر الرقمي؛ وهو ما أدى إلى التحول الرقمي في كثير من المؤسسات سواء الصحافية أو تلك التي تعتمد على العالم الرقمي في الأعمال التسويقية. أصبحت تلك الطفرة هي الأساس الآن في متابعة كل ما يخص عملية النشر الرقمي والمحتوى، لمعرفة الجديد في هذا العالم؛ وفي تقريرٍ واحد، تُلخص مؤسسة «(What’s New In Publishing (WNIP» – وهي مؤسسة متخصصة في أعمال النشر المستقلة وتغطي تطورات النشر والإعلام الرقمي، إلى جانب القضايا التكنولوجية المُتعلقة بصناعة النشر- التطورات الأخيرة التي شهدها النشر الرقمي في العام الحالي، هذا إلى جانب التوقعات لعام 2019 والتي يجب على الناشرين معرفتها أولًا.

نعاني الآن من مرحلة اضطراب قصوى فيما يخص المحتوى الرقمي؛ إلا أنه وفي خلال عدة سنوات، سيختفي التعقيد التقني من الخلفية، وسيسعى الناشرون والمسوقون مرةً أخرى للتركيز على الجانب الإبداعي في سرد قصصهم. *رونان هاريس مدير جوجل الإداري في بريطانيا وأيرلندا

في يوليو (تموز) 2018 أعلنت صحيفة «الجارديان» البريطانية أن إيراداتها الرقمية قد تجاوزت الصحافة المطبوعة لأول مرة، ونتيجة لهذا التحول الرقمي، توجب وضع خطة شاملة لنموذج جديد للإعلانات والبيانات وكذلك للجانب التحريري أيضًا. يشير التقرير إلى أن هذا الحدث يمكن أن يكون أداة للتعلم قابلة للاستخدام من قبل الناشرين، واستخلاص رؤى ونتائج ذات مغزى من البيانات قادرة على تحليل سلوك المستخدم، مما يتيح استهداف الإعلانات بدقة.

يشير التقرير إلى أن عام 2018 كان مثيرًا للجدل فيما يخص الإعلانات الرقمية؛ إذ سعى كل من الناشرين والمعلنين لتبني سياسة الشفافية وتقديم الجودة والعلامة التجارية القادرة على كسب ثقة المستخدمين، وتم إعلان بعض القواعد التي تضمن الكفاءة والشفافية وقيم السوق العادلة والتي تضمن الإفادة، ليس للناشرين والمعلنين فقط ولكن للمستخدمين أيضًا من محبي الإنترنت.

تقرير «WNIP» جرى تقسيمه إلى عدة موضوعات أساسية تناقش عملية النشر الرقمي برمتها، والتغير الكبير الذي شهده العام الجاري، مما سيؤثر بشكلٍ أساسي على العمليات الإعلامية في السنة المقبلة، وفيما يلي ملخص لأهم ما جاء في التقرير.

شركات الإعلانات تعاني.. هكذا تغيرت استراتيجية الإعلان في العالم الرقمي

في السنوات الأخيرة تكبدت شركات الإعلانات الخسائر، واضطر جزء كبير من شركات الإعلانات المستقلة أن يغلق أبوابه؛ وذلك نتيجة لهيمنة كل من «فيسبوك» و«جوجل» على المحتوى الإعلاني الرقمي، وإحكام قبضتيهما على الدولارات الرقمية، مما أدى إلى انخفاض إيرادات شركات الإعلانات، وتراجع حاد في مجال الاستثمار الإعلاني الرقمي، وذلك منذ 2015 وحتى العام الحالي.

يشير تقرير «WNIP» إلى أن استخدام الإعلانات لأول مرة في العالم الرقمي جاء في تسعينيات القرن الماضي، تحديدًا عام 1994، وعلى الرغم من تعقيد وصعوبة أدوات القياس حينها لمعرفة الإقبال الجماهيري؛ إلا أن المعلنين تمكنوا عن طريق ملف سجل الخادم (Web server) من معرفة عدد الزيارات، وإذا كان عام 2017، قد شهد هيمنة مطلقة من «فيسبوك» و«جوجل» بالنسبة إلى الاستحواذ على الإعلانات واحتكار إيرادات الناشرين؛ فإن 2018 هو العام الذي أصبحت فيه الإعلانات وحدها لا يمكنها دعم الناشرين الرقميين؛ ولهذا شهد العام الحالي تحولًا في فلسفة الناشرين فيما يتعلق بما يمكن أن تقدمه الإعلانات لهم، وأصبحت كذلك إعلانات الشركات المتخصصة لا تمثل استراتيجية مركزية نسبةً إلى النشر الرقمي كما كانت في عهدها السابق، لكنها بالرغمِ من ذلك لا تزال مصدرًا مهما للدخل الرقمي إذا جرى تناولها بطريقة مبدعة ومبتكرة.

كانت أزمة عالم الإعلانات الرقمية والتي شهدها العام الحالي تتصاعد بشكلٍ محوري وعلى المدى الطويل، إلى الحد الذي يجبر شركات الإعلانات إلى التفكير في حلولٍ غير مسبوقة للتغلب عليها؛ إلا أن ذلك يتطلب المجازفة ببعض المال للتوقيع مع أكبر عدد من الناشرين، هذا إلى جانب الابتكار وضمان الجودة في محاولة التميّز بين المحتوى المتاح للناشرين الاختيار منه، سواء على منصة «جوجل» أو «فيسبوك». الأمر الذي وصفه ديفيد كول المؤسس المشارك لشركة «TrustX» بأنه مثل تأسيس طريقة شراء جديدة واستثنائية، تستطيع أن تنافس السلوكيات الشرائية المعترف بها من قبل منصتي «جوجل» و«فيسبوك».

بعيدًا عن «الغول» المهيمن على حياتنا.. 6 بدائل لـ«فيسبوك» لا تنتهك الخصوصية

شهد العام الحالي دليلًا آخر على أن شركات الإعلانات تقاتل لأجل أن تنفض عنها الأزمات التي حلت بها؛ وهو صعود برنامج حظر الإعلانات والذي يكلف الناشرين خسائر تُقدر بملايين الدولارات؛ وبالنسبة إلى تقرير أعدته مؤسسة «EMarketer»، هناك واحد من بين كل أربعة أشخاص في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها يستخدمون برنامج حظر الإعلانات، أي بنسبة تقريبية حوالي 70 مليون فرد؛ ويشير التقرير إلى أن صعود برنامج حظر الإعلانات ما زال بطيئًا إلا أنه سيشهد ازدهارًا مع الوقت.

يشير التقرير إلى أن «أمازون» هي المؤسسة الوحيدة التي تحافظ على مستوى نموها، في محاولة لفرض هيمنتها ومنافسة كل من منصتي «فيسبوك» و«جوجل»؛ وذلك رغمًا عن ارتفاع معدل الإعلانات على شبكة البحث «جوجل» بنسبة 23.6% مقارنةً بالعام الماضي.

أما بالنسبة إلى توقعات العام الجديد، يشير تقرير «WNIP» إلى أن تَغَيّر عادات الجمهور الاستهلاكية، باعتماده على الهاتف الجوال بشكلٍ شبه كلي، كذلك تحوله إلى المنصات الرقمية ومحتوى الفيديو سيشهد ازديادًا في العام المقبل، إذ تعدى الإنفاق الإعلاني على المحتوى الرقمي هذا المخصص للتليفزيون لأول مرة خلال عام 2018، وسوف ترتفع معدلات الإنفاق الإعلاني الرقمي في 2019 أيضًا.

أما منصتي «جوجل» و«فيسبوك» فيستمران خلال العام القادم في حصد النصيب الأكبر من النمو الإعلاني وينضم إليهم «أمازون» خلال السنوات القليلة القادمة بعد سبات طويل بقاعدة بيانات مستخدميه العملاقة.

المستخدمون سيدفعون للمواقع الإخبارية مثلما يدفعون لنتفليكس

في يناير (كانون الثاني) الماضي، نشرت «الجارديان» تقريرًا عن «فيسبوك» وقرارات مارك زوكربيرج الأخيرة؛ تم التصريح فيه بأن: «المؤسسات الإعلامية المستقلة وغير الربحية يجب أن تخشى منصة فيسبوك»، جاء ذلك عقب موجة من الانتقادات وجهت إلى مارك زوكربيرج وموقعه الخاص عن مسؤوليته في نشر الأخبار الزائفة؛ إذ أعلن أن «فيسبوك» يعمل على إصلاح بعض الخوارزميات والتي تمكنه من حذف المحتوى السلبي سواء كان من قبل علاماتٍ تجارية أو ناشرين، مُضيفًا: «يجب أن نزيد من المحتوى الإيجابي، ونقلل قدر الإمكان من روابط المواقع الإخبارية».

سيدفع القراء من أجل المحتوى الصحفي الإلكتروني بنفس الطريقة التي يدفعون بها لشبكة نتفليكس. *إيف ويليامز المدير التنفيذي لـ«تويتر» وأحد المؤسسين

وهنا استيقظ الناشرين على الحقيقة المؤلمة، الوسيط الإعلامي «فيسبوك» أو غيره من منصات التواصل الاجتماعي، والتي يعتمدون عليها بشكلٍ أساسي في الوصول للجمهور قد تقوم بدفن كل ما يتعلق بالمواقع الإخبارية بين ليلةٍ وضحاها، وحتى بوضع روابط المواقع الإخبارية في نهاية الصفحة الرئيسية للمُتلقي، سيؤدي هذا إلى فقدان الناشرين نسبة تصل إلى الثلث من جمهورهم الأساسي والذي أصبح يعتمد على مواقع التواصل الاجتماعي في معرفة الأخبار.

كانت الأزمة تلوح في الأفق عندما قرر الناشرون العودة إلى مبادئ الصحافة التقليدية، والتي توجب على الجمهور دفع ثمن خدمة كانت تقدم لهم لسنوات بلا مقابل. وبالفعل بدأت بعض المواقع الإلكترونية الإخبارية خلال العام الفائت بتطبيق نظام دفع رسوم عينية لمتابعة الموقع الإلكتروني والحصول على المحتوى الصحفي الجيد، وهو ما يُعد أول تعامل بطريقة مباشرة مع الجمهور بلا وسيط.

في البدء عندما قمنا بدعم خاصية المتابعة للمواقع الإلكترونية (Subscribe) بمقابل مادي، ظنَّ الناس أننا مجانين، لكن الصحافة مهنة تتكلف الأموال، ويجب على القارئ أن يدفع من أجل الحصول عليها. *آلان هانتر رئيس موقعي «التايمز» و«صنداي تايمز»

تستهدف بعض المواقع الإخبارية الآن القارئ باعتباره وسيلة مباشرة للربح ومصدرًا للإيرادات يمكن الاعتماد عليه، وهو ما شهد نموًا في إيرادات الناشرين خلال عام 2018 بنسبة تقدر 20%؛ إذ بدأت خدمة المتابعة الإلكترونية (Subscribe) عام 2002، إلا أنها بدأت في النمو وتحصيل مقابل مادي رمزي بصورة تجريبية منذ عام 2015، إذ كانت تكلفة الخدمة ما يعادل دولارًا واحدًا فقط، وهي الخدمة التي شهدت نموًا خلال عام 2018، وتشير التوقعات إلى أن أكثر من مليون قارئ متابع سيدفع مقابلًا للمحتوى الصحفي سنويًا بحلول العام القادم. وقد سجل موقعا «التايمز» و«الصنداي تايمز» لأول مرة قاعدة مشتركين وصلت إلى 500 ألف متابع خلال العام الحالي، في حين وصل عدد متابعي موقع «الإيكونوميست» إلى 1.4 مليون متابع، بينهم 14% على أساس سنوي؛ إذ تعمل أغلب كيانات النشر الرقمي على جعل إيرادات المتابعين هي مصدر الدخل الرئيسي، ويتجه أغلبهم للمحافظة على قاعدة القراء الأساسيين عن طريق تخفيض اشتراك الخدمة للمشتركين القدامى.

Embed from Getty Images

في الوقت ذاته طالبت بعض كيانات الصحافة الرقمية متابعيها بالتبرع لدعم استمرار الكيان المستقل، وهو ما اعتمدته صحيفة «الجارديان» من خلال موقعها الإلكتروني، أما البعض الآخر فقد قاموا بتخصيص جزء من المحتوى المتميز للمتابعين دافعي الخدمة، في حين يتم تقديم باقي المحتوى للزوار وهو ما قامت به صحيفة «التليجراف»؛ إذ قامت بتحسين الخدمة من أجل الحصول على مزيد من المتابعين، وذلك بغلق المحتوى المميز للمشتركين فقط مع إمكانية الرد والتفاعل مع الكتاب ومطالعة الموقع بلا إعلانات.

ومن المتوقع أن يشهد العام القادم مزيدًا من التعقيد أمام القراء غير المشتركين في خدمات المتابعة مدفوعة الأجر، وسيتم حجب أغلب المحتوى خلف جدار الحماية للأعضاء دافعي الخدمة فقط، كما سيتم العمل على تسويق المحتوى المميز لجذب مزيد من الجمهور، فقد تعمل «التليجراف» على سبيل المثال بحجب 50% من المحتوى المميز، إلا أنهم في الوقت ذاته يعملون على دعم زيارات القراء المجانية لتفعيل خدمات الإعلانات.

يشير التقرير أيضًا إلى أن نمو الدعم الذي يتم تقديمه من خلال إيرادات المتابعين سيصل بالناشرين إلى مرحلة أكثر استقرارًا، وهو ما يتبعه الاتجاه إلى تقديم المزيد من المحتوى الإبداعي، وابتكار محتوى ذات قيمة مضافة يجبر القراء على الدفع.

معركة الإعلام الرقمي والصحافة المطبوعة

على الرغم من توقعات الكثيرين بأن الصحافة المطبوعة الآن تمر بحالة موت إكلينيكي ويجب أن نودعها لنستقبل العصر الرقمي، والذي يشير إلى المستقبل والأجيال القادمة؛ إلا أن عام 2018 قد شهد استقرارًا نوعيًا في مجال الطباعة، ويشير التقرير إلى أن الصحافة المطبوعة الآن أكثر تكيفًا، ولديها مقومات البقاء على قيد الحياة لفترة زمنية أخرى، ولكن بطرق مختلفة عن الماضي.

جاء ذلك بعد أن نشرت الصحيفة البريطانية «الميترو» تقريرًا عن زيادة طفيفة جدًا في معدل توزيعها لا تتعدى 0.2%، وعلى الرغم من أن تلك الزيادة قابلها مجموعة من الانخفاضات خلال العام؛ إذ شهدت صحف «الدايلي ميل» و«الصنداي» انخفاضًا في التوزيع وصل إلى 13%، وألغت «التليجراف» و«الميرور» توزيعات بالجملة، إلا أن هناك بعض المجلات قد شهدت زيادة في التوزيع مثل مجلتي «إيكونوميست» و«سبكتاتور»، ورغمًا عن هذا التأرجح، تمت الإشارة إلى أن المحتوى المكتوب جيدًا، والمحرر جيدًا، ومن ثم المطبوع بجودة عالية هو القادر على النفاذ إلى المستقبل وتحقيق معدل نمو في توزيع المحتوى المطبوع.

Embed from Getty Images

جاء ذلك بعدما شهد العام الحالي نموًا في المحتوى المطبوع عالي الجودة، خاصةً في الظروف السياسية الحالية؛ إذ أشار ديلان جونز، محرر مجلة «GQ» الشهرية، إلى أن هناك تأثيرات للسياسة العالمية على أسواق وسائل الإعلام. مؤكدًا أن الاضطرابات السياسية الأخيرة جعلت القارئ يبحث عن المحتوى الصحفي الجيد عالي الجودة، سواء في التحرير أو الطباعة؛ وهذا التركيز سيجعل الازدهار من نصيب قطاع المجلات المستقلة جيدة الصنع، ولهذا يجب أن ينتبه الناشرون إلى عملية الصناعة بأكملها، بدءًا من المحتوى ووصولًا إلى الغلاف.

ويشير التقرير إلى أن الطباعة المتخصصة هي المستقبل؛ على الرغم من ضيق سوق العمل بها بالنسبة إلى المصممين والمحررين، مُضيفًا أنه على الرغم من أن الأرقام المنشورة مثيرة للقلق إلا أن المشاعر حول الطباعة في المستقبل ما زالت إيجابية، وتبحث الحكومة في الوقت الحالي سُبلًا لجعل تلك الصناعة مُستدامة.

في الوقت ذاته تمحورت توقعات مستقبل الطباعة حول مُستقبل ذي طباعة أقل إذ أغلقت أغلب الصحف الورقية أبوابها متجهة نحو العالم الرقمي؛ إلا أنها من الناحية الفنية ستصبح أفضل ذات عناوين متخصصة قادرة على جذب الفرد من زحام العالم الرقمي وصفحات الإنترنت إلى لحظاتٍ من الراحة والهدوء، متوقعين أن يكون الإقبال على المحتوى الرقمي خلال أيام العمل الأسبوعية، في حين يحتل المحتوى المطبوع أيام العطلات ونهاية الأسبوع.

التجارة الإلكترونية إحدى وسائل الناشرين لتعويض نقص الإعلانات

شهد عام 2018 التركيز الأكبر على القراء والمتابعة الإلكترونية مدفوعة الأجر، لكن المحتوى المدفوع وحده لن ينجح في رأب صدع انسحاب الإعلانات أو تضييق المنصات الاجتماعية على محتوى المواقع الإخبارية؛ يقول عن ذلك جيم نورتون مدير الأعمال السابق لشركة «Conde Nast»: «لا يمكنني الجزم بأن انخفاض 10% من نسبة الإعلانات تستطيع أن تعوضها إيرادات المتابعين»، ولذا اتجه الناشرون في الآونة الأخيرة إلى البحث عن طرق تكفل لهم قيمة مضافة، وتعزز الوضع المالي للكيانات، وهو ما دفع البعض إلى البحث عن تقديم خدمات أو منتجات عبر مواقعهم الإلكترونية تكفل لهم مصدر دخل إضافي. كانت استضافة بعض المناسبات والاحتفالات (Events)، والتجارة الإلكترونية أعلى قائمة المقترحات لإضافة مصادر دخلٍ بديلة.

كيف تسرّع التجارة الإلكترونية الإصلاحات الاقتصادية في الدول العربية؟

يشير تقرير «WNIP» أيضًا إلى أن حالة التذبذب التي يعاني منها الإعلان الرقمي في الآونة الأخيرة بالإضافة إلى الانخفاض طويل الأجل في دخل المطبوعات، كلاهما قد شكل ضغطًا على الناشرين لإيجاد طرق لزيادة دخل مؤسساتهم، خاصةً بعدما تخلت المنصات الاجتماعية عنهم، مما دفعهم إلى طرق أبواب غير تقليدية قد تعمل على زيادة حصة الإيرادات على المدى الطويل.

استضافة المناسبات والاحتفالات كانت أحد الطرق التي أصبحت ذائعة الصيت بين المجلات والصحف الإلكترونية؛ إذ عملت مجلة «تايم أوت لندن» على استضافة مجموعة من المناسبات والاحتفالات حول العالم وذلك لتحقيق عائد ربحي من بيع التذاكر وشركات الرعاية.

سعت المنصات الإعلامية إلى توطيد الصلة بالقارئ، وهو ما نتج عنه استضافة تجارب جمهور رائعة تتضمن مناقشات وندوات واحتفالات وورش فوتوغرافيا إضافة إلى توصية بالمنتجات التي قد يفضلها الحضور والترويج لها. كما تعمل بعض المنصات الإعلامية على عقد صفقات مع منصات التجارة الإلكترونية عبر الإنترنت، وهو ما تقوم به مؤسسة «Buzzfeed»؛ إذ قامت بعقد صفقة مع منصة البيع بالتجزئة عبر الإنترنت «Shopify» للترويج لمنتجاتها عبر المناسبات التي تقم الأولى باستضافتها، وذلك مقابل عمولة تصل إلى 25%.

ويتوقع التقرير استمرار الناشرين في تنظيم الأحداث والمناسبات خلال العام المقبل، ومن المرجح أن تلعب الإعلانات المنفصلة في التجارة الإلكترونية دورًا هامًا، وذلك من خلال العملاء والمعلنين الذين يسعون خلف جمهور مميز، إذ تستمر التحالفات بينهم وبين المنصات الإعلامية وقاعدة عملائها المميزين.

قانون حماية البيانات الأوروبي وتأثيراته على الناشرين

منذ عدة أشهر دخل قانون حماية البيانات للاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ، والذي يهدف إلى تنظيم عمل شركات التكنولوجيا بشكل صارم فيما يتعلق ببيانات العملاء، إذ يضم القانون عدة قواعد صارمة فيما يتعلق باستخدام البيانات الشخصية من قبل المنظمات المختلفة. وهو ما نتج عنه تغيير سياسات الخصوصية في غالبية المواقع الإلكترونية التي نتعامل معها عبر الإنترنت، ويحمي القانون الأفراد في المقام الأول ويعطيهم الحق الأكبر في الكشف عن أو حذف البيانات الشخصية الخاصة بهم، وعلى الرغم من أن القانون يحمي في الأساس قاعدة بيانات مواطني الاتحاد الأوروبي؛ إلا أن تأثيره قد امتد إلى الولايات المتحدة الأمريكية وشركاتها، خاصةً تلك التي تتعامل مع بياناتٍ خاصة بمواطنين أوروبيين.

Embed from Getty Images

يشمل نطاق تأثير هذا القانون كل ما يتعلق بالبيانات الشخصية للعملاء، ويؤثر بشكلٍ مباشر على الشركات التي تمتلك قاعدة بياناتٍ كبيرة للمستهلكين مثل الصحف الرقمية الأمريكية ومتابعيها من دول الاتحاد الأوروبي، كما يشمل شركات أخرى مثل فيسبوك وجوجل نظرًا لما يقتنونه من بيانات خاصة بعملائهم؛ ويشير تقرير «WNIP» إلى أنه من المستحيل على أيٍ من شركات التكنولوجيا الرقمية الفرار من هذا القانون، وقد عانت تلك الشركات منذ بدء تفعيل القانون في مايو (أيار) الفائت حالة من الارتباك، دفعتها لتغيير سياسات الخصوصية بما يتوافق مع القانون الجديد.

إلا أن العديد من المؤسسات الإعلامية قد استطاعت إيجاد طرق للهرب من القانون، إذ قامت صحف مثل «نيويورك دايلي نيوز» و«واشنطن تريبيون» و«لوس أنجلوس تايمز» بإغلاق مواقعهم لمستخدمي الاتحاد الأوروبي، وكانت النتيجة في آخر العام إغلاق أكثر من ألف موقع إخباري أمريكي في الدول الأوروبية، وهو حل مؤقت تبحث خلاله تلك الشركات فرصهم، وتبدأ الولايات المتحدة الأمريكية اللحاق بركب قوانين حماية البيانات؛ إذ تعمل ولاية كاليفورنيا حاليًا على صياغة قانون لحماية خصوصية المستهلك، يجري مناقشته في الصيف القادم، وهو قانون يسمح للمستهلكين معرفة نوعية المعلومات التي قامت الشركات بجمعها عنهم، ولماذا يجمعونها، إلا أن القانون لن يدخل حيز التنفيذ قبل عام 2020، مما يجعله عرضة للتغيير قبل ذلك الوقت.

على مدار العام واجه كل من «فيسبوك» و«جوجل» مخالفاتٍ جسيمة عرضت بيانات المستخدمين للخطر من قبل المتسللين، كان أحدهما خطأ في برمجة تطبيق «جوجل بلس» سمح لجهاتٍ خارجية الاطلاع على بيانات المستخدمين وأصدقائهم؛ هذا إضافةً إلى عمليات القرصنة التي نجحت في اختراق أكثر من 50 مليون حساب على شبكة «فيسبوك».

القصة الكاملة لاختراق 30 مليون حساب على «فيسبوك».. كيف تعرف إن كنت واحدًا منهم؟

على جانب آخر جرى إطلاق مشروع ذا أوزون (The OZone) ببريطانيا، والذي جمع كلًا من شبكة أخبار المملكة المتحدة والجارديان وتلغراف، في تحالفٍ يهدف إلى الوصول لقاعدة بيانات موحدة، ما يتيح له تقديم أكثر من 42.5 مليون عميل للمعلنين، ومن المتوقع أن يعمل المشروع على منافسة فيسبوك في بريطانيا، وهو ما يتيح للناشرين الحصول على بعض المال لمواجهة أزماتهم.

يتوقع التقرير ظهور المزيد من التحالفات المشابهة بين الناشرين في المستقبل، وهو ما يتيح إنشاء قاعدة بيانات ضخمة قادرة على جزء التحالفات الإعلانية؛ إلا أن الأمر سيستغرق بعض الوقت حتى تنمو تلك التحالفات بما يكفي حتى تستطيع المنافسة، ولهذا يتوقع الخبراء نتيجة تلك التحالفات هي عودة الناشرين للسيطرة على قواعد البيانات في المستقبل.

كما يشير التقرير إلى أن قضيتي فيسبوك وجوجل ستساعد على تشكيل قوانين حماية البيانات في المستقبل، خاصةً بعدما قاضى المدعي العام في واشنطن شبكة فيسبوك بتهمة تسريب بيانات أكثر من 87 مليون مستخدم لشركة كامبريدج أناليتيكا للاستشارات السياسية؛ إذ سعى مجلس الشيوخ للحصول على امتياز وضع قوانينه الخاصة بالخصوصية.

المحتوى المرئي والصوتي سيُسيطر في عام 2019

الانتشار السريع واللاذع للإنترنت على مدى السنوات الفائتة كان له بعض التأثيرات التي أشرنا إليها على الصحافة من حيث التحويل إلى المحتوى الرقمي وكيفية تمويلها، ومع اقتراب عام 2018 على الانتهاء، يشير التقرير إلى أن هناك الكثير من الفرص الجديدة الخاصة بالمحتوى وأنواع وطرق التوزيع التي يجب على الناشرين التطلع إليها في العام المقبل.

شهد عام 2018 ظهور مجموعة من الوسائط الجديدة، والتي يُنظر إلى الاستثمار فيها باعتبارها تجربة قابلة للتطبيق، وذلك من أجل الوصول إلى جماهير جديدة، وتحصيل إيرادات حقيقية.

أحد هذه الأمثلة كان ظهور «البودكاست» عام 2007 باعتباره وسيلة حديثة نسبيًا لتوصيل المعلومات والتدوين الصوتي، والتي تأخذ شكل حلقات مسجلة صوتيًا يمكنك الاستماع إليها عبر المواقع المختلفة على الإنترنت والوصول إليها عبر ناشر «البودكاست» أو تطبيقات الهاتف الجوال، إلا أن تلك الشبكة شهدت في السنوات الأخيرة نموًا كبيرة، لدرجة جعلت كل المفكرين ورواد الأعمال في الولايات المتحدة يقومون بالتدوين الصوتي على «البودكاست»، وفي عام 2014 ازدهر بودكاست بطريقة مذهلة؛ إذ تزايدت نسبة المستمعين له بمعدلاتٍ مرتفعة وهو ما دفع بعض الناشرين مثل صحيفة «الجارديان» و«النيويورك تايمز» إلى جعل بودكاست واحدة من خياراتهم للوصول للجمهور.

وسائل الإعلام يجب أن تسعى للقاء الجماهير والعثور عليهم حيث يتواجدون، والانخراط في البيئات المناسبة لهم. *كوري هالك ناشرة في موقع «مايك»

المحتوى الصوتي إحدى الوسائل التي ستسيطر على المستقبل إلى جانب الفيديو؛ ولذلك سعت الكثير من وسائل الإعلام إلى دعم المحتوى الصوتي في مواقعهم الإلكترونية؛ وهو ما فعلته النيويورك تايمز تحت عنوان «Podcasts»؛ وذلك من أجل الوصول إلى جماهير المحتوى الصوتي. وهو ما دفع ناشر كاريكاتير «مارفل» إلى الاتجاه نحو نشر حلقات صوتية متسلسلة تتناول شخصية ولفرين (Wolverine)؛ إذ تشير التنبؤات لعام 2019 إلى أن 40% من الإيرادات سيجرى تحصيلها من المحتوى الصوتي.

هذا إلى جانب سعى العديد من المنصات الإخبارية إلى جعل محتوى الفيديو جزءًا لا يتجزأ من المحتوى المنشور؛ في محاولة للوصول إلى قاعدة جماهيرية جديدة، وقد جرى تطبيق تلك السياسات في صحف «الجارديان» و«سكاي نيوز»، بهدف الوصول إلى 10 مليون مشاهد، بحسب التقرير، كما يشير إلى أن ملفات البودكاست وتطبيقاته ستشهد نموًا ملحوظًا خاصةً مع التقنيات الحديثة للسيارات؛ كما سيتجه الناشرون مرة أخرى إلى التركيز على المحتوى المرئي بشكل ملحوظ سواء للتسويق أو رواية قصصهم الإخبارية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد