«حاميها حراميها»؛ مثلٌ يُضرَب لخيانة بعض المسؤولين الأمانة واستغلالهم مناصبهم لسرقة ما يؤتمنون عليه، حتى تحولت بعض قصصهم إلى روايات وأفلام، ووصل بعضها إلى المحاكم.   

ينتشر هؤلاء الفاسدون في مختلف الوزارات، لكن حين تفوح رائحتهم في وزارات الخارجية حيث «الفساد بالعملة الصعبة»، فهذا يعني أن المشكلة تتجاوز الحدود والأمصار إلى ما وراء المحيطات والبحار، وتعني تورط مسؤولي البعثات الدبلوماسية في السفارات والقنصليات والملحقيات بالخارج، واستغلال جوازات السفر الحمراء والحقائب الدبلوماسية التي لا تخضع للتفتيش في المطارات. 

كنوز أثرية في حاويات دبلوماسية

تخيل حجم الفساد وراء تهريب الآثار في حاويات دبلوماسية، على غرار القضية التي ضبطت فيها السلطات الإيطالية سفينة تحمل حاويات دبلوماسية بها قطع أثرية مصرية نادرة قادمة من ميناء الإسكندرية إلى ميناء سالرنو بإيطاليا، وهو ما قد يشير بأصابع الاتهام لمسؤولين مصريين أعضاء في بعثات دبلوماسية. 

الخبر أكدته السلطات المصرية حيث ذكرت وزارة الآثار أن شرطة مدينة نابولى بإيطاليا ضبطت حاويات تحتوي على قطع أثرية تنتمي لحضارات متعددة، من بينها قطع أثرية لا تقدر بثمن، ومن بينها أقنعة ذهبية نادرة ومجموعة من الأواني الفخارية من حقبات زمنية مختلفة وأجزاء من توابيت وعملات، وقطع قليلة تنتمي للحضارة الإسلامية.

 اللافت هنا أن الكشف عن هذه القضية لم يكن من طرف وزارة الخارجية المصرية بل من الجهات الإيطالية. واعترف أحمد أبو زيد المتحدث الرسمي باسم الخارجية المصرية بأن «شرطة الآثار والسياحة الإيطالية قامت بإبلاغ السفارة المصرية في روما في 14 مارس (آذار) 2018 بعثورها على ٢٣ ألفا و٧٠٠ قطعة أثرية من بينها 118 قطعة مصرية في حاوية دبلوماسية». 

إلا أن المتحدث المصري لم يجب عن هذه الأسئلة المهمة: من المسؤول عن تهريب هذه القطع الأثرية؟ وكيف تم تهريبها قي حاويات دبلوماسية تابعة لوزارة الخارجية؟ ولماذا لم تعلن أسماء المتهمين حتى الآن؟ ولماذا لم تتم محاكمتهم؟ 

ليست هذه هي القضية الأولى من نوعها، وربما لن تكون الأخيرة إن لم يحاسب المسؤولون عنها بجدية، فقد ظهرت قضية تهريب الآثار في حاوية دبلوماسية إلى إيطاليا بعد حوالي شهرين من تهريب غطاء تابوت أثري يعود إلى عصر الفراعنة إلى الكويت داخل أريكة منتصف مارس (آذار) 2018.

 

اللافت أيضا هنا أن الكشف عن هذه الجريمة لم يصدر من جهات مصرية، وإنما اكتشفت في مطار الكويت الدولي، فيما أظهرت كاميرات مطار القاهرة الدولي أنه بينما كانت الأريكة التي تحتوي على غطاء التابوت الفرعوني تمر عبر آلة فحص الأمتعة، كان ضابط الشرطة المسؤول عن الماكينة مشغولا بالتحدث على هاتفه المحمول.

مطالبة وزارة الآثار المصرية الخارجية البريطانية، بوقف مزاد لبيع رأس تمثال منسوب للملك الفرعوني الشهير توت عنخ آمون في صالة للمزادات بلندن، يوم 4 يوليو (تموز) 2019، تأتي أيضا في هذا السياق، وتطرح أسئلة كثيرة بطبيعة الحال حول الجهات التي تقف وراء تهريب هذه الآثار النادرة التي لا يستطيع شخص عادي تهريبها خارج البلاد، فيما تكتفي وزارة الخارجية في هذه القضايا بلعب دور روتيني يتمثل في المطالبة بالحقوق المصرية لهذه الآثار ووقف إجراءات بيعها، إلا أنها تبقى في النهاية عاجزة عن فرض كلمتها ولو حتى على صالة للمزادات في عاصمة غربية. 

وبشكل عام، تتوجه أصابع الاتهام إلى مسؤولين في الخارج والداخل عن ظاهرة تهريب الآثار المصرية إلى الدول الأجنبية، حيث تشير تقارير إعلامية إلى أن الآثار المهربة تقدر ببضعة ملايين من القطع الأصلية. فعلى سبيل المثال يضم 20 متحفًا في ثماني دول غربية (بريطانيا، والولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وكندا، والنمسا، وبلجيكا) أكبر تشكيلة من الآثار المصرية المهربة، ويتجاوز عددها 700 ألف قطعة في متاحف هذه الدول فقط، وأشهرها متحف «اللوفر» و«ميتروبوليتان» والمتحف البريطاني، فضلًا عن أن عدد المسلات المصرية الموجودة في روما أكبر من تلك الموجودة في مصر.

مخدرات وكوكايين في حضرة الرئيس

غير بعيد عن جرائم التهريب، تأتي واقعة إلقاء القبض على الضابط بسلاح الجو البرازيلي سيلفيا رودريغيز من الفريق المرافق للرئيس جاير بولسونارو في قمة العشرين الأخيرة في وقت متأخر من يوم الثلاثاء 25 يونيو (جزيران) 2019 بعد ضبطه وبحوزته 39 كيلوغراما من الكوكايين. وقد حدثت واقعة القبض على الضابط في مدينة إشبيلية الإسبانية عندما توقفت الطائرة الاحتياطية المتجهة إلى مدينة أوساكا اليابانية، بحسب بيان لوزارة الدفاع البرازيلية.

أما الرئيس جاير بولسونارو – الذي كان على متن طائرة مستقلة – فقد سارع بإدانة الجريمة وتفاعل مع الواقعة بتغريدة على موقع «تويتر»، قال فيها إنه في حال ثبتت التهمة على الضابط المذكور فإنه سيُحاكم ويُدان بموجب القانون. فيما صرح نائب الرئيس هاملتون موراو للمراسلين بالعاصمة برازيليا، قائلًا: إن الضابط كان «مهرب مخدرات كُفئا».

وبحسب دراسة لـ«المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات»، فإن أغلب الدول انتهجت ان تكون الملحقيات العسكرية بسفاراتها هي الذراع الخارجي لجهاز الاستخبارات العسكرية, والمقصود بالاستخبارات هنا كل أذرع العمل المخابراتي بما فيها أعمال الجاسوسية.

وتقول الدراسة: إن «السفارات بكل ما فيها ومن فيها وبكل أذرعها هي أوكار جاسوسية رسمية يتم الإفادة الاستخبارية منها بأقصى الدرجات، وهو أمر يشمل السفير أو رئيس البعثة، والقائم بالأعمال، والملحق عسكري، والملحق الثقافي وكافة الملحقيات الأخرى، ويتعدى الأمر ليشمل فروع المصارف خارج البلد، ومكاتب الخطوط الجوية، ومكاتب الشركات الحكومية، والموظفين، والمتدربين، والدارسين في الخارج، والمغتربين، وذوي المشتركات الفكرية والدينية والقومية والمذهبية».

كتاب «جاسوسية وجواسيس» الصادر عن «الهيئة العامة للكتاب»، يروى فيه الكاتب الصحفي عبده مباشر، الذي عمل محررًا عسكريًا بعدد من الصحف الحكومية، حكايات من العالم الحقيقي والواقعي للجاسوسية والجواسيس، وكيفية استخدام البعثات الدبلوماسية ومقرات السفارات والقنصليات لتسهيل عمل الجواسيس، وتحدث عن الأسلحة التي تستخدم في «ميدان حرب العقول»، وعن المخابرات بصفة عامة، والأمريكية والإسرائيلية والمصرية بصفة خاصة.

مترجم: جيوش مخدرة منذ قرون.. كيف استخدم الجنود المخدرات لمواصلة الحروب؟

الطريقة «الفهلوية» في إدارة السفارات الفلسطينية

ما يحدث في السفارات والبعثات الدبلوماسية الفلسطينية يعد نموذجا لما يحدث في باقي السفارات والبعثات الدبلوماسية، إلا أنها تواجه انتقادات أكثر من غيرها لأسباب متعددة، منها مساحة الحرية في وسائل الإعلام الفلسطينية التي ربما لا تتوافر في أماكن كثيرة. 

مراقبون أكدوا أن «السفارات الفلسطينية في عمومها فاسدة وتدار بطريقة «فهلوية» معتمدة على الوساطات والمحسوبيات والتمييز بين الفلسطينيين، وتقدر نفقات البعثات والممثليات الفلسطينية بحوالي 200 مليون دولار سنويًا، على 94 بعثة وموزعة على 25 بعثة في أفريقيا، و25 في آسيا، و32 في أوروبا، وخمسة في أمريكا الشمالية، وستة في أمريكا الجنوبية».

وتناول العديد من الكتاب الفلسطينيين السفارات الفلسطينية والبعثات الدبلوماسية في الخارج محاولين تلمس مستوى أداء هذه السفارات ومعاملتها مع الفلسطينيين المراجعين. فمثلًا كتب عدلي صادق منذ زمن حول أداء هذه السفارات موجها عددًا من الانتقادات، وكتب رؤوف أبو عابد حول ما سماه «الفساد بعيون وقحة في هذه السفارات»، وكتب أيضًا مقال «سفاراتنا: الفساد بأظافر وأنياب».

وكتب أيضًا محمود عريقات مقالًا بعنوان: «الطفيليات في السفارات الفلسطينية وضرورة اجتثاثها» شارحًا فيه بعض أوجه الفساد والتقصير. وكتب هشام ساق الله في طوابق: «الشعب يريد تغيير السفراء.»  أما الدكتور فهمي شراب فقد كتب عددًا من المقالات منها «بعض سفارات فلسطين وصمة عار.. ودولة خارج الدولة»، تحدث فيها عن فساد سفارات فلسطين في الخارج، وعن إهمال السفراء وإساءاتهم للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني. 

السفارات الفلسطينية بالذات تعاني من ضعف التحصين الأمني، وقابلة للاختراق من قبل مخابرات وجنود وأشخاص، وقابلة للاختراقات الإليكترونية. لا تتوفر في السفارات وسائل التأثير على البث أو الالتقاط الإليكتروني، ومن المحتمل جدا أن هواتف السفارات مخترقة، وكذلك مختلف الأجهزة الإليكترونية والكهربائية المستعملة في داخلها. 

دماء عمر النايف وجمال خاشقجي

وأكبر دليل على الضعف الأمني بالسفارات الفلسطينية الذي يرقى إلى مرتبة التواطؤ هو اختراق السفارة الفلسطينية في بلغاريا واغتيال الشهيد عمر النايف. وقد كانت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» واضحة في اتهامها لبعض موظفي السفارة الفلسطينية في التآمر للتخلص من النايف، وقد صدر عن الجبهة بيان بهذا الخصوص. 

Embed from Getty Images

جمال خاشقجي

كما أن حادثة قتل الصحافي والكاتب السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول في تركيا تعد واحدة من أبشع الجرائم التي هزت العالم وارتكبت بتخطيط وتنفيذ بعثة دبلوماسية وداخل مقرها الرسمي، في يوم الثلاثاء 2 أكتوبر (تشرين الأول) 2018. حين دخل الإعلامي الكبير القنصلية السعودية للحصول على وثيقة لإتمام زواجه من امرأة تركية كانت تنتظره خارج المبنى، إلا أنه لم يخرج منها واختفى أثره منذ ذلك التاريخ.

في بداية الأمر قالت السلطات السعودية، إن خاشقجي غادر القنصلية، وبعد ازدياد الضغط الدولي اعترفت السلطات السعودية بأنه قتل في شجار، ثم تغيرت الرواية الرسمية واعترفت بأن الفريق الأمني السعودي الذي قتله خطط مسبقًا للجريمة.

وما تزال المطالبات تنهال من كل الأنحاء على السلطات السعودية للكشف عن مصير جثة خاشقجي، ورجح الادعاء العام التركي أن الجناة قطعوا أعضاء الجثة، وتقول بعض التسريبات: «إن الجناة أذابوا الجثة في محلول كيميائي». 

أكل الأموال بالباطل

الفساد بين البعثات الدبلوماسية وصل للنصب على الحجاج والمعتمرين، وهو ما اعتبرته صحف سعودية أمرًا ليس بجديد، وكشفت بالمستندات والصور عن ما أسمته أكبر قضية فساد بالبعثة الدبلوماسية داخل القنصلية المصرية بجدة في المملكة العربية السعودية.

وكشفت الواقعة عن تواطؤ بعض العاملين الإداريين بالقنصلية بجدة وتسهيل مهمة بعض متعهدي تنظيم وتوفير الإقامة والانتقالات والإعاشة في النصب والاحتيال نظير عمولات وهدايا لهم. ومن بين هؤلاء شخص يدعى السيد خالد محمود حسن مدير مؤسسة «بشاير» سعد العتيبي الذي استولى وحده علي ما يوازي 5 مليون جنيه بحجة توفير الإقامة والانتقالات والإعاشة لأعضاء البعثة.

قضايا فساد البعثات الخارجية طالت المسؤولين الليبيين، فقد كشف القنصل العام الليبي بالإسكندرية عادل الحاسي عن ملفات فساد داخل البعثة الدبلوماسية الليبية في السفارة الليبية بالقاهرة والقنصلية الليبية بالإسكندرية. 

من بين هذه الحوادث، استغلال نائب رئيس المجلس الرئاسي على القطراني، للبعثة الدبلوماسية لمحاولة الاستيلاء على قطعة أرض مملوكة للدولة الليبية مساحتها 352 ألف متر مربع، تقع في منطقة سياحية بضاحية مصر الجديدة بالقاهرة، عن طريق شركة لابن عمه محمد مفتاح القطراني، باستخدام أختام مزورة، لافتًا إلى أن قيمة الأرض تبلغ نحو 15 مليار جنيهًا مصريًا، أي ما يعادل 850 مليون دولار. 

كما كشف أيضًا عن أن القنصل السابق محمد صالح الدرسي استولى على مستندات ملكية قصر لوران بالإسكندرية، الذي يمثل معلمًا تاريخيًا هامًا. مشيرا إلى أن الدرسي قام «بابتزاز وزير الخارجية الليبي محمد سيالة في مبلغ ضخم».

هذا غيض من فيض ما يحدث داخل السفارات والقنصليات وبين أعضاء البعثات الدبلوماسية، ذلك العالم المجهول الذي لا تعرف الشعوب إلا القليل عما يحدث بداخله، وما خفي كان أعظم. 

المصلحة فوق القانون.. كواليس عمليات التهريب بين إيران وسلطنة عمان

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد