اختفت من شوارع العاصمة الجزائرية لثلاث جمعات على التوالي، مشاهد الأعلام الوطنية التي ترفرف عاليًا، واللافتات والشعارات التي كانت تدوّي في شارع ديدوش مراد بقلب المدينة، وجرى استبدال مشهد حصار أمني مُحكم بها، وانتشار آلاف عناصر الشرطة في كل المساجد والساحات والشوارع التي كانت تعرف انطلاق مسيرات الحراك الشعبي الجزائري لأكثر من 100 جمعة متتالية. 

«حالة طوارئ غير معلنة» تلك التي عرفتها الجزائر خلال الجمعات الثلاث الماضية، كما علّق بعض المشاركين في الحراك من خلال حملة قمع شديدة ضد الحراك الشعبي الذي انطلق منذ سنتيْن المطالبة برحيل النظام.

واستطاعت قوّات الأمن في سابقة هي الأولى منذ 22 فبراير (شباط) 2019 أن تفضّ المظاهرة الأسبوعية التي تشهدها العاصمة في 14 مايو (أيار) الجاري، وذلك من خلال إنزال أمني شديد شاركت فيه آلاف عناصر الشرطة وقوّات مكافحة الشغب، بالإضافة إلى شرطة بالزي المدني وعناصر «فرقة البحث والتدخّل» التي عادة ما تتدخّل في الأزمات المتعلّقة بمكافحة الإرهاب أو المخدرات.

عرفت شوارع العاصمة الجزائرية انتشارًا كبيرًا لقوات الشرطة لمنع المظاهرات الأسبوعية

وجالت في شوارع العاصمة فرق البحث والتدخّل مع إشهار للبنادق الآلية واستعراض للمدرّعات الحربية، في مشاهد لم تعهدها العاصمة منذ سنوات التسعينات خلال الحرب الأهلية، وهو ما جعل المشاركين في الحراك الشعبي يستنكرون حملة الترهيب والتخويف التي تمارسها السلطة ضد مسيرات اتّسمت بالسلمية التامة، فهل هذه هي نهاية الحراك الجزائري؟

المسيرات تقمع بالقوّة.. والاعتقالات مستمرة

العاصمة لم تكن الوحيدة التي عرفت استخدام القوّة لقمع المسيرات السلمية الأسبوعية، بل كان ذلك مصير المظاهرات في كل المدن الكبرى، مثل وهران، وقسنطينة، وعنابة، وسكيكدة، وسطيف. كما عرفت العديد من المدن استخدام الهراوات، والغازات المسيلة للدموع ضد المتظاهرين.

وبالتوازي مع فضّ هذه الاحتجاجات، جرى اعتقال عشرات المواطنين والزجّ بهم في السجن بتهم فضفاضة متعلّقة بمشاركتهم في الحراك، وبلغ عدد المعتقلين على خلفية مشاركتهم في الحراك الشعبي حوالي 200 معتقل.

انتخايات الرئاسة في الجزائر والحراك الشعبي

مظاهرات الحراك الشعبي الجزائري

حملة القمع والاعتقالات والضرب داخل أقسام الشرطة وإيداع المشاركين في الحراك الشعبي السجن، تُؤشّر على دخول البلاد مرحلة جديدة، لا تتسامح فيها السلطة مع المسيرات الشعبية المطالبة برحيلها رغم سلميّتها.

وقد تزامنت هذه الحملة الأمنية مع الانتخابات البرلمانية المزمع عقدها في 12 يونيو (أيار) القادم، والتي تراهن عليها السلطة بشدّة لتخفيف الأزمة السياسية التي تعرفها البلاد؛ وذلك في ظلّ مقاطعة بعض أحزاب المعارضة أبرزها «جبهة القوى الاشتراكية»، و«التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، ومشاركة الأحزاب الإسلامية، مثل «حركة مجتمع السلم»، و«البناء الوطني»، و«النهضة».

وقد خرجت أول أمس الجمعة مسيرات متفرّقة في أنحاء البلاد، أكبرها كانت في مدينتي تيزي وزو وبجاية اللّتيْن لم تعرفا تضييقًا أمنيًا، فيما عرفت البلاد وقفات ومسيرات بأعداد صغيرة في بعض المدن الأخرى بعيدًا عن مراكز المدن لتجنّب قوّات الأمن، مثل برج منايل، ومستغانم، وبعض أحياء العاصمة الجزائرية، فيما شهدت عدّة مدن تواصل الحصار الأمني لمنع خروج المسيرات، بحسب مشاركين في التظاهرات، تواصل معهم «ساسة بوست».

هل هذه هي نهاية الحراك الشعبي الجزائري؟

تساؤلات حول مستقبل الحراك يطرحها الكثير من المتابعين، خصوصًا بعد نجاح السلطة في قمع المسيرات في المدن الكبرى، فهل وصل الحراك الجزائري إلى فصله الأخير؟

بحسب مشاركون في الحراك الشعبي، تحدثوا إلى «ساسة بوست» فإن مفهوم «الحراك» يتجاوز المسيرات والمظاهرات الأسبوعية، بل هو نقلة نوعية في الفكر الجماعي للجزائريين، وما المظاهرات سوى مجرّد وسيلة يتمظهر من خلالها الحراك، والذي من الممكن أن يغيّر أساليبه الاحتجاجيّة.

ويذكّر النشطاء بأن الحراك الشعبي استطاع العودة مرّة أخرى إلى الشوارع رغم توقّفه لحوالي سنة بسبب جائحة كورونا، بالإضافة إلى أن حالة الغليان الاجتماعي وغلاء الأسعار والاحتجاجات العمّالية، كلّها مؤشر على أن الغضب الشعبي في ارتفاع، على حد تعبيرهم.

الحراك الجزائري

مظاهرات الحراك الجزائري

 في حديثه إلى «ساسة بوست» حول مستقبل الحراك والأشكال التي من الممكن أن تأخذه هذه الحركة الاحتجاجية فيما بعد، قال محمد أمين اسماعيل، وهو ناشط في الحراك الجزائري بأن السلطة الفعلية «تتعمّد إعطاء الحراك شكلًا جهويًا وإيديولوجيًا منذ بدايته وشهوره الأولى، وذلك كي يسهل قمعه، وهي مستمرة في ذلك، فالمسيرات تُمنع في كل أرجاء الوطن إلا في منطقة القبائل (تيزي وزو وبجاية)».

ويضيف محمد أمين اسماعيل حول هذا الموضوع: «كما تعوّدنا، فالحراك يفاجئنا في كل مرة، وهو يرفض الدخول في السرية كما يرفض التخلي عن السلمية رغم أن النظام يدفعه نحو العنف، لذا فالحراك سيعود من جديد مع رجوع الحياة إلى طبيعتها، مثل فتح الملاعب والدخول الاجتماعي والفشل المتوقّع للحكومات القادمة في حل المشاكل التي يعاني منها المواطن».

وأشار إلى أن ما تقوم به السلطة باستعمال الأجهزة الأمنية والقضائية يتعدى منع المسيرات، وإنما هي محاولة استئصال الحراك من المجتمع، باستهداف نشطائه من منازلهم وأماكن عملهم وغلق الجمعيات والأحزاب التي شاركت فيه، وتصنيف بعض مكوّنات الحراك «حركات إرهابية»، بالإضافة إلى حملات التشويه في وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام، وحتى حملات المترشحين في الانتخابات.

وأضاف محمد أمين اسماعيل أن غلق المجال العام وقمع المسيرات لا يستهدف الحراك فقط، بل هو مؤشر على أن السلطة لن تتسامح بعد الآن مع أي شكل احتجاجي سواء كان سياسيًا أو عماليًا: «النظام لا يستهدف الحراك وحده، بل يهدف لعدم حدوث أي احتجاج مستقبلًا، فتجده يهاجم ويشوّه المطالب الفئوية للمعلمين، أو الحماية المدنية، أو مفتشي التربية وغيرهم».

أما الطالب أحمد بورويس، الناشط في الحراك الطلاّبي، فيرى أن توقّف المسيرات لا يعني توقّف الحراك نفسه، بل إن الحراك سيتّخذ أشكال مختلفة، وأن على الحراك استغلال هذه الفترة من أجل التوافق حول صياغة مشروع دولة، ينافس به المشروع الذي يطرحه النظام.

ويتابع: «بالنسبة لي أهم مكسب من مكاسب الحراك هو الوعي الجمعي، وهذه الطبقة السياسية الجديدة من الشباب الذين انخرطوا في السياسة والشأن العام، حتى داخل المجتمع، رغم أن الكثيرين لا يخرجون في المسيرات، لكن أصبحت لديهم ثقافة الاهتمام بالشأن العام والسياسة، وقد امتدّت حتى لدى الأطفال الصغار الذين يرددون شعارات الحراك بعفوية، وقد تحوّلت إلى ظاهرة».

يضيف الطالب أحمد بورويس أن على الحراك أن ينتقل من الاحتجاج في الشارع إلى فتح نقاشات حول مشروع الدولة التي يطمح إليها، وذلك للوصول إلى توافق حول الرؤية المستقبلية للدولة الجزائرية: «الجانب الذي ينبغي العمل عليه في انتظار عودة المسيرات، ينبغي علينا التركيز على الجانب الفكري النظري، علينا أن نعمل على رؤية أو تصوّر لمشروع دولة يتبنّاه الحراك، أي علينا إنشاء مشروع بديل للمشروع الذي يطرحه النظام، وهذا عن طريق لقاءات ونقاشات لنخرج بأوراق علمية وبحوث، وهذا هو الوقت المناسب لذلك».

وينهي أحمد بورويس حديثه: «تمامًا مثل مرحلة كورونا عندما توقّف الحراك الشعبي لعدّة شهور، رأينا كثرت النقاشات بين الأطراف المختلفة، ولكنها لم تكن في إطار صحيح، ولذلك تحوّلت هذه النقاشات إلى صراعات إيديولوجية وتخوين متبادل، ولذلك علينا البحث عن إطار صحيح من أجل إجراء هذه النقاشات الضرورية لتتحوّل إلى لمشاريع في عدّة مجالات، تشكّل كلّها مشروع الدولة التي نطمح إليها».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد