لم يلبث محمد علي باشا أن يستقر على عرش مصر عام 1805، حتى انهمك في عدد من الحروب والحملات العسكرية الخارجية، وكانت أوائل الجهود العسكرية المصرية الكبرى في الخارج هي الحرب ضد الوهابية التي خاضها محمد علي بأمر من السلطان العثماني في عام 1813، وتُوِّجَت بالنصر في الجزيرة العربية. 

فتح النصر المظفر شهية محمد علي لبناء جيش مصر الحديث في عام 1820، وهو العام نفسه الذي سيَّر فيه الباشا حملة إلى السودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتنشيط التجارة مع أفريقيا، ما منحه هيبةً أكبر في المنطقة، وغذَّى طموحاته التوسعية.

بموازاة ذلك تمرد اليونانيون ضد العثمانيين في عام 1821، فيما عرف بثورة المورة، بتشجيع من قيصر روسيا ودعم من الفرنسيين، والبريطانيين، ومساندة الجهات الدينية والرموز الثقافية في أوروبا، وعندما عجزت القوة العثمانية عن إخماد تلك الثورة، أصدر السلطان محمود الثاني فرمانًا لمحمد علي بالنجدة، وبالفعل لبّى الباشا النداء، وكلف ابنه إبراهيم باشا لإخماد ثورة اليونان. 

كيف اندلعت ثورة اليونان ضد العثمانيين؟

في عام 1821، كانت اليونان جزءًا من الدولة العثمانية، عدا الجزر الأيونية التي كانت تحت سيطرة الفينيسيين وبعدهم الفرنسيين ثم وقعت بيد البريطانيين في عام 1815. لكن بذور الثورة اليونانية بدأت بتأسيس جمعية «هيتري» (الجمعية اليونانية الوطنية) السرية في عام 1814، تأثرًا بالأفكار الثورية الغربية، وبمساعدة القيصر الروسي، وكان أهم أعضائها، أمثال: إلكسنادروس إيبسيلانتي، وديمتريوس إيبسيلانتي في خدمة القيصر، بل كان زعيم الثورة اليونانية، كابوديستريا، أحد وزراء القيصر إسكندر الأول. 

تاريخ

منذ شهر
الحرب التي أسست لتركيا الحديثة.. قصة انتصار الأتراك على اليونانيين قبل 100 عام

اندلعت شرارة الحرب بدخول إيبسيلانتي إلى المقاطعات اليونانية التي كانت خاضعة للعثمانيين في شهر مارس (أذار) عام 1821 محرضًا على الثورة، وبرفقته فرقة مكونة من 4500 محارب يوناني، دون أن يخفي حصوله على دعمٍ من القيصر؛ إذ كتب في دعوته للثورة: «وإذا اعتدى أحد من الأتراك على أراضي بلادكم فلا تخشوا له بأسًا؛ فإن دولة عظيمة مستعدة لمعاقبة المعتدين عليكم». 

وما إن انتشر في أوروبا خبر قيام اليونانيين بالثورة ضد الدولة العثمانية، حتى اعتبرها الكلاسيكيون حركة إحياء لأمجاد اليونانيين القدماء، ووجد فيها الليبراليون ثورة شعبية لصالح الليبرالية، وصورها المحافظون على أنها ذروة الحرب الصليبية بين المسيحيين والمسلمين، كما يذكر محمد رفعت إمام في كتابه «الأرمن في مصر –  القرن التاسع عشر».

تظاهر الكثيرون من الكتاب والشعراء بتعضيدهم والانتصار لثورتهم ضد المسلمين، وأول من جاهر بالانتصار لليونانيين وبالنداء باستقلالهم هو اللورد «بيرون» الشاعر الإنجليزي، وجرى على سنته الكثير من شعراء فرنسا وكتابها، وفي مقدمتهم «فيكتور هوجو»، وأسست اللجان المختلفة في فرنسا وإنجلترا لمساعدة اليونانيين بالمال والرجال، وسافر المتطوعون من كل بلد في أوروبا.

لولا أن بعض الكتاب الأوروبيين كشفوا اللثام عما توارى خلف بعض كواليس ثورة المورة، إذ كتب الفرنسي «ألفريد لميتر» في كتابه عن الثورة اليونانية أن جماعة من الفرنسيين الذين سافروا إلى بلاد اليونان لنصرة الثائرين فيها رفعوا عريضة إلى أميرال البحرية الفرنسية بالبحر الأبيض المتوسط يسألونه فيها أن يردهم إلى فرنسا، قائلين: «وقد وصفوا لنا اليونانيين قبل سفرنا من فرنسا بشجعان وأبطال يفوقون آباءهم الأولين شهامةً ومجدًا، فما وجدنا هنا إلَّا رجالًا يحملهم حب المال على حب الجرائم، وأناسًا لا يزالون في ظلمات الجهالة والوحشية».

وكتب القومندان «بوجول» في مذكراته عن ثورة المورة في اليونان بتاريخ 22 ديسمبر (كانون الأول) سنة 1827: «وقد جئت الشرق وأنا من أكبر أنصار هذه الأمة «اليونانية» ولم يتغير اعتقادي فيها وإحساسي نحوها إلَّا بالتجربة؛ فهي مجردة عن الوطنية والشجاعة والاتحاد، وهم كل رئيس من رؤسائها أن يكون غنيًّا، وقد بلغت الفوضى حدها في بلاد اليونان، وأغلب أعضاء حكومتها – وكلهم محتقرون أشد الاحتقار – معروفون من الجميع بأنهم المسلحون للصوص البحار، ولولا تداخل الدول لخضع اليونانيون جميعًا هذا العام، واعترافًا بالجميل نحو أمم أوروبا لا يزال اللصوص اليونانيون يعتدون على تجارة هذه الأمم نفسها»، حسبما أورد مصطفى كامل في كتابه «المسألة الشرقية».

أبرز الانتصارات التي حققها المصريون في اليونان

بعد وصول فرمان السلطان العثماني، وجه محمد علي ثلاث حملات كانت الأولى مكونة من 26 سفينة أخمدت ثورات كريت وقبرص ورودس، ثم ثانية من 14 سفينة أقرت الأمن في كريت ومحيطها، فثالثة بقيادة ابنه إبراهيم باشا مكونة من 17 ألفًا من المشاة، و700 من الفرسان، وعدد كبير من المدافع والبنادق، وساندها بأسطول من 51 سفينة حربية و46 سفينة نقل.

في الطريق إلى اليونان لإخماد ثورة المورة وقف الجنود المصريون بجزيرة «كاكسوس»، التي كان أغلب أهلها يعيشون من النهب والسلب، وأخضعوها، قبل أن يجتمع المصريون والأتراك في خليج «بودرون» تحت القيادة العامة لخسرو باشا في أول سبتمبر (أيلول) عام 1824.

وحين نما إلى علم قائد بحرية ثوار اليونان، «مياوليس»، اجتماع المصريين والأتراك، جمع سفنه كلها بين «كوس» وجزيرة «كاباري»، فوجه إبراهيم باشا أسطوله إلى جزيرة كريت، التي شهدت أولى مواجهات الجيش المصري مع الثوار اليونانيين، بمشاركة 5 آلاف جندي مصري بقيادة حسن باشا. 

أما إبراهيم باشا فبعد أن أتم تجهيزاته سار بأسطوله قاصدًا «مودون» بالمورة فوصلها يوم 24 فبراير (شباط) سنة 1825، وما استقر بها حتى أخذ يهيئ الجيش للقتال والحرب، وفي 25 مارس من السنة نفسها بدأ المصريون بمحاصرة مدينة «ناورين» الشهيرة ومدينة «بيلوس».

وقد رأى «إبراهيم باشا» أن الاستيلاء على «ناورين» لا يكون إلَّا بالاستيلاء على جزيرة «سفاكتيريا»، فأرسل إليها حسين بك الجريدلي فاستولى عليها، وفي غضون ثلاثة أيام لاحقة فتح أهالي «بيلوس» أبوابها، وسألوا «إبراهيم باشا» العفو فمنحهم إياه؛ ما شجع أهالي «ناورين» الذين أرهقهم طول الحصار على مراسلة إبراهيم باشا يعرضون عليه تسليم المدينة بالشروط نفسها التي سلمت بها «بيلوس» فرضي بطلبهم، واستولى المصريون على ناورين في شهر مايو (أيار) سنة 1825.

وهكذا أصبح الطريق مفتوحًا أمام المصريين لمهاجمة مدائن المورة ومعاقلها، فاستولوا بسهولة على «نيزي» و«كالاماتا»، حتى بلغوا «تريبوليتسا» التي غادرها اليونانيون وخلفوا وراءهم ذخائرهم، وبحلول 26 يونيو (حزيران) من ذلك العام كانت مدينة «أرجوس» قد أصبحت في قبضة المصريين.

وبينما كان محمد علي باشا يتهيأ لإرسال مددٍ جديد إلى اليونان، عددهم 11 ألف مقاتل، سافروا من الإسكندرية يوم 23 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1825، توجه إبراهيم باشا بجنوده إلى مدينة «ميسولونجي» التي استعصت على «رشيد باشا» ليعاونه في حصارها.

هنا برز «مياوليس» بأسطوله في خليج «باتراس»، لكن الأسطول المصري التركي كبده هزيمة قاسية، ليقضى بذلك على ما تبقى من آمال اليونانيين، وتوالت الانتصارات التي رصدها مصطفى كامل في كتاب «المسألة الشرقية»، فاستولى الجيش على قلعة «فازيليادي» في التاسع من مارس سنة 1826، وبعدها بأقل من أسبوع سقطت «أنتاليكون»، وكان حتميًا بعدها أن تسقط سقوط «ميسولونجي» في فجر يوم 23 أبريل (نيسان)، ثم في شهر يونيو 1827 سقطت مدينة «أثينا» عاصمة اليونان الحالية.

انقلاب الموازين.. تدخل القوى الأوروبية والقيصر الروسي 

كانت الهزائم التي ألحقها المصريون بالثوار اليونانيين ثقيلة؛ حتى ارتفعت أصوات أنصار اليونان في أوروبا ضدهم، وأطلقوا على «إبراهيم باشا» لقب السفاح، ومع ذلك أصبحت المورة تدريجيًا مصدرًا للإزعاج الشديد لمحمد علي؛ إذ أثبتت أنها ساحة حرب حقيقية؛ وليست ميدانًا للتدريب. 

تاريخ

منذ 8 شهور
أطول حروب محمد الفاتح.. قصة الحرب التي دامت 16 عامًا مع البندقية

وكلما طالت أمد الحرب، زاد شعور محمد علي بوطأتها الثقيلة على ماليته وموارده؛ ولا يعود ذلك فقط إلى زيادة عدد القوات المرسلة إلى منطقة النزاع بكل ما يستتبعه ذلك من إرسال ملابس ومعدات، ولكن بقدر أكبر لأن السلطان طلب من محمد علي أن يجهز له أسطوله هو أيضًا. 

وفي عام 1827 اتخذت الأمور منحى سيئًا أجبر محمد علي إعادة التفكير جديًا في موقفه في الحرب، ففي صيف ذلك العام، اتضح أن القوى الأوروبية والروس قد اتفقت على أن تضمن لليونانيين الاستقلال عن الباب العالي، وأن مشاركته في حملة اليونان ربما تدخله في مواجة مباشرة مع أوروبا. 

يصف القنصل العام البريطاني هذا الموقف قائلًا: وجد محمد علي نفسه «في وضع صعب للغاية، فالباب العالي يتوقع منه الكثير في ذات الوقت الذي يشعر فيه بالانزعاج لرغبته في ألا يفعل أي شيء يناقض رغبات الحكومتين البريطانية والفرنسية»، كما أورد خالد فهمي في كتابه «كل رجال الباشا: محمد علي وجيشه وبناء مصر الحديثة».

ووصل محمد علي في ذلك إلى حد التفكير في أنه إذا فشلت المفاوضات بين القوى الأوروبية والباب العالي حول قضية استقلال اليونانيين سوف يبحث عن ذريعة للخروج من الحرب، وأن ذلك يمكن تحقيقه إذا أرسلت فرنسا وبريطانيا قوة بحرية مشتركة إلى الإسكندرية، في مظاهرة بحرية تجبره على التوقف عن الحرب، وفي هذه الحالة سيسحب قواته وابنه فورًا من المورة. 

ولكن الباب العالي على العكس لم يجد سببًا للانزعاج، بل كتب الصدر الأعظم إلى محمد علي يطلب منه أن يحث ابنه إبراهيم على القتال، وألا يكترث بجلبة الإفرنج ولغطهم الواهي وأضاف – كما ورد في كتاب «كل رجال الباشا» – أنه «نظرًا لأن نصر الله لا يعتمد على عدد السفن، وبما أن المهمة دقيقة وقد حانت ساعة تفريق الحق من الباطل فقد رأينا أن نحثه على القتال معتمدًا على نصر الله المعين».

هكذا تنبأ محمد علي بدمار أسطوله البحريّ

لم يكن محمد على وابنه إبراهيم يشاركان الصدر الأعظم تقييمه للموقف، واعتبرا وجود الأساطيل البريطانية والفرنسية والروسية المتحالفة خطيرًا للغاية، وقبل معركة نافارين البحرية كتب محمد على خطابًا إلى نجيب أفندي مندوبه في إسطنبول قال فيه: 

«هناك قضيتان تستحقان التفكير فيهما بصدد الوضع الراهن، أولهما؛ أن تحركات الأوربيين ليست أكثر من تهديد كاذب، والثانية؛ أن الأساطيل سوف تحاول بالفعل أن تحصر أساطيلنا، فإذا كان التهديد كاذبًا، فهذا هو ما نريده تمامًا، إلا أن الذين يتحملون المسؤولية عن الدول والممالك ويواجهون هذه القضايا، يتوقعون كما تعرف النتيجة الأسوأ بدلًا عن (الاكتفاء بـ) الأمل في الأفضل. 

تاريخ

منذ شهر
قصة أكبر ثورات صعيد مصر على حكم محمد علي باشا

وعلى ذلك إذا لم يكن تهديد الأوربيين كاذبًا، علينا أن ندرك أننا لا نستطيع أن نواجههم، وأن النتيجة الوحيدة المُمكنه ستكون غرق الأسطول بأكمله، والتسبب في موت ما يصل إلى 30 أو 40 ألف رجل، وحينئذ سيقال إن محمد على باشا هو سبب هذه الكارثة وسيصبح اسمي ملطخًا بهذا العار دائمًا، وليس تحمل المسؤولية عن 30 أو 40 ألف نفس مهمة هينة، لذلك توقفت عن إرسال خطابات لابني تشجعه على مواصلة القتال. 

واستكمل محمد علي: «والنصر لا يتحقق في الحروب بمجرد الاعتماد على الله والثقة فيه، ولكن أيضًا ببذل كل الجهود البشرية الممكنة، وقد أمرنا الله في كتابه (ليس) بأن نواجه الأعداء (فحسب)، ولكن (أيضًا) بألا ندخر جهدًا في مواجهتهم. غير أن ذلك يتطلب معرفة شاملة بفن الحرب. ونحن للأسف يا صديقي العزيز، بالرغم من أننا أهل الحرب ما زلنا في ألف باء هذا الفن، بينما سبقنا الأوروبيون كثيرًا وطبقوا نظرياتهم (عن الحرب)… (وبالتأمل في ذلك) يفكر المرء في قبول أقل الضررين، أعني مبدأ استقلال (اليونانيين) و(تحقيقه من خلال) الوساطة النمساوية». 

وأضاف: «وسوف يعنى هذا للأسف أن… تضيع كل الجهود والأموال التي بذلتها في هذا الأمر ومعها جنودي وضباطي… وأنا هنا متحير: هل أحزن على نكبة الدولة العلية أم على جهدي الضائع؟ لذلك أنا في شدة الحزن والأسى».

وكأن محمد علي كان ينظر من وراء الحجب إلى الكارثة المروعة التي حلت بالأسطول العثماني المصري المشترك في معركة نفارين يوم 20 أكتوبر 1827، ففى أقل من ثلاث ساعات انتهى الأسطول العثماني بكامله، ودمرت أغلبية السفن المصرية إما غرقًا أو حرقًا، وهو الأسطول الذي قطع محمد علي شوطَا طويلًا في شرائه وتحسينه، واعتاد أن يتباهى بامتلاكه قائلًا: «إن العالم الإسلامي لم يشهد له نظير من قبل». 

حتى بعد هزيمة نفارين، لم يغير الباب العالي موقفه، ورفض الاستماع إلى أي من طلبات إبراهيم بانسحابه إلى مصر، وأكد بدلًا عن ذلك على أهمية الاحتفاظ بكل الأراضي الواقعة تحت سيطرته، بالإضافة إلى شن حملات جديدة على شبه جزيرة المورة، لكن محمد علي رفض الاستماع إلى هذه الطلبات – بعد الخسائر التي مُني بها، وتداعي القوى العظمى في مواجهة العثمانيين – وانتهى إلى توقيع معاهدة مع القوى الأوروبية تضمن انسحابًا آمنًا لابنه من أراضي اليونان القارية. 

ماذا دفع القوى الغربية العظمى للتدخل في النزاع؟

لا تكتمل الصورة، إلا بالوقوف على الدافع الحقيقي لتدخل الدول الغربية العظمى في النزاع، والذي حسبما يؤكد المؤرخ هنري دودويل أنه لم يكن منشؤه ما ارتكبه القراصنة اليونانيون من الجرائم والفظائع لدرجة سلب البواخر الأوروبية ونهبها، بل كان مرده إلى ما لروسيا من مطامع سياسية تبتغي تحقيقها. 

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
أحمد باشا الجزار.. الثعلب العجوز الذي قهر نابليون بونابرت

فالإمبراطور إسكندر كان ينظر دائمًا إلى حمايته الطبيعية للكنيسة الأرثوذكسية باعتبارها خير وسيلة للتدخل في الشؤون العثمانية، على أنه لم يكن ميالًا بين سنتي 1823 و1824 إلى أن تنفرد روسيا دون الدول الأخرى بعمل خاص، ومن ثم وضع تدابير باسم المؤتمر الأوروبي من شأنها أن تجعل لروسيا الكلمة العليا في اليونان، كما يذكر المؤرخ الإنجليزي هنري دودويل في كتابه «الاتجاه السياسي لمصر في عهد محمد علي».

لكن هذا المؤتمر ولد ميتًا – إن صح القول – بسبب تنصل بعض الأطراف، ثم وفاة الإمبراطور إسكندر عام 1825، وحين خلفه الإمبراطور نقولا على العرش، رأوا ألا مفر من اتخاذ إجراءات أخرى للحيلولة دون نشوب الحرب بين روسيا وتركيا بسبب المشكلة اليونانية. 

اتفقت روسيا وإنجلترا على التدخل في النزاع، واقتنعت فرنسا بضرورة الانضمام إلى الدولتين المذكورتين، وتقدم سفراء الدول الثلاث بالتماسات عديدة إلى الباب العالي لوقف القتال، ولكنها كلها قوبلت بالجواب نفسه: أن الثورة اليونانية مسألة داخلية بحتة ليس لها، أي أهمية شرعية بالنسبة للدول الأوروبية.

كان الباب العالي يراهن على أن انقسام أوروبا سيحول دون تدخلها في النزاع، استنادًا إلى تاريخ التحالفات الأوروبية المليء بالمصاعب، وترجيح ألا توافق روسيا على أي عمل تقوم به فرنسا وإنجلترا. 

لكن هذه التوقعات طاشت عندما عقدت الدول الثلاث اتفاق السادس من يوليو (تموز) 1827 الذي تمخض عن ضرب أساطيل الدول الثلاثة الحصار على المورة لتجويع إبراهيم وقواته، وتوجت المواجهة بمعركة نافارين عام 1827، التي مهدت الطريق للاعتراف رسميًا في العام التالي بإقامة الدولة اليونانية بموجب بروتوكول لندن في عام 1828.

وبالرغم من الخسارة الفادحة التي تكبدتها مصر في الأرواح والأموال، وفقدانها أسطولها الناشئ، إلا أن حرب اليونان (المورة) منحتها عدة مكاسب، رصدها محمد فيصل عبد المنعم في كتابه «مصر تحت السلاح»، أبرزها اعتراف القوى العظمى بمكانة مصر على الساحة الدولية، والتفاوض معها مباشرة بعيدًا عن الدولة العثمانية، وتمخض عن ذلك توقيع اتفاق أغسطس (آب) عام 1828 بين أوروبا ومصر دون الرجوع للدولة العثمانية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد