بنظارة صفراء، وشعر طويل مستعار، وفي معطف مفتوح أقرب إلى السواد، كان الشاب الفلسطيني عبد الباسط عودة 25 عامًا، يتحرك في أنحاء فندق «بارك» في مدينة نتانيا وسط إسرائيل بحرية تامة، وبثقة مطلقة سهلها عمله السابق في فندقين في المدينة نفسها، الشاب الذي كان قد تعرض لصدمة نفسية شكلت نقطة تحول في حياته، حين رفض الاحتلال الإسرائيلي لم شمله بخطيبته حين رفضوا عبوره إلى العراق عن طريق الأردن، كان قد انضم إلى صفوف حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، ليتطوع بعدها لتنفيذ عملية «فدائية» يفجر فيها نفسه بحزام ناسف في الفندق المذكور.

ألقى عودة قنابله اليدوية، ثم فجر نفسه في قاعة الفندق التي كانت تضم وقتها مئات الإسرائيليين، ليسقط نحو 150 إسرائيليًّا بين قتيل وجريح، في عملية عُدَّت الأخطر ضد إسرائيل في ذلك الوقت الذي كان يموج فيه الشارع الفلسطيني بأحداث الانتفاضة الثانية، أعلنت حماس مسؤوليتها عن العملية، لكن أصابع التنديد الإسرائيلي تركزت على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، الذي حمَّله شارون المسؤولية، وطالبه باعتقال ناشطي الفصائل المسلحة ووقف العمليات الفدائية والانتفاضة عمومًا، وكانت إيذانًا ببدء الحصار الإسرائيلي لمقر إقامة عرفات في رام الله.

غضب شارون يتصاعد ضد عرفات

لم تكن عملية نتاليا سوى قمة جبل الجليد؛ إذ إن الغضب من عرفات قد بلغ ذروته قبلها داخل أروقة السياسة الإسرائيلية، فالرجل الذي لم يتوصل إلى اتفاق سلام حقيقي مع الإسرائيليين برعاية أمريكية عام 2000 (فيما سمي بقمة  «كامب ديفيد 2»)، كان قد شعر بأن مسار التسوية قد وصل إلى طريق مسدود، ومع اندلاع الانتفاضة الثانية في سبتمبر (أيلول) 2000، قرر عرفات تغيير البوصلة قليلًا، فتحالف – ضمنًا – مع فصائل المقاومة المسلحة وعلى رأسها حركة حماس، كما أوعز إلى قيادات حركة فتح بأخذ دورها في العمل المسلح، عبر تشكيل «كتائب شهداء الأقصى» جناحًا عسكريًّا للحركة.

ولعل عرفات الذي كان قد جاوز حينها السبعين عامًا، قد شعر بالحنين إلى أيامه الخوالي، التي قضاها في الكفاح المسلح ضد الجيش الإسرائيلي، ففي الرابع من يناير (كانون الثاني) 2002، استولت البحرية الإسرائيلية على السفينة «كارين إيه» بعد 500 كم من السواحل الإسرائيلية، على سفينة محملة بكميات من الأسلحة النوعية، من بينها قاذفات وراجمات وقنابل وألغام مختلفة، وصواريخ مضادة للدروع من نوع «ساجر»، ومواد متفجرة متطورة، وقوارب مطاطية، وأدوات غوص، وأسلحة رشاشة وصاروخية.

كانت السفينة منذ خروجها من ميناء بندر عباس الإيراني، تحت أعين الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية، التي كانت تظن أن تلك الحمولة في طريقها إلى حزب الله، لكن، وبحسب الرواية الإسرائيلية، فإن أحد أفراد السفينة  قد تحدث – في مخالفة للتعليمات – عن وجهتها إلى قطاع غزة، لتتم مصادرة السفينة واعتقال طاقمها الذين لا زالوا يقبعون في السجون الإسرائيلية حتى اليوم، وليوجه شارون أصابع اتهامه إلى ياسر عرفات شخصيًّا بالمسؤولية عن هذه الشحنة، التي كانت ستؤثر في موازين الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي حينها لو وصلت إلى هدفها المنشود، وليطالب الإسرائيليون بتسليم العميد فؤاد الشوبكي، المسؤول المالي في السلطة حينها، والذي اتهمته تل أبيب بأنه طرف رئيسي في العملية.

أنكر عرفات التهمة إعلاميًّا، ورفض تسليم الشوبكي وآخرين، ولكن الشوبكي الذي اعتُقل عام 2006 بعد وفاة عرفات، وحُكم عليه بالسجن 17 عامًا، قد أدلى باعترافات تضمنت مسؤولية ياسر عرفات التامة عن العملية، وبأن عرفات قد أوعز إليه بالتواصل مع الإيرانيين واللبنانيين لتسليح الانتفاضة، مشيرًا إلى أنه التقى مع مبعوثين إيرانيين في دبي خلال عام 2001، واقترحوا مساعدة عسكرية للسلطة الفلسطينية، تضم بناء مصانع أسلحة وتكنولوجيا صنع معدات قتالية وتدريبات عسكرية. وأضاف أن «الأسلحة التي كانت على متن السفينة جرى تمويلها من جانب عرفات شخصيًّا، الذي أمر بنقل 125 ألف دولار لتغطية أجرة السفينة».

ومما زاد من حدة الغضب الإسرائيلي تجاه عرفات، رفضه تسليم الأمين العام للجبهة الشعبية أحمد سعدات، والناشطين الثلاثة من الجبهة الذي اتُّهموا باغتيال وزير السياحة الإسرائيلي، رحبعام زئيفي، دبرت الجبهة عملية اغتيال الوزير الإسرائيلي في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2001، في فندق بالقدس المحتلة، ردًّا على قيام إسرائيل باغتيال أمين عام الجبهة، أبو علي مصطفى، بصاروخ موجه، وكانت الأجهزة الأمنية الفلسطينية قد اعتقلت سعدات والناشطين الثلاثة، وحققت معهم للتهدئة تحت سيل الضغوطات الإسرائيلية والغربية، لكن عرفات رفض الضغوط الإسرائيلية بتسليمهم. 

لأجل ذلك كله، كانت الدماء في عروق شارون تغلي من الغضب تجاه عرفات، وكانت عملية نتاليا القشة التي قصمت ظهر البعير، ليقرر الإسرائيليون بعدها تصويب سهامهم نحو عرفات شخصيًّا، فكانت عملية «السور الواقي»، في 29 مارس (آذار) 2002.

يوميات حصار ياسر عرفات

في 29 مارس عام 2002، وفيما سماها الجيش الإسرائيلي عملية السور الواقي، تحرك أكثر من 30 ألف جندي إسرائيلي ومئات الدبابات لاحتلال مدن الضفة الغربية، وبخاصة «مثلث الرعب» الذي تمثل في مدن جنين وطولكرم ونابلس، في هذه المرة لم يبد أن ثمة خطوط حمراء للإسرائيليين، فقد اجتاحت القوات الإسرائيلية مدينة رام الله (العاصمة الإدارية للسلطة الفلسطينية)، وتوجهت مباشرة إلى مقر إقامة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات المعروف باسم «المقاطعة»، كانت حكومة شارون قد حددت قبل شهور تحركات عرفات لتقتصر على مدينة رام الله فقط، لكنها قررت الآن تضييق دائرة الحصار أكثر فأكثر.

كانت الأوامر تقتضي بحصار عرفات دون قتله، وخرج شارون ليعلن أنه سيحول الزعيم الفلسطيني إلى مسخ وسيدمر صورته أمام شعبه، حوصر عرفات مع 430 شخصًا، كان من بينهم الأمين العام للجبهة الشعبية أحمد سعدات، والمتهمون الثلاثة بقتل الوزير الإسرائيلي، وبدأ الجنود والآليات العسكرية الإسرائيلية بإطلاق النار، ليرد حراس عرفات برصاص بنادقهم، حتى تهدمت جدران المقاطعة باستثناء مبنى واحد، تكسرت معظم أجزائه، باستثناء غرفة وحيدة ظل عرفات يمارس منها مهامه اليومية بصفته رئيسًا للسلطة الفلسطينية.

فيلم تسجيلي عن يوميات الحصار – من إنتاج مؤسسة ياسر عرفات الفلسطينية

ومنذ البداية، قطعت إسرائيل المياه وخطوط الهاتف عن المحاصَرين، تبعه بعد ذلك قطع التيار الكهربائي عن المكان، والتشويش على اتصالات الهواتف الخلوية فيما كان يسمح بدخول كميات ضئيلة من الطعام تكفي فقط لئلا يموت المحاصرون جوعًا (قطعة خبز ونصف علبة فول لكل شخص)، كما مُنع الدواء عن المحاصرين، ومن بينهم أدوية عرفات نفسه، الذي لم يميز نفسه عن المحاصرين بأي شكل.

طالبت إسرائيل، وعبر مكبرات الصوت المحاصرين بتسليم أنفسهم، وإلقاء أسلحتهم والخروج رافعي أيديهم، وهو ما رفضه ياسر عرفات رفضًا قاطعًا، ليقول كلمته الشهيرة، يريدونني إما «أسيرًا وإما طريدًا وإما قتيلًا، وأنا بقولهم شهيدًا شهيدًا شهيدًا»، قبل أن ينجح عشرات من المتضامنين الأجانب في تجاوز الدبابات الإسرائيلية، والانضمام إلى المحاصَرين في المقاطعة، ليشكلوا دعمًا معنويًّا ضد الحصار.

قوبل حصار ياسر عرفات ببرود عربي ودولي، مع تواطؤ أمريكي، أصاب عرفات بالإحباط، خرج البيت الأبيض ليعلن أن شارون «رجل سلام»، وحين زار وزير الخارجية الأمريكي، كولن باول، مقر المقاطعة للقاء عرفات، كان أقصى ما تمخضت عنه الزيارة هو إعادة الكهرباء والماء إلى المبنى المحاصر، ذرًّا للرماد في العيون لا أكثر، ويروى مرافقو عرفات مدى السعادة التي شعر بها حين تمكن من الاستحمام لأول مرة منذ أسبوعين، وهو ما يعطي صورة عن المدى الذي وصل إليه التشدد الإسرائيلي في التضييق على عرفات ومرافقيه داخل المقاطعة.

كما استقبل عرفات وزير الخارجية الأردني الذي نجح بصعوبة في إدخال بعض الطعام لعرفات، الذي تدهورت صحته، ولم تستجب إسرائيل للمطالبات برفع الحصار عنه والسماح له بالسفر للعلاج في الخارج، بل أعلن شارون أن عرفات إذا غادر الأراضي الفلسطينية «فلن يعود إليها أبدًا».

نصف انتصار ونصف هزيمة

بالتزامن مع حصار ياسر عرفات في مقر المقاطعة، كان ثمة حصار آخر فرضه الجيش الإسرائيلي على كنيسة المهد في محافظة طولكرم بالضفة الغربية، بعد احتماء عشرات المدنيين وبضعة مسلحين فلسطينيين بها، تحتل الكنيسة رمزية دينية كبرى في العالم المسيحي، حيث يُعتقد أنها مهد مولد يسوع المسيح، لكن شارون لم يُبال كثيرًا بهذه الرمزية الدينية، ولا بصورة إسرائيل أمام الرأي العام العالمي، فقد حاصر الجيش الكنيسة، وحاول اقتحامها أكثر من مرة، بما في ذلك إشعال النيران في إحدى زوايا الكنيسة.

مع الوقت، تصاعدت الضغوط الشعبية والرسمية على إسرائيل لفك حصاري المقاطعة وكنيسة المهد، خرج آلاف الفلسطينيين للتظاهر في رام الله، كما دعا الرئيس الأمريكي جورج بوش إلى انسحاب إسرائيل من أراضي السلطة، وإيجاد حل سلمي يفك الحصار عن عرفات وكنيسة المهد.

برعاية أمريكية بريطانية، جرت مفاوضات فلسطينية إسرائيلية، مثَّل عرفات فيها مستشاره محمد رشيد، أسفرت المفاوضات عن الاتفاق على فك الحصار عن المقاطعة، في مقابل إجراء محاكمة عسكرية في مقر المقاطعة لناشطي الجبهة الشعبية الأربعة المتهمين باغتيال الوزير الإسرائيلي، المتهمين باغتيال زئيفي، جرى على إثرها إصدار أحكام بالسجن لمدد تتراوح بين عام و18 عامًا.

جرى الاتفاق على نقل الناشطين إلى سجن أريحا التابع للسلطة الفلسطينية، كما نُقل الأمين العام للجبهة الشعبية أحمد سعدات، وفؤاد الشوبكي، المتهم إسرائيليًّا بأنه أحد الأطراف المتورطة في عملية السفينة «كارين إيه»، إلى السجن نفسه، الذي اتفق أنه سيبقى تحت حراسة أمريكية بريطانية، وهو القرار الذي استنكرته الجبهة الشعبية، واعتبرته «خطيئة جديدة» للسلطة، كما اعتبر أحمد سعدات أنه ورفاقه «كانوا تذكرة عرفات إلى الحرية».

أما على صعيد كنيسة المهد، فقد اتفق المفاوضون على فك الحصار الإسرائيلي عن الكنيسة، في مقابل  إبعاد الناشطين الفلسطينيين المطلوبين المحتمين بها، جرى إبعاد 39 فلسطينيًّا عن مدنهم في الضفة الغربية، 13 منهم إلى خارج الوطن حيث وزعوا على دول أوروبية مختلفة، فيما أُبعد الآخرون من الضفة الغربية إلى قطاع غزة.

فُك الحصار عن ياسر عرفات، لكن صحته تدهورت بسرعة بعد ذلك، ليُنقل للعلاج في باريس التي عاد منها محمولًا في كفن عام 2004، وسط اتهامات بتدبير إسرائيل قتله بالسم، بعد أن ضاقت به وبتصرفاته. لم تلتزم إسرائيل بالاتفاق المبرم، إذ جرى في عام 2006 اقتحام سجن أريحا من قبل الجيش الإسرائيلي، بعد انسحاب مفاجئ لحرس السجن الأمريكيين والبريطانيين، حيث جرى اعتقال سعدات ورفاقه واقتيادهم إلى السجون الإسرائيلية.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
رحلة القرن.. كيف حرفت اتفاقية أوسلو بندقية «منظمة التحرير» باتجاه الداخل؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد